العراق: مت هكذا في علو أيها العلم…الأرض ضاقت والموت يبتسم/العراق: نبأ سليم حميد البراك

36900 مشاهدة
هذا هو عنوان مسرحية عراقية أبدع وجسم شخوصها اثنان من الشباب العراقيين المبدعين. قدموها على مسرح مدينتهم الصغيرة قضاء الشطرة محافظة ذي قار تلك المحافظة الجنوبية الوادعة التي انجبت على مر التأريخ اعذب الأصوات الغنائية وأشجى الألحان والقصائد الشعرية العمودية والشعبية. نسائها ولدت مبدعين أضافت أسمائهم ألقا وبهجة الى تأريخ المدينة والعراق.هل تصدق ان عالم المجانين أعقل من عالم الانسان العاقل؟ أنا صدقت ذلك بعد ان شاهدت تلك المسرحية القصيرة التي نقلتها فضائية الفيحاء العراقية. مسرحية لم يتجاوزعرضها الزمني نصف ساعة جعلتني أشعر انني في مركبة اخترقت حاجز الزمن فعادت بالمشاهد الى أول جريمة قتل ارتكبها الانسان بحق أخيه الانسان عندما قتل قابيل أخيه هابيل، ثم عادت بنا لترينا جشع وبشاعة عقل الانسان الذي يخطط ويهندس ويبتدع الوسائل والأساليب ليجوع ويستعبد ويفتك بأخيه الانسان ثم يشبع رغبة التملك والعظمة والقوة والسطوة عنده . هل لعقلك ان يتصور كم القوة في المعنى والمغزى الذي انبعث وأخترقت حاجز العقل عندي ؟ وجدت أمامي منظرا لم أره في حياتي! شخصان محسوبان على عالم المجانين لايعرفان أسما لهما ولايملكان من حطام الدنيا غير أثواب بالية تستر جزء من جسديهما، بطنيهما خاوية فلا يجدان مايسد رمقهما غير كيس قمامة أسود ملقى على الأرض فيه قشور! في أحد المشاهد يظهر أحدهما وفي يده ورقة عملة لايدري مايفعل بها الناس! هل يأكلونها ليشبعوا جوعهم؟ فأكلها لكنه لم يستسغ طعمها فقذفها خارج فمه. رأيت رجلان منكوشا الشعر يتنططان على خشبة المسرح ولسانان يقولان كلمات وجمل فلتت من عقال العقل لتنساب بعفوية وسلاسة وصراحة متناهية لايحدها حد ولاتكبلها قيود سياسة أو مجتمع!

هل الحقيقة ترى أم تلمس؟

لاأدري أنا رأيتها ، رأيت ذا العقل يبيح المحضور ويحلل الحرام ويحرم الحلال.ورأيت فيه القبح والبشاعة والقسوة والعنف وعندما توارى العقل وغاب رأيت الطيبة المتناهية والفطرة العفوية التي تمييز الحق من الباطل والصدق من الكذب والحلال من السحت.

أطلت نفسي ولاأقول عقلي من خلال نافذة بلا زجاج مضبب يحجب الرؤية فرأيت الحقيقة التي تقول الانسان لم يسخر عقله لنفع الانسان ولكن سخره ليتجبر ويجني الأموال ويستنزف الدماء ويبني لنفسه مجدا هلاميا عماده وأد وفناء حيوات الآخرين.

العالم المجنون شخص ونحن ذوو العقول لم نشخص

في المشهد الأخير من المسرحية نرى المجنونين وقد حمل أحدهما بيده رمز الأمة “العلم” لكنه لايتذكر ماأسم هذا الشيء الذي في يده! أحدهما تذكر أنه العلم الذي يجب ان يتسامى ويحترم ويرفع على سارية لكنه لم يجد السارية واستعاظ عنها بحبل المشنقة المتدلي من السقف! ويشنق العلم ويبدأ أحدهما بتذكر ماكان ينشد الطلاب في يوم تحية العلم؟ اليوم ضاع منه هل كان يوم جمعة أم أحد أم يوم آخر لايدري! أيام الأسبوع ضاعت منه، لايهم.. ولكن النشيد ضاع أيضا أين أجده! كم نشيد تبدل مع تبدل الوجوه والحكام فأيهم سيقرأ؟ وبدأ ينشد: وطن مدا على الأفق جناحه … فجاءته من زميله صفعة على خده الأيمن! عدل وقفته وغير النشيد وردد موطني موطني.. جاءته صفعة ثانية على خده الأيسر وقف مذهولا لايدري مايقول! وهنا بادره زميله وهو ممسك بيده طرف حبل المشنقة والعلم مشنوق فوقها وطلب منه ان يردد معه

مت هكذا في علو أيها العلم

الأرض ضاقت والموت يبتسم

وأسدل الستار وصفق الحضور طويلا وصفقت أنا ومسحت دمعة سالت على خدي.

فكرة المسرحية كانت أقرب الى العالمية منها الى المحلية. الشخصيات عراقية وربما تكون شرقية أو غربية، المكان قضاء الشطرة وربما أية مدينة في أي مكان على اليابسة والانسان هو انا وأنت هو وهي وهم ونحن ذو عقول أو بلا عقول نحن من جعلنا الله في الأرض لكي نعمرها ولكننا خربناها وجلسنا على تلتها!!!

أتمنى ان يجد هذان الشابان المبدعان من يأخذ بيديهما وأتمنى أن تنتقل هذه المسرحية من المحلية الى العالمية لأنها حكاية كل انسان.

مت هكذا في علو أيها العلم   الأرض ضاقت والموت يبتسم
مت هكذا في علو أيها العلم الأرض ضاقت والموت يبتسم

      مت هكذا في علو أيها العلم   الأرض ضاقت والموت يبتسم
مت هكذا في علو أيها العلم الأرض ضاقت والموت يبتسم

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz