العاقل من لا يؤثر ظن الناس به على يقينه بنفسه

83446 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “العاقل من لا يؤثر ظن الناس به على يقينه  بنفسه”

النفس البشرية  مجبولة  على حب المدح والتقريظ ، وتأنف  من القدح والتجريح. والإنسان  تبجح  إليه  نفسه  عندما  يثنى عليه  ويشكر ، ويضيق  من كل نقد حتى لو كان  نصحا  لأنه  يحرص على  إحاطة  نفسه  بهالة  من  الثناء  ، ولا  يلقي بالا لصدق  أو كذب  هذه  الهالة . وإذا كان الثناء  الصادق  لا تؤمن  عواقبه إذ  قد يفسد من يثنى عليه ، فيركب  غروره ، فما بال  الثناء الكاذب  الذي  يعرف من يثنى عليه  أنه   محض باطل  ولكنه مع ذلك  يطرب له  ، ويؤثر  ما يظنه به الناس  من باطل على  ما هو  مستيقن من كذبه  .  ولا يسلم  ذوو مكانة  ولا بسطاء الناس  من داء  حب  الثناء  والإطراء. وكثيرا ما  يلجأ  من يعشقون  الثناء  الباطل  إلى من  يحسن  الناس بهم  الظن  من أهل  الفضل ليظن بهم  الفضل وإن كانوا من لئام  الخلق  ومن  شرارهم . ولقد  صدق الداعية   فضيلة  العلامة  الدكتور يوسف  القرضاوي  الذي  قال يوما  إن  غنيمة  العلماء  هي مدحهم  ، واستشهد  بما جاء في الأثر  من أن  من أدرك  الغنيمة  ضيع  ثلثي الأجر، والعلماء  عندما  يدركون غنيمة  المدح من الذين يمدحونهم  صدقا  أوكذبا ويطربون  لذلك إنما  يضيعون  ثلثي  الأجر . ولقد بكى  فضيلته  يوم  مدحه طلابه  وأصدقاؤه في حفل تكريم أقيم له  ، وقال : لقد ضيعت  ثلثي  الأجر بمدحكم لي  ، وبقي  لي ثلث  ما أظنه قد سلم  من  الشوائب ، فكيف  سألقى  الله  عز وجل  ؟  ويا ليت  أهل  العلم  وغيرهم من عامة الناس استفادوا  من حال هذا  الداعية  حين  يقدمون  على  تضييع ثلثي الغنيمة بما يطربون  له  من مديح  ، والمصيبة   أن  يفضل  هؤلاء  ظن  الناس  بهم  على  ما هم  أعلم  به  من حقائق  أنفسهم . ورضي الله  عن  الصديق  الذي  كان يقول  إذا  مدحه  المادحون : ” رب اجعلني  خيرا  مما يظنون واغفر لي ما  لا يعلمون “. فهذا  الدعاء يدل  على  أن  ظن  الناس  لا يخلو من أحد  أمرين ، فهو إما  كذب  وإما  صدق  ، وفي  الحالتين معا يرجو  الإنسان  أن  يكون خيرا  مما  يظنه  الناس  به ، كما  يدل  هذا الدعاء  أيضا على  أن  الإنسان  لا يمكن  أن يكذب  على  نفسه  كما يكذب  عليه  غيره  من خلال  ما  يظنه به ، لهذا يجدر به أن  يسأل  ربه  سبحانه  أن يغفر له  ما لا يعلمه  غيره  ممن  يظن  به  وما هو  بمستيقن في ظنه . وفي الغالب  أن من أظهر  الانتساب إلى  ما يحمد ظن به  الخير ، وقد يكون ذلك منه  مجرد  تظاهر  ، وهو  أعلم بنفسه  بحقيقة  ذلك  إلا أن نفسه  المجبولة  على  حب  المدح  تجعله  يستعذب  ظن غيره  الكاذب  به  على  يقين ما  هو أعلم بنفسه  من غيره . وكم  من محفل  أقيم  من أجل  المدائح  الكاذبة ، والممدوحون بها  يعلمون  علم اليقين  أنها  كذلك  ، ولكنهم  يطربون  لها ، وهم  على يقين من أنهم  سيسألون  عن ذلك  يوم العرض على  الله  عز وجل يوم لا تخفى منهم خافية ، فيقولون ما  قيل فيهم  من ظن  كاذب  ، ويقال  لهم  كذبتم بل فعلتم  ما فعلتم  ليظن بكم  الظن  الكاذب فقد  وقع فادخلوا النار ،  ويكشف يومئذ النقاب  عن  حقيقة ما كانوا  عليه  ، وعن  زيف  ما  ظن بهم  كذبا  وزورا . ومن  الناس  من يقضي   عمره  متهاونا  غشاشا  آكلا  للسحت … حتى إذا  أنهى  فترة  عمله  استعذب   التكريم   والمديح  الكاذب   وظن به باطلا أنه  عمل  وجد  واجتهد  وقام بالواجب  ، ولم يقصر  وأكل  الحلال  ، وما  في  جسده  نتفة إلا من حرام ، وهو يعلم  ذلك  علم  اليقين  ، ويعلم  كذب  الظن  به  ولكنه  لا يجرؤ  على تكذيبه  وإدانة نفسه ، وليت  شعري  كيف  سيقضي  هؤلاء  بقية  عمرهم ، وقد  اقترب  أجلهم ، وهم  يعرفون  عن أنفسهم  ما لا يعرفه عنهم غيرهم  ويعرفه ما  يعلم  خائنة الأعين  وما تخفي  الصدور.  

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz