العدالة الأمريكية في الواقع لا تختلف عن عدالة الخيال السينمائي وهي الانتقام بشدة وضراوة

63752 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة في 24 ماي 2013، من المعلوم أن السينما الأمريكية تلعب دورا كبيرا في صنع الثقافة الأمريكية . ومن مميزات هذه السينما هيمنة أفلام العنف والحرب بسبب هوس حب الانتصار والبطولة في آخر لحظة حيث تنتهي الأفلام الأمريكية في الغالب نهاية سعيدة أو سارة من خلال انتصارات آخر لحظة ، وهي انتصارات كبرى ومفاجئة منقلبة عن هزائم كانت في حكم المحققة . ويجد الجمهور الأمريكي لذة ونشوة كبيرتين في التمتع بانقلاب الهزائم إلى انتصارات كبرى في آخر لحظة . فكل الأفلام الأمريكية يحكمها نفس المنطق تقريبا بدءا بأفلام رعاة البقر ومرورا بأفلام الحرب الأهلية ، والحرب العالمية الثانية ، وحرب فيتنام ، وحروب الخيال العلمي ، وانتهاء بالحرب على ما يسمى الإرهاب . فالمتفرج الأمريكي يعيش مع حروب السينما الأمريكية المتواصلة ، وينتشي بالبطولات والانتصارات المفاجئة التي تأتي بعد نوع من المعاناة تزول حتما بالنهايات السعيدة والسارة . ويتأثر الإنسان الأمريكي بهذه الثقافة السينمائية في حياته الواقعية ، وهو يعيش انفصاما بين الواقع والخيال ، حيث يترقب دائما الانتصار على كل شيء في طريقه ، وفي نهاية المطاف مهما كانت الصعاب والمتاعب . والأمر الغائب في هذه الثقافة السينمائية الأمريكية هو العدالة ، لأن معظم السيناريوهات في معظم الأفلام تعتمد مفهوم الانتقام بشدة وضراوة أكثر من مفهوم العدالة ، حتى ترسخ في أذهان الأمريكان أن الانتقام هو العدالة . والعدالة عند الإنسان الأمريكي ، وهو الذي يعاني من عقدة الاستعلاء والاستكبار بسبب التفوق التكنولوجي هي أن يكيل خصومه دائما الصاع صاعين أو أكثر ، لأن كرامته فوق كرامة الجنس البشري بدرجات حسب اعتقاده ، وهو إن اعتدي عليه رد على العدوان بالطغيان الذي لا حدود له . ومقابل سلاح عدوه البسيط يستعمل أفتك الأسلحة بدافع ثقافة الانتقام الراسخة في وجدانه . ولا تحصل النشوة لدى الإنسان الأمريكي إلا بالمبالغة في الانتقام بشدة وضراوة . وهذه الثقافة التي تسوق لها السينما الأمريكية انتقلت من عالم الخيال إلى عالم الواقع ، وانتقلت من الإنسان الأمريكي البسيط إلى الساسة وأصحاب القرارالخطير . بالأمس وقف الرئيس الأمريكي أمام الصحفيين يخطب فيهم في قضية إعادة النظر في استخدام سلاح الطيران بدون طيارين الفتاك ، وفي قضية إغلاق معتقل كوانتانامو الرهيب . وقد واجه انقادات الصحفيين الذين قاطعوا خطابه بالاحتجاجات ، واتهموه بإخلاف وعوده إبان حملته الانتخابية، والتي كان من بينها إغلاق هذا المعتقل الذي أصبح وصمة عار على جبين الأمريكيين، وقد أفسد عليهم نشوة الانتصار على ما يسمى الإرهاب بسبب جرائم انتهاك حقوق الأسرى بشكل فظيع ، كما أفسد عليهم نشوة الافتخار بالقيم الإنسانية الحضارية الراقية. والأمريكان لم يحتجوا على سلاح الطيران بدون طيار إلا بعد سقوط أربعة ضحايا منهم بسببه، ولم يتحركوا من قبل وقد أباد هذا السلاح ما يزيد عن أربعة آلاف شخص معظمهم من المدنيين خصوصا من النساء والأطفال في البلاد التي يغزوها الجيش الأمريكي . و على الطريقة السينمائية كان ضحايا هذا السلاح الفتاك يصورون على أنهم إرهابيون ، وتمرر الجرائم ضد الإنسانية تحت نشوة الشعور بالانتصار التي كرستها الثقافة السينمائية الأمريكية. ولم يحصل في تاريخ البشرية أن بقي سجناء في معتقلات دون محاكمات كما هو الحال في معتقل كوانتنامو حيث تتناوب فرق التعذيب على سجناء ثبت أن أكثرهم من الذين اعتقلوا إبان غزو أفغانستان ، وكانت تهم جلهم مجرد وجودهم في أفغانستان ساعة غزوها مع حملهم جنسيات عربية ، وكان كل عربي يضبط في هذه الأرض ينزل منزلة أسامة بن لادن المطلوب الأول لدى الأمريكان على خلفية أحداث الحادي عشر من شتنبر سواء ثبتت علاقته به أم لم تثبت ،لأنه كان لا بد من أن يقدم الساسة الأمريكان للشعب الأمريكي شيئا مقابل صدمة أحداث الحادي عشر من شتنبر ، ويشترط فيها أن تحكمها ثقافة الانتقام الشديد السينمائية من أجل الكرامة الأمريكية المجروحة. ولم يبال الشعب الأمريكي بالعدالة الحقيقية ،لأنه لا يعرف سوى عدالة الانتقام . وهكذا ظل معتقلو كوانتنامو في العذاب المقيم لسنوات حتى بلغ تعذيبهم حد إطعام المضربين عن الطعام منهم بالأنابيب وبطريقة وحشية ومستهجنة إمعانا في تعذيبهم . ولم يخل المجتمع الأمريكي من وجود شرفاء كانوا يشعرون دائما بالحرج من فضائح وفظائع هذا المعتقل الرهيب الذي لا يختلف عن معتقلات محاكم التفتيش ومعتقلات النازية والفاشية والمعتقلات الصهيونية حيث تبتذل الكرامة البشرية بشكل همجي ووحشي . وظلت الأصوات المنادية بإغلاق هذا المعتقل الرهيب وغيره تتكرر في الولايات المتحدة ، وقد وظف الرئيس الأمريكي الحالي هذا المعتقل في حملته الانتخابية للولاية الأولى والثانية ، لهذا قاطعة يوم أمس بعض الصحفيين بالاحتجاج ، لأنه أخلف وعوده بإغلاق هذا المعتقل الرهيب ، ولم يف بوعده ، وبقيت لعنة هذا المعتقل تلاحق كل الأمريكيين ،وقد استفاق الشرفاء منهم من نشوة الانتصار أو بتعبير دقيق من نشوة الانتقام المبالغ فيه. ولم تقتصر ثقافة الانتقام على الأمريكيين ، بل سوقت إلى مناطق أخرى في العالم خصوصا في المناطق التي شملها الغزو الأمريكي . فها هو النظام العراقي الطائفي يتسلم المعتقلات الرهيبة على غرار معتقل أبي غريب من الأمريكان إلى جانب التأثر بثقافة الانتقام على الطريقة السينمائية الأمريكية، ويزيد من قسوتها بسبب حقده الطائفي لتكون النتيجة هي المآسي الرهيبة والفظيعة . وليس النظام الطائفي العراقي وحده من تأثر بثقافة الانتقام الأمريكية ،بل صارت هذه الثقافة هي المهيمنة في العالم على حساب ثقافة العدالة حيث لا تكاد توجه تهمة الإرهاب لطرف أو لجهة حتى تسود ثقافة الانتقام بشدة وقسوة وضراوة ، وبأشد أنواع التعذيب ، وبأشد عبارات التهديد بما فيها عبارة “الضرب بيد من حديد ” لأن الانتقام لا يفي بالغرض إذا ما كانت اليد من لحم وعظم فقط . ولا وجود لعدالة : (( النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص ))، بل مقابل ضحايا أحداث الحادي عشر من شتنبر كان لا بد من ملايين الضحايا في العراق وفي أفغانستان لأن العدالة الإمريكية هي عدالة الثقافة السينمائية التي تقوم على أساس الانتقام أضعافا مضاعفة ، وهي ثقافة الجاهلية كما يصورها الشعر العربي القديم الذي نقل لنا التهديد بالثأر من خلال إبادة قبيلة وقبيلة وقبيلة مقابل مقتل رجل واحد يعتقد أن كرامته فوق كرامة قبائل برمتها . فمتى سيستفيق الأمريكان من نشوة الانتقام بسبب تسويق العدالة السينمائية التي هي في نهاية المطاف ثقافة الانتقام بشدة وضراوة من أجل تحقيق الإشباع بالانتصار والاستعلاء والاستكبار في هذا العالم الذي لا يبالي بالضحايا المستضعفين .

العدالة الأمريكية في الواقع لا تختلف عن عدالة الخيال السينمائي وهي الانتقام بشدة وضراوة
العدالة الأمريكية في الواقع لا تختلف عن عدالة الخيال السينمائي وهي الانتقام بشدة وضراوة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz