الطرب الغرناطي: نشأته، خصائصه ومقوماته الإيقاعية الدورة 23 تحت شعار “الطرب الغرناطي واقع الحال وآفاق المستقبل”/وجدة: ميلود بوعمامة

363485 مشاهدة

وجدة: ميلود بوعمامة/ وجدة البوابة: وجدة في 10 يوليوز2014، الطرب الغرناطي: نشأته، خصائصه ومقوماته الإيقاعية الدورة 23 تحت شعار “الطرب الغرناطي واقع الحال وآفاق المستقبل”

         تنطلق يوم الجمعة 11 يوليوز بمدينة وجدة وشاطئ السعيدية فعاليات الدورة الثالثة والعشرون لمهرجان الطرب الغرناطي المنظم هذه السنة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس. بشعار: ” الطرب الغرناطي واقع الحال وآفاق المستقبل، وذلك بثلاثة فضاءات عمومية بالجهة، والتي برمجت لاستقبال هذا الحدث الثقافي والفني وفق إستراتيجية محكمة، وضمن برنامج مدقق لفقرات المهرجان الذي دخل في هذه السنة رحاب المهرجانات والملتقيات الوطنية العريقة.

وتعد هذه النسخة المتجددة، نقلة مهمة في مهرجان تجاوز عقدين من الزمن، إن على المستوى التنظيم واللجوستيك، والتحضير للندوة الفكرية، وكذا المسابقة الخاصة بالعزف والإنشاد الموجهة للفئات الصغرى وفقرة التكريم، والسهرات المقامة لفائدة الجمهور في الهواء الطلق أو في الفضاءات المغلقة.

إذن للمغرب تقاليد فني راقية تتميز بنظام محكم في أدوات اللغة الموسيقية من مقامات وإيقاعات وأساليب في التأليف، ومن ذلك موروثه الأندلسي عامة بمختلف مظاهره واذا كان ما ندعوه بـ طرب الآلة” يغطي مساحة كبيرة من محيطنا السماعي فان هناك نوعا آخر يستهوي المولعين بالفن الرفيع ونصطلح عليه بالطرب الغرناطي فما هو هذا النوع؟ كيف نشأ وانتقل إلى المغرب؟ وما هي خصائصه؟ أسئلة وأخرى طرها الباحث المغربي أحمد عيدون قبل الخوض في البحث في أعماق وجذور هذا الفن الأصيل.

         حينما نستمع إلى إحدى نوبات الطرب الغرناطي من فرقة أحمد بيرو الرباطية أو من إحدى جمعيات وجدة كالجمعية الأندلسية أو الجمعية الموصلية، لا يخامرنا أدنى شك في عراقة هذا الفن وأصالته، ولا نرتاب في نسبته إلى ذلك الرصيد الكبير رصيد الحضارة الأندلسية والغرب الإسلامي عموما.

يستهوينا هذا الطرب بتنظيمه ومسارات لحنه وإيقاعه، كما يشد انتباهنا بما آل إليه في العقود الأخيرة من اتحاد في الغناء والعزف بشكل لا نجده في “طرب الآلة” مثلا، وقد تم اعتماد هذا الأسلوب على الخصوص اقتداء بإحدى مدارس الطرب الغرناطي التي سنأتي على ذكرها في ما بعد.

 

ما الذي يقيم الصلة بين ما نسمعه اليوم في وجدة والرباط، وبين بدايات النوبة في حواضر الأندلس، ما الذي يبرر  تسمية نوع ما من أنواع الموسيقى الأندلسية بالطرب الغرناطي، هل هو أصله الذي نفترضه من غرناطة؟ أو هو مجرد تحية لذكرى الفردوس المفقود؟ نحن لا نتوفر في الحقيقة على دلائل قاطعة لترجيح كفة تأويل على غيره، لأن الوثائق المتوفرة لا تسعفنا إلا في معرفة حركة التاريخ العامة، بل أن أهم ما فيها هو المعلومات  الكثيرة عن الهجرات الأندلسية إلى المغرب وغيره من بلاد شمال إفريقيا.

وإذا سلمنا بأن الطرب الغرناطي منسوب إلى غرناطة سنجد أنفسنا أمام مدرستين غرناطيتين لا واحدة، الأولى يمتد نفوذها من القرن الثالث عشر الميلادي إلى بداية القرن الخامس عشر الميلادي والثانية هي غرناطة القرن الأخير الوجود العربي بالأندلس، في الفترة الأولى لم تكن هذه المدينة سوى حاضرة من الحواضر المعروفة والمتنافسة على الزعامة مع قرطبة واشبيلية، وبالنسبة في إنتاج وترويج النوبة كما أقرتها قرون من الممارسة بعد زرياب وأبي باجة، على الخصوص، أما الفترة الثانية من تألق غرناطة فقد كان في أزمنة الحصار المسيحي لآخر معاقل الإسلام بالأندلس، ولعل هذا الوضع هو ما يزكي الاعتقاد بأن غرناطة ورثت كل فنون الحواضر الأخرى وأقامت تركيبا لأساليبها المختلفة في صياغة مثلى لمدرسة غرناطية ثانية.

لكننا لا نجد في الكتابات القديمة ما يشفي الغليل في ما يخص المقومات المقامية والإيقاعية للطرب الغرناطي، ولا نجد في منظومتي الونشريسي ومحمد ابن الغماد الوجدي أكثر مما يستعمل في “طرب الآلة” بيد أن معمد الحايك وهو يستعرض الطبوع في زمانه يذكر منها ما هو مستعمل وما هو مهمل، وفي ذلك مقامات مشرقية وأخرى سنصادفها في فن السماع كما في الطرب الغرناطي من قبيل طبوع الحركة والغريب والصيكا.

نعلم كذلك بأنه ما بين 1923 و1928 ظهرت الإرهاصات الأولى لمدرستين في الطرب الغرناطي بالمغرب دشنتا العهد الجديد لهذا الفن، بعدما كان محصورا في بعض العائلات الفاسية والتطوانية والوجدية ومعروفا في أوساط اليهود المغاربة ممتزجا بأساليب الغناء المطروز والشكوري والحوزي محاضرا في مواويل شعبية مخصوصة، ولعل تسمية أغلب المقطوعات المتضمنة في هذا الرصيد بنوع “الذزيري” (جزائري) أو “الوسطي” (نسبة إلى المغرب الأوسط) يوحي في أول وهلة إلى أن الطرب الغرناطي لم يلج المغرب إلا بفضل الموسيقيين الجزائريين، وهذا صحيح إلى حد ما  لأن من بعث الممارسة الحديثة في وجدة هو محمد بن إسماعيل ومن قام بنفس الصنيع في الرباط هو محمد بن غبريط وكلاهما من تلمسان، لكننا حينما نتفحص التاريخ نجد أن العلاقات التجارية والثقافية والاجتماعية بين فاس وتلمسان كانت دائمة وتفضيلية مما يجعل التأثير والتأثر في الفن حاضر وبارزين، وقد استمرت تجربتا وجدة والرباط في العطاء، بينما اضمحلت المدرستان الفاسية والتطوانية بفعل عدة عوامل سكانية وعرقية. وبينما ظل الطرب الغرناطي في الرباط شأنا محصورا لدى بعض الهواة القلائل، كانت وجدة تؤسس لعلم جمعوي رائد يوسع قاعدة المهتمين ويمركز الجهد في التلقين والتعليم، حيث يرتاد النوادي أطفال وبنات يتلقون دروسا في العزف والغناء، كما يشاركون شيوخهم في بعض الحفلات العامة في لوحات رائقة وهينة أنيقة.

يعتمد الطرب الغرناطي شأنه شأن كل موروث  الحضارة  الأندلسية على مفهوم النوبة، وعلى معجم من المصطلحات، يكاد يتفق مع ما هو متعارف عليه في “طرب الآلة”، لكن هناك تمايزات ملحوظة في شكل النوبة وهيكلها وفي الإيقاعات والطبوع.

وانتهت إلينا من رصيد الطرب الغرناطي اثنتا عشرة  نوبة كاملة وأربع نوبات ناقصة، وسبع نوبات مكررة بإيقاعات خارجة عن التقليد تسمى انقلابات، وهذا الرصيد هو الذي أقرته المدارس الجزائرية الثلاث وتبنته وجدة والرباط.

فالنوبات الكاملة هي التي تتضمن على الأقل مقطوعة في كل من الإيقاعات الخمس المعروفة في المصدر والبطايحي والدرج والانصراف والمخلص والمعروف من هذه النوبات الديل.

لا نجد في الكتابات القديمة ما يشفي الغليل في ما يخص المقومات المقامية والإيقاعية للطرب الغرناطي.

المجنبة الحسين -الرمل-  الغربي، الزيدان، الصيكا، الرصد، المزموم، رمل الماية، رصد الديل، الماية والنوبات الناقصة هي التي فقدت إيقاعا أو عدة إيقاعات ويهم الأمر نوبات الموال وغريبة الحسين والجركة والعراق.

ونجد كذلك إيقاعات خارجة عن المألوف في النوبة الكاملة بعضها من رصيد الموسيقى التركية العثمانية وبعضها شعبي وتسمى هذه النوبات نوبات انقلابات.

 ايقاعات الطرب الغرناطي:

         تؤدي نوبة الطرب الغرناطي في حصة واحدة في معدل زمني لا يفوق الساعتين، وخلالها يتم استعراض الصنائع بمقدماتها وفواصلها غبر خمس مراحل إيقاعية وهي:  المصدر والبطايحي والدرج والانصراف والمخلص .

         وإذا كانت هذه الإيقاعات هي نفسها في مجموع مدارس هذا الفن في المغرب والجزائر أي في تلمسان والجزائر العاصمة وقسنطينة من جهة ووجدة والرباط، من جهة أخرى فإن ضروبها قد تختلف في تكوينها ومواقع نبرها، ويظهر الاختلاف بينا مع قسنطينة على الخصوص التي لا تستعمل إلا أربعة إيقاعات تستثني فيها إيقاع الانصراف وتعوضه بالمقابل ببعض الإيقاعات التركية أو التونسية، ولا غرو فالطرب الغرناطي في قسنطينة هو أقرب إلى المالوف في أسلوبه وبعض طبوعه.

         أما الممارسة في وجدة والرباط فقد كرست ممارسة وسيطة بين المدرسة التلمسانية وبعض مظاهر المدرسة الجزائرية العاصمية.

إيقاع المصدر أول إيقاعات النوبة، هو إيقاع رباعي حركته بطيئة إلى معتدلة السرعة تؤطر غناء رصينا يتوسل إلى الحيوية في أجوبته الموسيقية التي تخالف المصدر سرعة باستعمالها إيقاعا ثانويا يسمى عند أهل وجدة بالشرف.

أما الإيقاع الثاني فهو البطايحي، رباعي الأزمنة كذلك يبدأ بنبرتين قويتين ويجنح إلى رفع السرعة شيئا ما، والإيقاع الثالث هو الدرج وبشأنه اختلاف، فهو منطقيا سداسي الأزمنة لكن بعضهم يستعمله رباعيا اقتداء بمدرسة الجزائر العاصمة، يحتل هذا الإيقاع مركزا وسطا بين الإيقاعات البسيطة التي تسبقه وبين الإيقاعات المركبة والمتناوبة التي تليه أي الانصراف والمخلص.

الانصراف هو الإيقاع الرابع، وهو من الضروب العرجاء التي لا يستقيم أداؤها لمن لا يحس بجو الطرب الغرناطي ولا يمتلك في وجدانه إيقاعا داخليا خاصا، ويتأكد هذا الإيقاع  في ملامحه العامة من خلال أسلوب النقر على الآلات.

آخر الإيقاعات المستعملة في نوبة الطرب الغرناطي هو إيقاع المخلص أو (الخلاص) بمعنى الختام، وهو إيقاع ثلاثي القسمة ثنائي الزمن (أي 8/6) يشبه القدام في طرب الآلة.

أسلوب الأداء:

نوبة الطرب الغرناطي موحدة الطبع من بدايتها إلى نهايتها لكن الطبع هنا مشبع بكل الزخارف والتحويرات النغمية التي تجعله غير رتيب ولا ممل مع طول زمن الحصة، كما أن النوبة الكاملة نستنجد بعدة فقرات مترابطة ومتمايزة السرعة والمضمون والوظائف، ويبرز على الخصوص الترتيب الآتي:

v   استخبار وهو مقدمة تهيء الجو العام للنوبة وتتضمن عدة مواقع للعزف الآلي الفردي والموال.

v   توشية ذات إيقاع خارج عن إطار الإيقاعات الأساسية.

v   إيقاع المصدر.

v   جواب آلي في إيقاع بشرف.

v   كرسي بطايحي (أي توشية داخلية تهيء للإيقاع الثاني).

v   إيقاع البطايحي.

v   جواب إلي في إيقاع بشرف.

v   كرسي درج (اختياري).

v   إيقاع الدرج.

v   جواب آلي درج.

v   استخبار الفصل بين مرحلتين.

v   كرسي انصراف.

v   انصرافان أو ثلاثة.

v   مخلصين أو أكثر.

تكاد كل أجواق الطرب الغرناطي تتفق على أسلوب التوحيد في العزف دون إتاحة هوامش للعازفين للانزياح عن الخط اللحني الموحد بين كل أفراد الجوق ومجموعة الغناء، وهذا التنظيم يكسب الطرب الغرناطي قيمة فعلية في مجال الرصيد الكلاسيكي لكن الإغراق في التوحيد قد يفقد معه بعض النكهة التي تميز الطرب العربي عامة. علاقة بالطرب الغرناطي بما حوله من أساليب أخرى.

فهناك مناطق التقاء مع “طرب الآلة” ليس فقط كما أسلفنا في مفهوم النوبة وأسماء بعض الطبوع والإيقاعات ومصطلحات الأسلوب، بل كذلك في اشتراكهما في بعض الحصص وتبادلهما لذلك “طرب الآلة”، يقرض طرب الغرناطي مثلا “شمس العشي قد غربت” وبالمقابل يستقبل منه            “القدام الجديد”.

في مدينة تطوان نوع من الملحون المطبوع بالأسلوب الغرناطي يرتكز على إيقاع “الزنداني” من فصيلة الانصراف بتركيبته الشعبية وهو نفس الإيقاع المسمى في الجزائر بالمزندل أو “درب حوزي”.

وأخيرا يندر في صنائع الطرب الغرناطي أن نجد صنعات مشغولة بالتراتين (بالات مثلا أو ما في حكمها) ويندر أن نجد صنعات معقدة التركيب لكنها بالمقابل تركز على تمارين صوتية وزخارف آية في الأحكام والضبط.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz