الضمير المهني العملة النادرة والصعبة في واقع حالنا المؤسف جدا

14800 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة 1 يناير 2012، بكل موضوعية ، وبكل تجرد من كل الخلفيات ، وبعيدا عن أية مزايدات ، وبعيدا عن كل تشاؤم ،لا مفر من القول إن واقعنا الحالي هو واقع تسيب بما لكلمة تسيب من دلالة . فالإضرابات المفتوحة التي لا نهاية لها تشمل  كل القطاعات ، وتشل السير فيها . ومصالح  الناس معرضة للضياع ، وهي مصالح  قاسمها المشترك هو المصلحة العامة. ومن سوء طالع الحزب الفائز في الاستحقاقات الانتخابية الأخيرة أنه ورث هذا الوضع السائب ، وهو مطالب بأن  يخرج البلاد من  هذا الوضع المؤسف جدا ، علما بأن من كان قبله لم  يسأل حتى مجرد السؤال عن دوره في هذا الوضع بله يحاسب عليه . وأكبر تحد تواجهه  حكومة هذا الحزب هو معالجة الوضع السائب بما يقتضيه من  عدالة ، وشجاعة ، وصرامة سواء في ما يخص تصحيح الأخطاء المرتكبة من طرف الدولة ، أو تصحيح ردود الأفعال على هذه الأخطاء ، والتي هي بدورها أخطاء.  لا أحد ينكر أن الدولة مقصرة بالفعل في حق العديد من الفئات المهضومة الحقوق ولعقود طويلة ، ولكن لا يمكن أن يكون ذلك مبررا لنهج نفس الأسلوب ، وهو ما يلحق الضرر بالصالح العام ، الذي لا يمكن أن يتحمل مسؤولية أخطاء الدولة. فالصالح العام صار بمثابة رهينة بين الدولة ، والفئات المهضومة الحقوق ، والتي تلحق الضرر بهذه الرهينة من أجل الضغط على الدولة. ولا أحد يجادل في أن الإضراب  حق  من هضم حقه ، ولكن لا أحد أيضا يستطيع أن  يعطل الواجب بذريعة المطالبة بالحق . فالحقوق   بين جميع فئات المجتمع متداخلة  ومشتركة ، فكل حق يتوقف بالضرورة على واجب ، ولهذا يعتبر تعطيل واجب ما مساسا متعمدا بحق من الحقوق . والضمير المهني الحي هو ذلك الضمير الذي يوفق بين الحقوق والواجبات ، ولا يجرمنه  شنآن الدولة ، وحيفها على ألا يقوم بالواجب . ولأمر ما تعرف المجتمعات الراقية حضاريا نوع الإضرابات الراقية من حيث أسلوبها من قبيل أسلوب الشارات أو غيره ،حيث يعتمد المضربون  طرقا للإضراب تراعي الصالح العام ، ولا تعرضه للخسارة والضياع . وخلاف هذا الأسلوب الراقي في المطالبة بالحقوق دون المساس بالواجبات، نجد المجتمعات المتأخرة حضاريا تعرف الإضرابات المفتوحة التي لا نهاية لها ، والمستنزفة للحقوق والواجبات ،  والتي تتحول إلى عبث لا مبرر له ، لأنها من جهة لا تستطيع إرغام الدولة على تحقيق  مطالب المتضررين ، ولا تصون حقوق  ضحايا هؤلاء المتضررين المضربين ، وتصير الخسارة مركبة حيث يخسر المضربون المتضررون ، ويخسر الصالح العام  أيضا ، وتظل الدولة غير مبالية بخسارة هذا الطرف أو ذاك . وخلال الصراع بين الدولة والمتضربين  يحاول كل طرف  ركوب الصالح العام ، واستعماله كورقة ضغط   أو كبش فداء من أجل إلحاق الضرر بالطرف الخصم ، علما بأن الصالح العام يكون ضحية بالنسبة للطرفين معا ، ويستغل من  قبل الطرفين معا . فما ذنب ناشئة محرومة من الدراسة طيلة أيام الأسبوع باستثناء يوم واحد ؟ وما ذنب مواطنين مرضى يحرمون من العلاج ؟ ، وما ذنب مواطنين وثائقهم التي تتوقف عليها مصالحهم الإدارية الملحة معطلة ؟ ، وما ذنب مواطنين تؤذيهم الزبالة ؟ وما ذنب  مواطنين ينالهم ظلم أو حيف بعينه بسبب الإضرابات….. لأن الإضرابات ـ وهي حق لا يناقش ، ولا ينكر ، والمظالم المسبب لها واضحة وضوح الشمس ـ لا تراعي أصحابها حقوق غيرهم  المعطلة والضائعة ، مع أنهم يشتكون من ضياع حقوقهم  . والغريب أن  يتشبث البعض بحقوقهم ،  في حين يدوسون على حقوق غيرهم ، بل يعاملون هذا الغير معاملة الدولة التي داست على حقوقهم ، وشعارهم ” الطوفان من بعدي ” . وأمام تصلب الدولة مع المضربين تتحول الإضرابات إلى عملية انتحارية الخاسر فيها المضرب والمواطن على حد سواء .  وأمام هذا الوضع السائب ، لا بد من قيم أخلاقية توقظ الضمائر المهنية الميتة التي  تتسبب في شلل القطاعات  خاصة العمومية  شللا تاما  ، وتلحق الضرر الفادح بالمواطن . فلو أن كل  شرائح المجتمع سلكت نفس أسلوب المضربين الذين لا يحسبون حسابا لحقوق غيرهم عندما يخوضون صراعا مع الدولة ،لهلك المجتمع عن بكرة أبيه . ولا شك أن تصحيح الأوضاع المتردية في كل القطاعات لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها . فلا بد لحكومة جديدة ورثت  المشاكل المتناسلة،والمزمنة من وقت وفرصة لدراسة المظالم على ضوء مبادىء العدالة الاجتماعية  ، خصوصا ، وأن هذه الحكومة تتخذ من هذه العدالة  شعارا لها . فعلى كل المضربين أن يكونوا أكثر واقعية ، فيعطوا هذه الحكومة فرصة تدبير ملفات المظالم من خلال العودة إلى أعمالهم، ومن خلال القيام بواجباتهم التي تتعلق بها حقوق غيرهم ممن لا يتحملون مسؤولية أخطاء الدولة ، اللهم إلا إذا كان هؤلاء المضربون وبإيعاز من الدولة نفسها  أو جهات  مغرضة أخرى يتعمدون إحراج هذه الحكومة  وتعجيزها  قبل أن تنطلق لتنصرف ، وتؤول الأمور إلى من كان سببا في الوضع السائب  الحالي . وإذا كانت بعض القطاعات تسير بالحد الأدنى  من الفعاليات والإمكانات البشرية، فلأن بقية من الضمائر الحية لا زالت باقية  في غياب الضمائر الحية سواء عند المضربين أو عند الدولة  ، مع العلم أن أصحاب هذه الضمائر الحية  يعانون أيضا من الحيف ، ولهم مظلمتهم التي قد تكون أكبر من مظلمة من اختاروا شل القطاعات. ومن المؤسف أن تؤول الأمور إلى هذا الحد من التسيب  غير المسبوق ، وتعطل القوانين في دولة الحق والقانون .  وأعرف مسبقا  أن البعض سينتقدني  من قبيل من يتسبب في حرمان أبناء غيره من حق الدراسة ،لأن أبناءه يتلقون الدروس  بشكل منتظم عند غيره ممن لا يضرب . ولهذا الصنف أقول  عليك ألا ترسل أبناءك إلى المدرسة  ،لتشعر بما تذيقه لآباء وأولياء غيرك  ممن تحرمهم الدراسة . وللذين يخوضون الإضرابات المفتوحة ، وسينتقدون  أيضا وجهة نظري هذه  ، أقول  أيضا تأملوا ما تستفيدون منه من خدمات مختلفة  بسبب عدم إضراب غيركم ، وتصوروا أن يحذو غيركم حذوكم ، فيعطل مصالحكم ، كما تعطلون مصالح غيركم ،كيف سيكون موقفكم ؟ والدولة بوزاراتها المختلفة لن يضرها تعطيل الهواتف المخصصة للعمل ، ولن يضرها الامتناع عن معالجة الوثائق الإدارية ، ولن يضرها أن تحرم الناشئة من حق التعلم ، وحق الإطعام . أو حق التطبيب إلخ … وغيرهما من الحقوق المدنية الضائعة والمعطلة ، والمتضرر الوحيد  من ذلك ،هم المواطنون الأبرياء الذين لا يتحملون مسؤولية المظالم التي يعاني منها المتضررون، والذين يعالجون ضررهم من خلال إلحاق الضرر بغيرهم ، وهم يظنون أنهم يلحقون الضرر بالدولة التي هضمت حقوقهم  وضيعتها . وعلى الذين لا تعجبهم وجهة نظري هذه ألا يكلفوا أنفسهم مجرد الالتفات إليها ، وأن وينسوها بمجرد  الاطلاع عليها  حتى لا تسبب لهم وجع الرأس ، أو تفسد عليهم إضراباتهم المتواصلة من عهد حكومات متعاقبة دون جدوى ، وبأضرار مضاعفة  مست كل فئات الشعب .

الضمير المهني العملة النادرة والصعبة في  واقع حالنا المؤسف جدا
الضمير المهني العملة النادرة والصعبة في واقع حالنا المؤسف جدا

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.