العدوان الصهيوني على غزة اختبار حقيقي للربيع العربي

18697 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 18 نونبر 2012، لا زالت شعوب العالم العربي منقسمة على نفسها بخصوص الربيع العربي  وبخصوص جدواه ، ذلك  أن بعضها  لا زالت الشكوك تخامره في الوجود الحقيقي  لهذا الربيع ، وأنه مجرد تنفيذ لأجندة غربية موالية للكيان الصهيوني من أجل تحقيق أطماعه، وعلى رأسها تهويد الأراضي الفلسطينية المحتلة وخصوصا  مدينة القدس ، إلى جانب إسقاط الحقوق الفلسطينية بما فيها حق العودة ، وحق إنشاء الوطن المستقل …. إلى غير ذلك من الحقوق المشروعة . ومقابل الشك في حقيقة الربيع العربي ترى شعوب عربية أخرى أنه ربيع حقيقي قد غير واقع الوطن العربي بزوال أنظمة فاسدة كانت تحول دون  تحقيق إرادة  هذه الشعوب العربية وعلى رأسها تحقيق الحلم العربي الفلسطيني في إنشاء وطن مستقل يقوم على أساس استرجاع ما اغتصبه الاحتلال الصهيوني من أراض فلسطينية وعربية . ويأتي اليوم العدوان الصهيوني ومباشرة بعد الانتخابات الأمريكية من أجل اختبار الربيع العربي وما  أتى به من تغييرات في البلاد العربية . ويتعمد الكيان الصهيوني هذا الاختبار من أجل اتخاذ الخطوات التالية لتنفيذ سياسته الاستيطانية والتوسعية. ومعلوم أنه قبل أربع سنوات قام العدو الصهيوني بنفس التجربة ، وذلك بعدوانه على غزة سنة 2008 ، وتبين له أن الوطن العربي يومئذ أنظمة وشعوبا لم يكن له رد فعل قادر على كبح  جماح أطماعه ، فخطط لتنفيذ مشاريع التوسع والاستيطان بوتيرة غير مسبوقة ، وتمادى في فرض الحصار الظالم على قطاع غزة ضاربا عرض الحائط كل المواثيق الدولية ، ومتجاهلا كل العالم خصوصا وأنه  متأكد من  دعم ومساندة الغرب له وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية.  ويبدو تصريح الرئيس الأمريكي كما دأب على ذلك من قبل بمساندة الكيان الصهيوني  في عدوانه على الشعب الفلسطيني في غزة  هو ثمن فوزه للمرة الثانية في الانتخابات الرئاسية ، وهو فوز أذرف من أجله الدموع ، علما بأن الفوز في الانتخابات الرئاسية رهين بتنفيذ شروط اللوبي الصهيوني المهيمن على مراكز صنع القرار في الولايات المتحدة ، ودول أوروبا . فقول الرئيس الأمريكي بأنه يؤيد حق الكيان الصهيوني فيما سماه الدفاع عن النفس يدل دلالة قاطعة على أنه ينفذ صفقة تبرم دائما مع اللوبي  الصهيوني الذي سمح له بالفوز للمرة الثانية في الانتخابات الرئاسية بثمن على حساب  الشعب الفلسطيني  والأمة العربية . ويبدو الرئيس الأمريكي  وكأنه لا يلتفت إلى أن تصريحه  الذي يتضمن الإشارة الواضحة إلى حق الشعب الفلسطيني أيضا في الدفاع عن نفسه ، وهو الشعب الذي احتلت أرضه وطرد منها وشرد ، وحوصر في ما بقي منها في حوزته . ومعلوم أن الحق في الدفاع عن النفس هو حق لا يمكن أن يكون بحوزة  جهة دون أخرى . وإذا كان الرئيس الأمريكي  وبعينه التي تحمل نظارة اللوبي الصهيوني يرى في عدوان الكيان الصهيوني دفاعا عن النفس ، فإن الشعوب العربية صاحبة الربيع ترى عكس ما يراه الرئيس الأمريكي ، ومن يحمل معه  نفس النظارات في هذا العالم الذي يعبث به اللوبي الصهيوني . ويبدو منطق الإدارة الأمريكية سخيفا عندما  تعكس  المنطق الموجود  على أرض الواقع ، فتعتبر العدوان دفاعا عن النفس . ولا يستقيم هذا المنطق إلا عند عصابات الإجرام التي ترى في جرائمها حقا من الحقوق المشروعة. فواقع الحال  هو أن الشعب الفلسطيني محاصر في رقعة ضيقة فوق أرضه التي احتل معظمها  بكثافة سكانية متزايدة  تضيق بهذه الرقعة من أجل أن يستجيب لأطماع الكيان الصهيوني في سلام مختل وغير متوازن وغير عادل يكون على حساب خسارة الشعب الفلسطيني  لأرضه ، وحرمانه من  حق العودة إليها ، وقبول استسلام يعتبر في المنطق الصهيوني المعكوس سلاما . فهذا الواقع لا تأخذه الإدارة الأمريكية ومن ينظر نظرتها بعين الاعتبار، بل تبدأ من حيث لا يجوز البدء ، وهو اعتبار ردود الفعل على الحصار اعتداءا على الكيان الصهيوني الممارس للحصار على  الشعب الفلسطيني . والمنطق السليم البعيد عن صفقات اللوبي الصهيوني يقتضي البدء من اعتبار الحصار اعتداءا  على الشعب الفلسطيني يقتضي دفاعا عن النفس ، وهو ما  يمارسه الشعب الفلسطيني المحاصر من خلال خيار المقاومة . ويواجه الربيع العربي اليوم اختبارا حقيقيا ذلك أن  رد الفعل العربي الشعبي والرسمي  على العدوان الصهيوني هو الذي سيؤكد أو ينفي أن هذا الربيع هو مجرد أجندة غربية تدخل ضمن ما كان يسمى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي جاء على إثرغزو العراق ، أو هو بالفعل ربيع حقيقي  جاء بالتغيير وبالجديد. فإذا ما استمر الوضع على ما كان عليه إبان عدوان 2008 على غزة فالربيع مجرد أجندة غربية أو هو ربيع تم  تغيير مساره  وتحريفه عن أهدافه المتمثلة في تغيير الوضع العربي ، وعلى رأسه تغيير الوضع في فلسطين الذي لا يمكن أن يستمر  على ما كان عليه  إلى ما لانهاية . وخلال اجتماع أعضاء جامعة الدول العربي  الذي لا زال منعقدا إلى حد الساعة  أجمع المجتمعون على أن زمن شجب العدوان الصهيوني قد ولى  ، وأن  ظروف الوطن العربي  الحالية في ظل ما جاء به  ربيع الشعوب العربية يقتضي تغيير المواقف  تجاه  هذا العدوان . ولا بد أن تؤكد الشعوب العربية أن ما عرفته هو ربيع حقيقي  ، أو ربيع لم  يتعرض للتحريف عن مساره ، وذلك من خلال الضغط على الأنظمة العربية سواء التي حلت محل الأنظمة  الفاسدة المنهارة أو الأنظمة التي لم تتغير،  ولكنها استوعبت جيدا درس الربيع العربي  ، واعتبرت من سقوط الأنظمة الفاسدة التي لم تساير إرادة شعوبها . وإذا ما ظلت الشعوب العربية على ما  كانت عليه لعقود خلت من تشتت وتفرق وانشغال بمطالب حياتها اليومية ، وصراعاتها الداخلية الهامشية غافلة عن قضيتها الأولى وهي القضية الفلسطينية ، فإن ربيعها لن يعدو مجرد حيلة مستوردة من أجل تكريس  وضع لم يعد يحتمل  الاستمرار في ظل عدوان صهيوني يريد أن يفرض الأمر الواقع على الأمة العربية . والكيان الصهيوني  من خلال اختبار الربيع العربي إنما يختبر في الحقيقة ما أحدثه هذا الربيع في الأمة العربية من تغيير. ولا يعقل  أن تضحي الأمة العربية  بدمائها  وأرواح أبنائها  بسخاء من أجل إسقاط الأنظمة الفاسدة ،في حين تتلكأ في تقديم نفس التضحية من أجل ما هو أهم وأقدس ، وهو استرجاع  فلسطين المغتصبة  . وما انتفضت الشعوب العربية على أنظمتها الفاسدة إلا بسبب تقاعس هذه الأنظمة  أمام ضياع فلسطين مع التطبيع مع المغتصب ، والانبطاح له والهرولة نحو ذلك  بشكل مخز لا تقبله الكرامة العربية . ونحن في انتظار أن تعبر الأنظمة العربية الجديدة التي راهنت عليها  شعوبها  ، والتي حلت محل الأنظمة الزائلة عن  موقف يفيق الكيان الصهيوني من سكره ومن غروره. ومن المفروض أن تؤثر الأنظمة العربية الجديدة في موقف الأنظمة العربية التي لم تتغير ، ولكنها  استوعبت درس الربيع العربي جيدا ، وهو ربيع  لا زال في فترة عنفوانه لم يستكمل ولم يستفرغ كل ما في جعبته من مفاجآت محتملة . وقد يكون العدوان الصهيوني هو قادح شرارته من جديد ليحدث ما بقي من تغييرات  في مستوى  طموحات الأمة العربية إن لم تبادر الأنظمة العربية سواء الجديدة أو التي لم تتغير إلى  موقف  يكون في مستوى  هذا الطموح خصوصا ما تعلق بقضيتها الأولى وهي القضية الفلسطينية قبل غيرها من القضايا لأنها قضية كرامة وقضية هوية لا تقبل المساومة.

العدوان الصهيوني على غزة اختبار حقيقي للربيع العربي
العدوان الصهيوني على غزة اختبار حقيقي للربيع العربي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz