الطفل في وضعية صعبة من منظور القانون الدولي/ وجدة: حميد الحمداني

252784 مشاهدة

حميد الحمداني، باحث في القانون الخاص/ وجدة البوابة

في إطار  الاهتمام  الذي أولته الأمم المتحدة للطفولة بصفة عامة، دفع بها إلى البحث عن الأسباب الدافعة بهذه الفئة إلى ارتكاب أفعال انحرافية، وكذا البحث عن سبل معالجة هذه المشكلة على الصعيد الدولي، إيمانا منها أن مشكلة انحراف الأحداث لا تقف بالطبع عند سبب واضح ومحدد، بل بالتأكيد هناك أسباب كثيرة تتفاعل معا لتكوين ظاهرة جنوح الأحداث،  وإيمانا منها كذلك أن الطفل الجانح يمر من عدة مراحل ومحطات قبل أن يصبح كذلك، وهذا ما أكدت عليه نتائج البحوث الدولية في هذا المجال ، إذ تأكد على احتلال الطفل في وضعية صعبة النسب المأوية الكبرى في هذه  المعادلة.

وعلى هذا الأساس التفت المجتمع الدولي إلى هذه الخطورة ودعا إلى تخصيص هذه الشريحة من الأحداث* في وضعية صعبة* بحماية خاصة قصد منع وقوعهم فريسة الإجرام، وذلك بإتباع سبل الوقاية والحماية التي من شأنها أن تخفف نسبة الجرائم المرتكبة إلى حد كبير.

فقد رأت اللجنة الاجتماعية التابعة للأمم المتحدة أن الدراسة الحكيمة والبناءة لمشكلة صغار السن، الجانحين والمهملين وأولئك اللذين يحتمل أن تنمو ميولهم الإجرامية ما لم تعالج بطريقة سليمة في مرحلة مبكرة ، ينبغي أن تمثل جزء من سياسة الأمم المتحدة الاجتماعية .

    ومن هدا المنطلق كان يجب أن يبدل المجهود في وقت مبكر من حياة الطفل، و استمراره حتى ما بعد سن الرشد. غير أن كل هذا الطموح يمكن أن يصطدم في بعض الأحيان بمجموعة من المعوقات، سواء المادية منها أو المعنوية، و التي تحول دون تحقيق هدا المبتغى و تجعل الطفل يعيش أوضاعا متأزمة قد تدفعه إلى التمرد عن سلطة هؤلاء الآباء أو المدرسة  و ربما الفرار إلى الشارع.

         هذه الفئة من الأطفال  اهتم بها المجتمع الدولي اهتماما متزايدا منذ العقد الثاني من القرن العشرين، و ذلك راجع إلى المآسي و المشاكل التي أصبح يعيشها الطفل داخل عالم طغت عليه المادة و تدنت داخله القيم الأخلاقية و قيم التضامن، مما أدى إلى ظهور فئات متعددة من الأطفال في وضعية صعبة، أيتام، فقراء، غير متمدرسين، ممزقين عائليا، معرضون للعنف و الاستغلال و الخطر.

         إلا أن مفهوم الوضعية الصعبة يعد من المفاهيم الصعبة التقييم و الإلمام، لأنها تعتبر بمثابة تراكم مجموعة من العلامات و الإشارات التي تنبه المهني و المهتم في ميدان الطفولة إلى وجود مجموعة من الظروف الأخلاقية، التربوية تتعلق بالمحيط الذي يعيش فيه الطفل، و التي قد تأثر على المسار القويم لحياته. على اعتبار أن كل التعاريف التي تتطرق لحالة الطفل في وضعية صعبة تأخذ بعين الاعتبار وضعيته النفسية، الصحية و كذا الأخلاقية  و التربوية، و هي مفاهيم ليست بالملموسة و يصعب بالتالي تحديدها.

        وقد عرف معهد دراسات الإجرام، الصغير المعرض للانحراف بأنه الصغير الذي لم يصل بعد إلى الحد الأدنى لسن المجرمين ولم يكن قد ارتكب فعلا يعاقب عليه جنائيا ولكن يعد لأسباب وجيهة خارجا على الجماعة، وأن سلوكه ينم قطعا عن ميوله المنافية للجماعة لدرجة يمكن معها القول باحتمال تحوله إلى مجرم  فعلا إذا لم يتدارك أمره في الوقت المناسب باتخاذ بعض الأساليب الوقائية.

        وهو نفس الطرح الذي اتجهت إليه التشريعات الداخلية، فالقانون الفرنسي في المادة 375 من القانون المدني فقد عرف الطفل في خطر كالتالي: “إذا كانت الصحة، السلامة أو نفسية الحدث في خطر أو إذا كانت شروط تربيته معرضة لخطر يمكن للقضاء أن يطبق تدابير المساعدة التربوية…’ ، أما القانون المغربي فقد عرفه في ق. م. ج. في المادة 513 على أنه * الحدث البالغ من العمر أقل من ستة عشر سنة، إذا كانت سلامته البدنية أو الذهنية أو النفسية أو الأخلاقية أو تربيته معرضة للخطر من جراء اختلاطه بأشخاص منحرفين أو معرضين للانحراف أو معروفين بسوء سيرتهم أو من ذوي السوابق في الإجرام، أو إذا  تمرد على الشخص أو المؤسسة المكلفة برعايته، أو لكونه اعتاد الهروب من المؤسسة التي يتابع بها دراسته أو تكوينه، أو هجر مقر إقامته، أو لعدم توفره على مكان صالح يستقر فيه*.

        وبالرجوع إلى الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الطفل وحقوقه، يغيب تعريف للطفل في وضعية صعبة أو في خطر، أما فيما يخص نظام روما الأساسي فنجده لا يتطرق لهذه الفئة  على المطلق وهو ما يدفعنا إلى القول أن التوجه الذي اعتمد من طرف القانون الجنائي الدولي يأخذ المفهوم الزجري أكثر منه وقائي إصلاحي.

        وهدا ما يؤكد على أن أهمية دراسة موضوع الطفل في وضعية صعبة في القانون الدولي، تكمن في محاولة استنباط الحماية التي أولاها المجتمع الدولي لهذه الفئة من الأطفال، وذلك كأسلوب للحد من ظاهرة انحراف الأحداث التي تعد جزء من ظاهرة الإجرام، وعيا منها بأن ضمان حقوق الحدث، وفرض حماية تتماشى مع وضعه الخاص، يقوي حظوظه في النماء والبقاء والاستقرار النفسي والبدني.

        وهذا ما يطرح إشكالية مدى المعالجة والحماية الدولية للطفل في وضعية صعبة، وهو ما  يدفعنا إلى البحث في ثنايا الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الطفولة، والمتمثلة في كل من اتفاقية حقوق الطفل والقواعد الأممية الأخرى  الصادرة عن الأمم المتحدة، للبحث عن مختلف الحقوق المخولة للحدث في وضعية صعبة(1)، والآليات المعتمدة لحماية هذه الفئة (2).

  1. الحماية الدولية لحقوق الطفل في وضعية صعبة.

        وعيا من المجتمع الدولي بأهمية الاهتمام بالنشىء والطفل، عن طريق توفير الحماية و الرعاية تم إصدار مجموعة من الاتفاقيات تضمنت مجموعة مختلفة من الحقوق، تعتبر أن هناك فئات عمرية – و هم الأطفال – أكثر حاجة للرعاية و الحماية.

        وقد ذهبت إرادة المجتمع الدولي في الاعتراف بمجموعة من المبادئ التى رأى واضعوها أنها كفيلة بتحقيق الرعاية للأطفال على المستويات الاجتماعية، الاقتصادية والصحية، ليتم تتويج هذه الجهود بالاتفاقية الدولية لسنة 1989 باعتبارها اتفاقية دولية ملزمة لكل الدول المصادقة عليها.هذا دون أن نغفل في هذا الإطار الجهود الدولية و المتمثلة في اتفاقية بكين، الرياض و غيرها.

1/1. حماية الحقوق البدنية والنفسية للحدث في وضعية صعبة

        تعتبر اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 عهدا جديدا، لحرصها على إعطاء حقوق متميزة للطفل، حيث عملت على إلزام الدول المصادقة عليها بضرورة تنفيذها و احترام كل ما جاء فيها. لقد ورد في ديباجة الاتفاقية أن الدول الأطراف فيها تسلم بأن تمت، في جميع بلدان العالم، أطفالا يعيشون في ظروف صعبة للغاية و بأن هؤلاء الأطفال يحتاجون إلى مراعاة خاصة. و باستقراء مختلف مواد هذه الاتفاقية نلمس أن هذه الحماية تتضح من خلال مجموعة  من الحقوق البدنية والنفسية، فقد أشارت المادة  19 من الاتفاقية على ضرورة الحماية من  الإيذاء والاستغلال والعنف، وإساءته البدنية والعقلية، و قد أكدت المادة 37 على إلزامية الدول على أن تكفل عدم تعرض الحدث للتعذيب. دون أن نغفل الحماية الخاصة التي يجب أن تولى بالمعاق و احتياجاته الخاصة م 23. المواد 24-25 أكدتا على العناية الصحية و على بدل الأطراف قصارى جهدها لتضمن ألا يحرم أي طفل من حقه في الحصول على خدمات الرعاية الصحية وهي ما نصت عليه كذلك المادة 27، وكذا مكافحة سوء التغذية مع الاعتراف في حقه في مستوى معيشي ملائم لنموه البدني والعقلي، كما أكدت  على ذلك الاتفاقية رقم 138 بشأن السن الأدنى لقبول الأطفال في العمل المعتمدة من طرف المؤتمر الدولي للشغل في مادتها السادسة على أنه لا يجوز أن يقل الحد الأدنى عن سن 18 سنة للقبول في أي نوع من أنواع الاستخدام أو العمل التي يحتمل أن يعرض للخطر صحة أو سلامة أو أخلاق الحدث بسبب أو الظروف التي تؤدى فيها.

2/1. حماية الحقوق الاجتماعية والثقافية في وضعية صعبة.

        لقد أكدت المادة التاسعة من اتفاقية حقوق الطفل على مكانة الرابطة العائلية، و أكدت على عدم فصل الآباء عن أبنائهم. كما أكدت المواد 14-18-19 على حق الطفل في التوجيه من طرف عائلته، وكون الوالدان يتحملان مسؤولية تربية الطفل و نموه، و ضرورة تقديم المساعدة للوالدين، بالإضافة إلى حمايته من العنف و الضرر و الإساءة البدنية و العقلية و الإهمال و إساءة المعاملة بما فيها الجنسية. والقيام بتدابير وقائية عن طريق وضع برامج اجتماعية لتوفير الدعم اللازم للطفل.

        أما فيما يتعلق بالحقوق الاقتصادية للطفل فقد أكدت الاتفاقية في مادتها الرابعة على أن تتخذ الدول الأطراف كل التدابير إلى أقصى حدود مواردها المتاحة، و حيثما يلزم، في إطار التعاون الدولي. وفي هذا الاتجاه أكدت المادة 26 على حق الطفل في الانتفاع من الضمان الاجتماعي و منحه إعانات عند الاقتضاء بالموازاة مع ظروفه، و الحرص على حمايته من الاستخدام المادة 33 .

        أما فيما يتعلق بالحقوق الاجتماعية و الثقافية التي نصت عليها الاتفاقية فتتمثل في المواد 20-21 التي تدعو إلى الحماية عند التبني و الكفالة و الحضانة، و لم تغفل الاتفاقية التنصيص على دور الثقافة و النشاط الترفيهي و أهمية نشر كتب تهم الطفولة و التعليم المادة 28، دون إغفال دور الإعلام في إبراز كل هذه الحقوق المتعلقة بالطفل.

        فالحرمان من كل أو أحد هذه الحقوق، سوف يكون له تأثير واضح على إحساس الطفل بعدم الانتماء و التهميش و الإقصاء، فهي برمتها حقوق جوهرية تعبر على وعي المجتمع الدولي والدول المصادقة على الاتفاقية على ضرورة حمايتها و التنصيص عليها في قوانينها الداخلية.

        أما قواعد الأمم المتحدة المتعلقة بالأحداث عموما سواء منها قواعد بكين، الرياض، قواعد الأمم المتحدة لمنع جنوح الأحداث، تعد بمثابة اتفاقيات توجيهية فقط، فهي ليست ملزمة، و رغم ذلك فهي تعتبر ركائز أساسية لمنع الطفل أو الحدث من الوقوع في براثن التشرد وارتياد مسالك الجريمة، فهي تعتبر بمثابة إطار يمكن الدول من أن تنهل منها ما يناسب أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من أجل ضمان حماية الطفل و جعل مصلحته الفضلى القطب الذي يسترشد به في كل توجهاته. و لتطعيم قوانينها و تعديلها لتكون في مستوى حماية الحدث من كل المخاطر.

         إن قواعد بكين تضمنت عددا من الموجهات المتعلقة بالأحداث، تضمنت مقتضيات تضمن صيانة الحدث المعرض للانحراف فقد أكدت الفقرة الثانية من المادة الأولى على ضرورة أن تعمل الدول الأعضاء على تهيئة ظروف تؤمن للحدث حياة ذات أهمية في الجماعة و تحميه من الانحراف و تنمي شخصيته و تربيته و تبعده عن براثن الجريمة، كما أن الفقرة الخامسة من نفس المادة  توحي بنهج سياسة اجتماعية عامة بخصوص الحدث و الأخذ بعين الاعتبار الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية لكل بلد. أما الفقرة الرابعة من نفس المادة فقد أثارت الانتباه لدور القضاء في حماية صغار السن كما أكدت على ضرورة استبعاد العقوبة و خاصة بالنسبة للحدث قبل الانحراف.

     أما بالنسبة لقواعد الرياض التوجيهية و المتعلقة بوقاية الحدث فقد نصت في المادة 15 على إعطاء اهتمام خاص بأطفال الأسر التي تعاني من مشاكل ناجمة عن التغيرات السريعة و غير المتوازنة في الأوضاع الاقتصادية و الاجتماعية. أما المادة 26 فقد نبهت لما للمدرسة من دور يكمن في حماية الحدث و عدم الإساءة إليه حتى لا يفر منها، فأقرت على أن المدرسة يجب أن تكون مركزا للإرشاد و التقويم التربوي.

         إن قواعد الأمم المتحدة المتعلقة بالأحداث قد أولت اهتماما بالغا للطفل و الطفولة و تضمنت مبادئ و ضمانات إجرائية تستهدف صيانة حقوق و كرامة الطفل، لتلافي كل ما يعرضه للانحراف. و لعل مكانة الطفل المهمل ، طفل الشارع، المهمش، الطفل ذو الحاجات الخاصة كلها شريحة تعتبر في وضعية صعبة تستلزم آليات لتفعيل حماية هذه الفئة .

  1. 2.     الآليات الدولية المعتمدة لحماية الطفل في وضعية صعبة

        إدراكا من  المجتمع الدولي بأن الحدث في وضعية صعبة تتطلب حماية تختلف عن التي للحدث الجانح ، فقد أفرد له حماية خاصة ترتكز بالأساس على تفعيل سياسة اجتماعية شاملة (1/2) تفاديا تعريضه لأي شكل من أشكال الخطر (2/2).

1/2. الآليات الاجتماعية

لقد تأكد الوعي لدى المجتمع الدولي بأن الطفل في وضعية صعبة هو نتاج ظروف اجتماعية متداخلة تدفع بهذا الأخير العيش في وسط لا يلائم متطلباته وحاجياته الأساسية، فكان أن تبنى آليات الهدف منها الحد من كل ما يمكن أن يمس نموه سواء منه النفسي والبدني والعقلي والتربوي، وذلك بالاعتماد على إشراك الفعاليات الغير القضائية في سياسته الإصلاحية، والوقائية للحد من ظاهرة الأطفال في وضعية صعبة، وذلك من منطلق تفعيل التنشئة الاجتماعية، من أسرة وتعليم ومجتمع مدني، والارتكاز على البحوث والسياسات، على اعتبار أن الحدث في وضعية صعبة، هو حصيلة لاختلال واحد أو أكثر من هذه المستويات، وهكذا فقد عمل المشرع الدولي على إشراك كافة الفعاليات في برامجها التأهيلية للحدث في وضعية صعبة.

فنجد أن قواعد بيكين والرياض تأكد وتبنت آليات اجتماعية، حيت أكدت قواعد بيكين على التعبئة العامة لكل الموارد الممكنة من أسرة ومتطوعين والفئات المجتمعية، وكدا المدارس والمؤسسات، ودعت إلى ضرورة تدخل السياسة الاجتماعية الشاملة، وهو نفس التوجه الذي سلكه المشرع في قواعد الرياض، والتي اعتبرها بمثابة الأسلوب الوقائي القبلي ، أي التدخل ووضع استراتيجيات للتعامل مع الأحداث قبل ارتكاب الفعل المجرم، وهو ما نص عليه في المبادئ الأساسية الفقرة الخامسة التي أكدت *توفير الفرص ولاسيما الفرص التربوية، لتلبية حاجات الأحداث المختلفة، ولتكون بمثابة إطار مساند لضمان النمو الشخصي لجميع الأحداث ، وخصوصا من تدل الشواهد على أنهم مهددون أو معرضون للمخاطر الاجتماعية، ويحتاجون إلى رعاية وحماية خاصتين*

1/2. تدعيم الجانب الاجتماعي آلية لتفادي تعريض الطفل للخطر.

        لا يجادل اثنان في وجود حراك عالمي للنهوض بحقوق الطفل تجسدت بوادره الأولى في إعلان جنيف لحقوق الطفل لعام 1924، وفي إعلان حقوق الطفل الذي اعتمدته الجمعية العامة في 20 تشرين الثاني5نونبر 1959، و المعترف به في إعلان حقوق الإنسان و في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية.

        بهذا الوعي المبكر واصل المجتمع الدولي اهتمامه بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل بشكل عام و الطفل في وضعية صعبة بشكل خاص، فأفرد لذلك مجموعة من القواعد والأحكام التي نصت بشكل صريح على ما ينبغي اتخاذه من إجراءات و تدابير لحماية الطفل في الظروف الصعبة التي يعيشها. وهو انشغال كان واضحا في مجمل مواد اتفاقية حقوق الطفل التي ارتكزت في فلسفتها على تعزيز رفاهية الطفل الاجتماعية و الروحية و المعنوية و صحته الجسدية و العقلية بما يضمن استئصال الخطورة الاجتماعية التي تمهد في غالب الأحيان لخطورة إجرامية محتملة لدى الطفل.

        واستمرت جهود المجتمع الدولي و اتجهت نحو اعتماد البرتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال و استغلالهم في البغاء و المواد الإباحية، ليضيف بذلك لبنة أخرى تؤسس لما يؤدي في نهاية المطاف إلى عالم جدير بأطفاله، خصوصا وأن هذا البرتوكول توخى بالأساس قطع أوصال كل أشكال خطر الاستغلال التي قد يتعرض لها الطفل، و الحيلولة دون جعل تأثيراتها تؤجج في الطفل رغبة عدم الانصياع و التوافق مع المعايير و القيم التي يقرها المجتمع.

        وبنفس الحيطة والحذر حرص المنتظم على تكريس سياسة وقائية للطفل وتفادي تعريضه لأي شكل من أشكال الخطر التي يرجح معها الإضرار بصحته أو نموه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الاجتماعي. وهي سياسة ارتكزت في عمقها على تبني إجراءات و تدابير تصب في اتجاه تفادي عمل الأطفال في سن مبكرة و استغلالهم بما كان يؤدي في نهاية المطاف إلى استغلال أوضاعهم الصعبة و توسيع هامش الخطورة الاجتماعية لديهم.

        و قد سعت منظمة هيئة الأمم المتحدة، في هذا الصدد، من خلال المبادئ العامة للقواعد النموذجية الدنيا لإدارة شؤون قضاء الأحداث، إلى تحسيس الدول الأعضاء بأهمية الحرص على تهيئة الظروف بما يضمن للطفل حياة هادفة في الجماعة، وتعبئة كل الموارد الممكنة و التي تشمل مختلف المؤسسات التربوية و الاجتماعية لأجل تقليص الحاجة إلى التدخل بموجب القانون.

        وبالرغم من كون الأحداث في وضعية صعبة غالبا ما يصدرون تصرفات أو سلوكات غبر متفقة مع القواعد و القيم الاجتماعية العامة، فينبغي النظر إلى مثل هذه السلوكات على أنها جزء من عملية النضج و النمو تميل إلى الزوال التلقائي لدى معظم الأفراد بالانتقال إلى مرحلة البلوغ، وهذا ما أكدت عليه مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية لمنع جنوح الأحداث، و التي اعتبرت بأن وصم الحدث في مرحلة ما قبل الجنوح كثيرا ما يساهم، في رأي أكثرية الخبراء، في نشوء نمط ثابت من السلوك المستهجن عند الحدث، مما جعل المبادئ الأساسية لهذه القواعد الأممية تولي أهمية قصوى لمنع جنوح الأحداث، هذا الجنوح الذي في غالب الأحيان ما تتحكم في التأسيس له الظروف الصعبة التي يمر بها الحدث.

        وبهذا نادت مبادئ الرياض التوجيهية بتركيز الأهمية على السياسات الوقائية التي تيسر التنشئة و الإدماج الاجتماعيين الناجحين لجميع الأطفال و الأحداث، خصوصا من خلال الأسرة و المجتمع المحلي و مجموعات الأقران و المدارس و التدريب المهني و عالم العمل و كذلك عن طريق المنظمات الطوعية. وينبغي إيلاء الاعتبار الواجب للنمو الشخصي السليم للأطفال و الأحداث وتقبلهم كشركاء كاملين و متساوين في عمليتي التنشئة و الإدماج الاجتماعيين.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz