العمالقة لا تلد الأقزام

20139 مشاهدة

لم نسمع قط أن أسدا ولد في سلالته عنزة أو ولد من صلبه خروفا، فسلالة الأسْدِ تبقى أسودا، والخرفان خرفانا..، لأن رحلة انتقال جينات كائن ما، تبقى هي ذاتها محافظة على نسلها. وإلا وقع الخلط في الكائنات، ثم يجري التشوه في صفة المخلوقات. بذلك اقتضت سنة الله في خلقه، أن يبقى كل على الحال الذي خلق عليه، فلا الحمار يصبح فيلا ولا الفيل يصبح زرافة. فتنشأ الحياة وكافة المخلوقات على الفطرة التي خلقت عليها دون تبديل أو تشويه أو تغيير.
سبحان من قدر ودبر فسوى ..

ومع الكشف ثبت أن الصفات والمحاسن تنتقل هي كذلك عبر الجينات أو ما يسمى بالخبر الوراثي. أي أن الخصلة والسلوك لها جانب في طبائع التوريث بالإضافة لتأثيرات البيئة والتنشئة الاجتماعية، وكذا تأثيرات العوامل الثقافية والاقتصادية والدينية فلها نصيبها كذلك. والحديث في هذا الموضوع مختلف فيه، يبقى السجال حوله مرتبط بمدى الصحة والثبوت أو التأكيد والنفي. ولا غرو أن الاتجاهات المعاصرة تنزع لوصف الإنسان ككائن له جسم وعقل ووجدان وأخلاق اكتسبها قبل الولادة تتطور مع مرور الزمن عبر الانتقال الوراثي..ومهما كانت صحة ما قيل في هذا الموضوع، فإن بعض القصص من تاريخ سلفنا، قد تبرز أهمية إمكانية هذا الطرح..

فالقصص التي سأذكرها هي شهيرة على لسان معظم الخطباء والدعاة..،

فالأولى: كالآتي، حول هذا الرجل من السلف الذي كان يقوم على حراسة أحد البساتين، فدخل عليه صاحب البستان، فطلب منه أن يجلب له رمانة حلوة المذاق، فذهب هذا الحارس فجلب له رمانة، بعد أن تذوقها السيد وجدها حامضة المذاق، فقال له صاحب البستان، طلبت منك رمانة حلوة المذاق، عد واجلب لي رمانة أخرى، فجلب له رمانة ثانية فكانت كذلك تميل إلى الحموضة. فتعجب السيد من هذا الحارس متسائلا: أنت تحرس هذا البستان سنة كاملة ولا تعرف مكان الرمان الحلو من المر والحامض..

فكان رد الحارس أغرب من السؤال؟ إذ قال له، يا سيدي أمرتني بحراسة البستان لا أن أتذوق الرمان.. فكيف لي أن أعرف الرمان الحلو من غيره..

فتعجب السيد من أمانة هذا الحارس وصدقه وإخلاصه. فطلب منه أن يتزوج ابنته، لما رآى منه الوفاء والصدق والخلق الرفيع، فأنجبا طفلا كان رجلا جهبذا عالم زمانه عبقريا في علمه يدعى عبد الله بن المبارك.

القصة الثانية: عن الشاب الذي وجد تفاحة تطفو فوق ساقية المياه وقد جرفها السيل، اكتشف ذنبه بعد أن عض منها عضة بدون إذن صاحبها، فكان منه أن تبع مجرى المياه، وفي طريقه المحاذي لمجرى المياه قد وجد حائطا للبستان الذي تطل على جدرانه أغصان التفاح، الشبيه بالتفاحة التي قضمها بفمه. أراد أن يستسمح صاحب التفاح في قضم تفاحة بدون إذنه بعد أن جرفها سيل المياه وقد سقطت من إحدى أشجاره.. فما كان من صاحب التفاح أن رفض مسامحة هذا الشاب، لأن الرجل قال في نفسه هل يوجد في هذا الزمن شاب بهذه التقوى والخشية يتقي الله في عضة تفاحة..

فقال صاحب البستان: شرطي الوحيد حتى أغفر لك مما اقترفت، وهو أن تتزوج ابنتي، فهي عمياء صماء وبكماء ومقعدة، فصدم الشاب لهذا الشرط الصعب والغريب، والذي إن هو قام بتنفيذه سامحه السيد على عضة التفاحة.. لكن الشاب فكر في هذا الموقف المهول، والمصيبة التي أوقع نفسه فيها، لكنه تأمل في العذاب، عذاب الدنيا فهو أهون بكثير من هول وعذاب الآخرة، فتساءل مع نفسه الطاهرة أفبسبب تفاحة قد أكلها بدون إذن صاحبها تسبب له شقاء خالدا..

مما جعل الشاب يقبل بزواج هاته البنت، البنت الوحيدة لصاحب البستان..

فلما دخل على زوجه هاته رأى فتاة جميلة من أجمل النساء، سليمة القوام لا عاهة ولا عيب فيها، فقالت له : إن أبي كان صادقا حين قال: أني عمياء صماء بكماء مقعدة، فأنا عمياء عن الحرام، بكماء عن الكلام في الحرام، وصماء عن الاستماع للحرام، وعمياء عن النظر في الحرام، ومقعدة عن المشي للحرام.فكان أبي يبحث لي عن زوج صالح، فلما جئْـته تستسمحه في تفاحة. مخافة المعصية في أكلها حري بك أن تخشى الله في ابنته.فكان من ثمرة زواجهما أن أنجبا الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت.

أما القصة الثالثة: قد حدثت في عهد عمر ابن الخطاب، وهو يتفقد الرعية في جوف الليل، فلما أخذه التعب من كثرة التجوال جلس إلى جانب حائط، فسمع حوارا بين عجوز وابنتها، تطلب فيه العجوز من ابنتها أن تخلط الماء باللبن، فقالت البنت لأمها: ألم تعلمي بأمر عمر متوعدا بالعقاب، فقالت لها الأم: اخلطيه فإن عمر لا يرانا.. فردت عليها البنت: يا أماه إذا كان عمر لا يرانا، فإن رب عمر يرانا.

فعمر بن الخطاب سمع الحوار وأعجب بتقوى وورع الفتاة، فزوجها لابنه عاصم، فأنجب منها بنتا كانت هذه البنت هي أم الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل الذي حكم بعدله سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام.

من خلال القصص هاته التي يمكن استخلاص الكثير من القيم والإبداع في فن الحياة والنبل في سجايا النفس والطبع الراقي عن خلاف عادات الناس المشوهة. تؤكد أن النسل الطاهر ينجب نسلا شبيها في طهره. وهذا مما جعلهم يدخلون التاريخ تدوينا وذكرا واتباعا. لأن أي محاولة لفهم هذه الفلتات الجينية عبر أزمنة التاريخ قد يعتبرها البعض سوى مسألة لا تحيد عن معنى القضاء والقدر أو ما يسميها البعض الآخر ب “الصدفة” التي لعبت دورها في خروج مثل هذه النماذج.

لعل من لا يعرف عبد الله ابن المبارك أحد جهابذة الدين وعلومه، الذي تدخلت رمانة في بواعثه للحياة، ومن لا يعرف أبا حنيفة الفذ العبقري في إقناعه وحجته، الذي تدخلت تفاحة في جمع شمل والديه، ثم من لا يعرف عمر بن عبد العزيز، الذي كان اللبن سببا في صياغة أصوله السليلة والتي نسجت الرابطة الدموية من أجل حدوثه.فالحقيقة أنه الجاهل بالتاريخ والجاهل بهؤلاء العظماء، فمن الصعب عليه الإذعان أساسا بأنهم أحفاد وأبناء عظماء قد عاشوا في الظل هم أنفسهم كانوا سببا مقنعا لخروجهم إلى هذا الوجود.لعلي أميل إلى أن هؤلاء العظماء من صلب عمالقة ولدوا نتيجة التقاء جيني فريد شكل الطفرة البشرية التي قلما تتكرر.لهذا يحرص الإسلام على الاختيار، اختيار الزوج لزوجه، من حيث الكفاءة والدين، باعتبار العبارة المقتطفة من الحديث “فاظفر بذات الدين” هي القاعدة التي تؤطر الاختيار، تمهيدا لتشكيل نطف بشرية تحقق الإنسان السليم القويم الصالح.

وعندما ذكرنا هذه النماذج النوعية من عجائب السلف ليس ترفا فكريا أو انتشاء تاريخيا بالأمجاد أو اكتشافا جديدا في مفاهيم الوراثة لكي يتم البحث عن جينات وراثية من سلالات عريقة وفذة…، لكن القصد هو ترسيخ لمبدأ صلاح هذه الأجيال إنما بصلاح الأجيال التي سبقتها في الزمان والمكان، فلا يمكن أن نقول عن صلاح الأبناء دون أن نربت على تربية الآباء، فنفس الشيء تماما في المقابل عن سوء الأدب عند الأبناء دون أن نلجأ بالتفكير ولو تمعرا في سوء خلق آبائهم..

كما هو الحال في تلك الرمزية التوافقية حول هذا الشبل الذي هو ابن لذاك الأسد. فإن العمالقة من التاريخ طبعا لا ينجبون إلا عمالقة أمثالهم، قد يتسلل لهذه الطبقات من العمالقة أقزام يلوثونها بلوثات تقزم وتمسخ وتغير من طبائع الجهابذة.

وعليه، فإن الشعوب الإسلامية هاته التي تعطلت ملكاتها، ومسخت عقولها، واستلبت رغباتها، وقيدت معها إراداتها، وشوهت طبائعها، وانحرفت بذلك سلوكياتها. فهو من الصعب وسابق لأوانه الحديث عن صناعة تحويلها لشعوب حضارية عملاقة، ذلك أن الشعوب القزمية في تفكيرها ونهجها وتخطيطها واتجاهاتها تظل لا محالة قزمة لا يعترف بها.

اترك تعليق

4 تعليقات على "العمالقة لا تلد الأقزام"

نبّهني عن
avatar
chakir
ضيف

salm espero que escribís un poco de lo que esta pasando en el palacio haber si cambia le genética y si nace un rey que se cambia le cultura de besar los manos y robar el dinero de los pobres

laila
ضيف

tbarkallah 3lik matowalch 3lina lghiba

نوارة
ضيف

بارك الله فيك اخي مواضيعك دائما في المستوى وتحكي عن معاناة المجتمع واسباب تخلفه

hicham
ضيف

موضوع جد متميز كما عودتنا اخي الكريم وفقك الله

‫wpDiscuz