الشاهد البوشيخي من الأدب إلى معضلات النهضة

24087 مشاهدة

مصطفى بوكرن/ وجدة البوابة : وجدة 29 أكتوبر 2011، لم يكن يعرف الطفل الشاهد البوشيخى -الذى ولد سنة 1945م- وهو فى حضن جامعة القرويين أنه سيؤسس مدرسة علمية فكرية بمدينة فاس، كما أنه وهو فى سن الرعاية لم يزره خاطر ينبئه بما سيكون عليه فى المستقبل من أيامه العلمية والدراسية، رئيسا لمعهد الدراسة المصطلحية ورئيسا لمؤسسة البحوث والدراسات العلمية بمدينة فاس، ولم يكن البتة يفكر فى المعضلات الثلاث التى تواجه الذات، معضلة النص ومعضلة المصطلح ومعضلة المنهج، والتى هى أساس مشروعه العلمى الذى يحاول معالجتها.

كل ما كان يجول فى خاطر هذا الطفل أنه رحل لطلب العلم من مدشر الحريشة بقرية بامحمد المجاورة لمدينة فاس إلى جامعة القرويين سنة 1957م؛ والتى دخلها بعد اختبار فى حفظ القرآن الكريم، فعاش مرحلة طلب العلم الشرعى وعلوم اللغة، وتلقى عن شيوخه العلم الغزير فى حلقات علمية متسلسلة غرست فيه تواضع العلماء وهيبتهم وهو فى سن الطلب بالجامعة العريقة، فكانت هذه المرحلة التى دامت سبع سنين قدرا مقدورا، ومدرسة ربته على مهام العالمية وقيادة العصبة من أولى العلم خارج جامعة القرويين.

من جامعة القرويين إلى كلية الآداب بفاس

خرج من جامعة القرويين ولم يكمل مسيرته الدراسية بها، لأنه بدأ رحلة مهنية علمية مدتها خمس سنوات، جرب فيها التدريس فى ثلاثة أسلاك: السلك الابتدائى معلما سنة 1964م، والسلك الثانوى أستاذا سنة 1968م، والسلك الجامعى ملحقا سنة 1969م، ويعلق البوشيخى مبتسما على هذه المرحلة: “الله تعالى اختصر لى الطريق”، وغاية الطريق؛ الوصول إلى الأستاذية فى العلم، حيث أصبح أستاذا محاضرا سنة 1977م، بجامعة فاس.

فى جامعة فاس؛ سيخوض الشاب الشاهد تجربة التحصيل والبحث والتدريس، فكان طالبا تخصص الأدب العربى، حيث حصل على شهادة الأدب سنة 1967م، وعلى شهادة فقه اللغة سنة 1968م، وفى نفس السنة حصل على شهادة الحضارة الإسلامية، فعاش البوشيخى تجربة مغايرة لتجربة القرويين، على كل المجالات، حيث وجد نفسه فى خضم غليان سياسى وأيديولوجى بجامعة فاس كاد يؤثر فى توجهاته الفكرية لولا حفظ الله تعالى على حد قوله.

فالفكرة اليسارية بكل مذاهبها كانت منتشرة فى صفوف الطلاب وأساتذة الجامعة، وكان جو الإرهاب اليسارى يبسط سطوته على كل طلاب الجامعة، وإذا رأى الطلبة المتشبعون بالفكر اليسارى أى طالب يعلن عن حسه الدينى الإسلامى فإن مصيره يكون أسود، وأساتذة شعبة الأدب العربى فى الجامعة متأثرون بالجو السائد آنئذ، فيقول البوشيخى عن نفسه: “إنه كان يصلى وهو أستاذ ملحق خفية فى الجامعة”، ويشير باعتزاز إلى الأساتذة الذين تلقى عنهم العلم، ويذكر منهم الدكتور محمد البهبيتى المصرى، والدكتورين شكرى فيصل وأمجد الطرابلسى السوريين.

فكرة ثم اقتحام وإشراف

فى هذه المرحلة الجامعية، بدأت فكرة المصطلح النقدى تراود فكره، حيث يقول: “عندما كنت أسمع من أساتذتى بعض المصطلحات النقدية، كالجزالة، والرقة… لم أكن أتبين المراد منها بالضبط، لأنها عامة وغير دقيقة”، فيرجع الطالب البوشيخى إلى المعاجم، فلا يجد ما يشفى شغفه العلمى، فبدأت إرهاصات الإبداع تشق طريقها فى مساره العلمى البحثى، حيث رمى بنفسه فى قضية علمية تحتاج إلى جهود كثيرة، يتقلدها باحثون وهبوا أنفسهم للعلم والمعرفة والإبداع، فكانت المحاولة الأولى له بتسجيل دبلوم الدراسات العليا فى النقد الأدبى بكلية الآداب بفاس فى موضوع: “مصطلحات نقدية وبلاغية فى كتاب البيان والتبين للجاحظ” تحت إشراف د.أمجد الطرابلسى السورى بين سنة 1972م و1977م.

وجاءت المحاولة الثانية سنة 1979م، حيث سجل دكتوراه الدولة بجامعة محمد الخامس بالرباط تحت إشراف د.أمجد الطرابلسى مرة أخرى فى موضوع: “مصطلحات النقد العربى قبل القرن الثالث الهجرى” وناقش أطروحة الدكتوراه سنة 1990م وبعنوان منقح: “مصطلحات النقد العربى لدى الشعراء الجاهليين والإسلاميين- قضايا ونماذج ونصوص”، وبوصف جميل يشير البوشيخى إلى هذه المحاولة بقوله فى مقدمة رسالته للدكتوراه: “هذه المحاولة؛ بمثابة اقتحام، بل هى قذف بالنفس وإلقاء لها فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض؛ إذا أخرج فيها الباحث يده لم يكد يراها، ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور”، ويكون بهذا البوشيخى أول المتقلدين لمهمة الغوص فى المصطلح النقدى العربى فى العصر الجاهلى والإسلامى بالمغرب.

اقتحم فأبدع مشروعا

إن هذه الرحلة العلمية العميقة فى التراث العربى الأدبى للأمة مكنت الشاهد البوشيخى أن يبتكر ويبدع منهجا فى الدراسات المصطلحية بأصوله وفروعه ومفاهيمه ومصطلحاته، كما أن هذه الرحلة البحثية أكسبته إدراكا عميقا للمعضلات العلمية التى تجابه النهضة العلمية للأمة الإسلامية، وحصرها فى ثلاث معضلات، الأولى معضلة النص، والثانية معضلة المصطلح، والثالثة معضلة المنهج.

كفى البوشيخى تألقا وإبداعا أن بحثه فى كتاب البيان والتبين للجاحظ قد جعله يصحح عنوان الكتاب المشهور عند المهتمين بعنوان “البيان والتبيين” والصحيح كما حققه هو “البيان والتبين” بياء واحدة، ووصف البحث أستاذه الدكتور أمجد الطرابلسى فى التقديم بقوله: “إن هذه التجربة تجربة رائدة، لما تميز به صاحبها من أنه أداة كاملة للبحث المنهجى، يدعمها ضمير علمى حى ومعرفة عميقة بكنوز المكتبة العربية، ويضاف إلى ذلك أمانة تتجلى فى فهم كلام الجاحظ فهما صحيحا دفع الباحث أحيانا إلى تقويم نصوص البيان أو إلى تصحيح أوهام بعض الباحثين المتأخرين بجدارة ولباقة وتواضع”.

هكذا يتحدث الأستاذ عن تلميذه وهو يشق طريق العلم والعلماء، ودامت الصحبة والإشراف العلمى إلى الدكتوراه، فاستجمع خلاصة مركزة دونها فى مقدمة الطبعة الثانية سنة 1995م لكتابه “مصطلحات نقدية وبلاغية فى كتاب البيان والتبين للجاحظ” حيث أشار إلى:

أولا: إن الدراسة المصطلحية منهج قائم بذاته فى الدرس، يعتمد العلمية بشروطها فى الوسائل من الاستيعاب إلى التحليل فالتعليل فالتركيب، ويعتمد التكاملية حسب أولوياتها فى المراحل من الوصفية إلى التاريخية فالموازنة فالمقارنة، ويمكن تطبيقه بحسب الظاهر على كل مصطلحات العلوم فى كل التخصصات.

ثانيا: إن الدراسة المصطلحية شرط من شروط القراءة الثالثة للتراث، أى القراءة الصحيحة للذات؛ ذلك بأن أمتنا وهى تحاول أن تصحو من رقدتها التاريخية منذ قرنين قرئ تراثها قراءتين: قراءة كان لـ(غرب الغرب) فيها ومن لف لفه من أبناء جلدتنا قصب السبق، وقراءة كان لـ (شرق الغرب) فيها ومن لف لفه منا حظ الرائد القائد.

ثالثا: إن الدراسة المصطلحية مشروع علمى وضرورة حضارية؛ مشروع علمى لأنها تهدف إلى تذليل العقبة الكأداء، عقبة إنجاز المعجم التاريخى للمصطلحات العربية الذى هو خطوة فى الطريق إلى المعجم التاريخى للغة العربية، وهى ضرورة حضارية لأنها تتعلق ماضيا بفهم الذات وحاضرا بخطاب الذات ومستقبلا ببناء الذات.

رابعا: إن الإشكال الأول يتجلى فى معضلة إعداد النص، ذلك بأن الدراسة المصطلحية تقوم على نصوص، وقاصمة الظهر بالنسبة إلى المصطلح هى انعدام الإعداد العلمى للنصوص، ولتحقيق هذا الغرض يقترح البوشيخى ما يلي:

–         إنجاز فهرس شامل وكامل للمخطوطات العربية فى العالم.

–         تصوير كل ما بذلك الفهرس من أصوله، ثم تخزينه بأحدث الوسائل.

–    نشر ما لم ينشر منه نشرا علميا (أى موثق النسبة، محقق المتن، مكشف المحتوى) وفق قانون خاص، يمنع الباحث –أى باحث- من الاشتغال بتحقيق ما حقق أو يحقق الآن (كأن لا يطبع مخطوط ولا يسجل فى رسالة جامعية إلا من بعد إذن الحاسوب بالمركز المحلى للمخطوطات المتصل مع جميع المراكز أمثاله فى الشبكة العالمية، بحيث يمكن فى وقت وجيز الحصول على الإذن أو عدمه، والاطلاع على جميع صور الاشتغال بأى مخطوط فى أى بقعة من العالم).

–    إعطاء الأولوية فى المؤسسات البحثية كلها من جامعات وغيرها لتحقيق النصوص ونشرها (كأن يفرض الحصول على بعض الدرجات العلمية بالجامعات تحقيق نص مثلا، أو نقدم تسهيلات، أو نعطى مكافآت لكل من يحقق نصا وهكذا…).

إن هذه الرؤية المستقبلية الطموحة للشاهد البوشيخى تستبطن كل أسئلة الذات الحضارية للأمة الإسلامية، فهو بدأ طالبا فى الأدب العربى وانتهى منظرا ومفكرا فى المعضلات الكبرى التى عانت وتعانى منها الأمة، فلم يرد الإقامة المعنوية فى ماضى الأدب العربى مستمرئا بيان اللغة العربية، بل هب مناديا فى الأمة أن هبوا من رقدتنا الحضارية بالبناء العلمى الرصين.

نحو مدرسة فكرية علمية

كتب البوشيخى كلمات مؤسسة سارت بها ركبان الباحثين فى المصطلح والمنهج، فتقدمت بحوثهم وأحاديثهم العلمية، فلا تكاد تخلو رسالة فى المصطلح من عبارات: “والمصطلح -كائنا ما كان- إما واصف لعلم كان، أو ناقل لعلم كائن، أو مؤسس لعلم سيكون”، ومن العبارات أيضا: “مشكلة المنهج هى مشكلة أمتنا الأولى.. ولن يتم إقلاعنا العلمى ولا الحضارى إلا بعد الاهتداء فى المنهج للتى هى أقوم”، وتخرج على يديه العشرات من الباحثين، وأشرف على أكثر من 200 رسالة للدبلوم والدكتوراه فى مختلف الجامعات المغربية دون الحديث عن المناقشات التى تعد بالعشرات.

إن هذا المجهود العلمى البحثى للدكتور الشاهد البوشيخى فى الجامعة المغربية، الذى ضم التدريس والبحث والتأليف والإعداد والمشاركة فى الندوات والمؤتمرات العلمية، أسفر عن كثير من التآليف أكثرها غير مطبوع، وأسهم فى تكوين عصبة من الباحثين المتخصصين فى الدراسات المصطلحية، فأسس مع طلابه من الباحثين معهد الدراسات المصطلحية سنة 1993م، وأصدر المعهد أول عدد من مجلة دراسات مصطلحية سنة 2001م، وكان البوشيخى بهذا التأسيس يهدف إلى تشكيل مدرسة علمية فكرية، إلا أن -كما يصرح هو- الطلبة شغلوا ببحوثهم لنيل الدكتوراه وأعمالهم المهنية، فعرف المعهد فترات نشاط وجمود لكنه فى الوقت الحالى يعيش جمودا بعد خروج البوشيخى من الجامعة فى إطار المغادرة الطوعية سنة 2005م.

ويؤكد البوشيخى أن المعهد بالرغم من الجمود الذى يعرفه الآن فإنه راكم تجربة هائلة فى الدراسات المصطلحية، من خلال عقد الندوات والدورات التدريبية والإصدارات، وقد قدم للمصطلح العربى خدمة تفوق الكثير من المؤسسات العلمية.

واستثمارا للتراكم الذى احتضنه المعهد التابع لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بفاس أسس البوشيخى بمدينة فاس سنة 2007م مؤسسة البحوث والدراسات العلمية “مبدع”، فأصبحت المؤسسة حاضنة للمشروع الذى أسسه البوشيخى وأسهم فيه مجموعة من طلابه، وتحمل المؤسسة على عاتقها هم حل المعضلات الثلاث التى تواجه الأمة، معضلة النص ومعضلة المصطلح ومعضلة المنهج، وللوصول إلى هذا الحل تعمل المؤسسة على الإعداد العلمى الشامل للنص التراثى، وعلى الإعداد الشامل للمصطلح العربى، وعلى الإعداد الشامل للمنهج، ونظمت المؤسسة ندوة دولية فى موضوع: “المعجم التاريخى للغة العربية.. قضايا النظرية والمنهجية والتطبيقية” أيام 8-10/4/2010م، وستنظم فى مارس المقبل المؤتمر العالمى الأول للباحثين فى القرآن وعلومه فى موضوع: “جهود الأمة فى خدمة القرآن الكريم وعلومه”.

الشاهد البوشيخي من الأدب إلى معضلات النهضة
الشاهد البوشيخي من الأدب إلى معضلات النهضة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz