السياسة التربوية في المغرب إلى أين ؟؟؟

16079 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة: وجدة في 4 ماي 2012، بداية لا بد من حل إشكال هذا السؤال لغويا وبلاغيا. فالمفهوم من هذه الصغية هو الاستفهام ، والقرينة الدالة على ذلك هو وجود حرف المعنى ” إلى ” وأداة الاستفهام ” أين ” بعد عبارة ” السياسية التربوية في المغرب ” وهي جملة اسمية صدرها مبتدأ تلته صفة وشبه جملة. وخبر هذه الجملة الاسمية يكون حتما هو الجواب عن الاستفهام إذا ما تمحض لمعناه الحقيقي . أما حرف المعنى ” إلى ” فهو يدل على انتهاء الغاية في الزمان والمكان أو غيرهما. وأما أداة الاستفهام ” أين ” فتدل على المكان .

والمكان والزمان مقولتان تقع إحداهما على الأخرى حين يجمع بينهما الحدث فتكون إحداهما حيزه الجغرافي ، والأخرى حيزه التاريخي . وعليه فهذا السؤال إذا ما اعتبرنا المعنى الحقيقي للاستفهام يكون عبارة عن طلب العلم بالسياسية التربوية المغربية جغرافية وتاريخا ، إلا أن المفهوم من صيغة هذا السؤال على الأرجح :هو خروج الاستفهام عن معناه الأصلي إلى معان مجازية نرجح منها التنبيه حتى لا نقول التحقير أو التهكم .

أما الإشكال الثاني لهذه الصيغة الاستفهامية شكلا ، والتنبيهية دلالة ، فهو تشابهها بصيغة السؤال الفلسفي العام ، لأن من خصائص السؤال الفلسفي البحث في الغايات والمقاصد والمرامي الكبرى .

أما الإشكال الثالث فهو إشكال مفهومي يتعلق بمصطلح سياسة تربوية . فالسياسة التربوية هي جزء من السياسة بالمفهوم العام التي تظل مختلف الأنساق في المجتمع. ولما كان النسق التربوي جزءا من أنساق المجتمع المختلفة ،فإن له سياسته الخاصة به ، والمنبثقة عن السياسة العامة للبلاد . والمقصود بالسياسة التربوية في تعريف المهتمين بالمجال التربوي هو مجموع العلاقات والتفاعلات بين النسق التربوي ومحيطه ، وهي عبارة عن اختيارات وتنظيمات تحدد مسار ونتائج النسق التربوي في علاقته بباقي الأنساق الأخرى. والسياسة التربوية تأخذ في الاعتبار ما هو سياسي واجتماعي وثقافي واقتصادي وبشري أو ديموغرافي . والسياسة التربوية تحدد المقاصد المتوخاة من التربية ، وهي مقاصد مصرح بها ، وأخرى مضمرة ، وتحدد الوسائل والموارد والإمكانات لتحقيق هذه المقاصد ، وتحدد مواصفات النتائج المتوخاة من التربية على ضوء حاجيات ومتطلبات المجتمع . وفي نهاية المطاف تكون السياسة التربوية انعكاسا لاختيارات المجتمع الفلسفية ، وهي اختيارات مستمدة من قيمه وتصوراته وتقاليده وثقافته . ولهذا عندما نتحدث عن السياسة التربوية نستحضر في نفس الوقت الفلسفة التربوية لأنه لا بد لكل سياسة تربوية من فلسفة لتضعها في إطار ينسجم مع اختياراتها. وكما أن السياسة التربوية جزء من السياسة العامة ، فإن الفلسفة التربوية أيضا جزء من الفلسفة العامة . والسياسة التربوية إنما مصادرها الخطابات السياسية ، والوثائق والمؤلفات الرسمية وغير الرسمية .

وهذه المصادر تنهل من الفلسفة العامة للمجتمع . والفلسفة التربوية ليست علما بالمعنى الدقيق ، بل هي حقل معرفي يضفى على العلوم المتعلقة بالتربية دلالتها الحقيقية . وهذه الفلسفة التربوية تنظر في غايات التربية وتحاول الإجابة عن السؤال : لماذا نربي ؟ وهي تبحث في العلاقة بين الفعل التربوي والشخصية الإنسانية . ومن هنا نلاحظ تعاملها مع مباحث الفلسفة التي ترتكز على الوجود والمعرفة والأخلاق . وعبر تاريخ الانسانية كانت الفلسفة التربوية جزءا من فلسفات المجتمعات العامة . فعلى سبيل التمثيل لا الحصر ، تأثرت الفلسفة التربوية اليونانية بفلسفة المثل عند أفلاطون وركزت على تربية الفرد على ضوء نظرية هذه الفلسفة .

وكلما هيمنت فلسفة على مجتمع من المجتمعات فرضت تصورها على الفلسفة التربوية التي تحدد من جهة الغايات الكبرى والأساسية للتربية ، وتبني في نفس الوقت نظرية لهذه التربية تكون قابلة للتنزيل والتطبيق ، ودورها بهذا المعنى يكون ابستيمولوجيا يبحث في قيمة ومنطق التربية وبعدها الموضوعي . ومن المعلوم أن التربية هي السيرورة التي تستهدف النمو والاكتمال لدى الإنسان عن طريق فعل مزدوج فيه فاعل ومنفعل يشتركان في عملية تنمية متكاملة تستهدف مجموع إمكانات الفرد العقلية والجسمية والوجدانية والروحية والأخلاقية ، وهو ما يعني نشاطا مقصودا من أجل إدماج الفرد في المجتمع على ضوء الخيار الفلسفي لهذا المجتمع. ومن المعلوم أيضا أن التعليم هو مورد من موارد التربية يتمثل في تبيلغ مجموعة منظمة من الأهداف والمعارف والمهارات المساهمة في نمو الفرد ومن ثم في تأهيله تربويا .

أما الإشكال الرابع فيتعلق بواقع التربية في بلادنا ، وهو إشكال يطرح علينا السؤالين التاليين :

ـ ما هي فلسفة بلادنا العامة التي تنهل منها الفلسفة التربوية ؟

ـ وما هي سياسة بلادنا العامة التي تنبثق عنها السياسة التربوية ؟

من المجازفة القول بوجود فراغ فلسفي لدينا . ولكن فلسفتنا العامة عبارة عن ميراث فلسفي إسلامي شابه خليط من الفلسفة الغربية الناهلة من التراث الإغريقي والروماني والمسيحي . ففلسفتنا العامة لا تتمحض للون فلسفي معين ، وإنما تحاول التوفيق بين الأصيل والوافد . ولعل الظرف الذي جعل فلسفتنا بهذا التوجه هو أن الحضارة الغربية الغازية لنا تركت بصماتها فينا ، فجعلتنا نتخذ فلسفتها نموذجا يحتذى دون أن نستطيع التنكر لتراثنا الفلسفي الإسلامي . والسؤال الذي يفرض نفسه : هل استطعنا لحد الآن التوفيق بين فلسفتنا الأصيلة ، والفلسفة الوافدة أو الغازية ؟ والجواب عن هذا السؤال يختلف حسب وجهات النظر المختلفة حيث نجد من يعتقد بنجاح التوفيق ، كما نجد من يعتقد بفشله .

وعملية التوفيق بين فلسفتنا الأصيلة ، والفلسفة الغربية الوافد أو المهيمنة أو الغازية تبدو من خلال الإشارات العامة لفلسفتنا التربوية التي تدبج بها بعض الوثائق التربوية الرسمية من قبيل الإشارة إلى تكوين المواطن المتشبع بقيم دينه الإسلامي وفق عقيدة معينة هي العقيدة السنية الأشعرية ، ومذهبية معينة يعكسها المذهب السني المالكي ، والمعتز بوطنيته ، والمنفتح على الإنسانية ، وعلى الحداثة مع المحافظة على الأصالة ، والمتسامح …. إلى غير ذلك .فهذه الإشارات المتضمنة في فلسفتنا التربوية ، وهي تنهل من الفلسفة العامة لنا تعكس مدى حرص هذه الفلسفة العامة على التوفيق بين الأصيل والوافد .

وعلى ضوء هذه الفلسفة التربوية تأتي السياسة التربوية ، فهي سياسة توفيقية أيضا في نظر المتفائلين ، كما أنها سياسة تلفيقية في نظر المتشائمين . ومن أجل الحكم على نجاح أو فشل الفلسفة التربوية والسياسة التربوية لا بد من تسليط الضوء على الحاصل أو المنتوج الذي هو المتعلم . فما هي خصائص هذا المتعلم التي بواسطها نقيس نجاح أو فشل فلسفتنا أو سياستنا التربوية ؟ من المعلوم أن تنزيل الفلسفة التربوية والسياسة التربوية يعهد بها إلى أطراف مختصة تتركز في ثالوث ( التعليم أو التدريس / الإدارة / المراقبة ) . فعلى ضوء الفلسفة التربوية والسياسة التربوية تبنى المناهج ، وهذه المناهج يتم تنزيلها عبر ثالوث التدريس والإدارة والمراقبة . والملاحظ في المناهج المنزلة منذ الاستقلال إلى اليوم أنها تأخذ طابع التجريب الذي يعني البحث عن المناهج الكفيلة بترجمة الفلسفة التربوية والسياسة التربوية . فما إن يبدأ تجريب منهاج ما حتى يحل محله آخر قبل أن نتمكن من قياس السابق . وبسبب هذا حصلت تراكمات منهاجية تطرح أحيانا تناقضات كبرى .

فطابع فلسفتنا العامة الذي هو الحرص على التوفيق بين الأصيل والوافد جعل أصحاب القرار السياسي يراهنون على عملية مجاراة الوافد بناء على مستويات التحضر للبلاد التي وفد منها هذا الوافد . وهذا الحرص على الوافد أوقعنا في الهرولة ، وهذه الهرولة انعكست على المنتوج فكان هجينا لا هو أصيل ، ولا هو غريب ، الشيء الذي يعكس اضطراب فلسفتنا وسياستنا التربويتين . فهذا هو التوصيف الواقعي المنطلق من المنتوج الملموس . وهذا هو السر وراء صيغة السؤال المطروح : ” السياسة التربوية إلى أين ؟ ” وهو كما أشرنا في البداية ليس استفهاما بقدر ما هو تنبيه لا يخلو من احتقار وتهكم .

فالتربية كما عرفناها هي سيرورة نمو الفرد جسديا وعقليا ووجدانيا وروحيا وأخلاقيا . وعلينا أن نفتت هذه الجوانب أو بالأحرى نسأل عنها أو نقيمها لقياس وجهة السياسة التربوية . فإذا كان الفرد الخاضع للتربية عندنا لا يختلف نموه الجسدي والعقلي عن غيره في البلاد المتحضرة ،لأنه يتعاطى لمناهج شبيهة بمناهج تلك البلاد ، فإن نموه الوجداني والروحي والأخلاقي صار في نفس الاتجاه الشيء الذي يعني أن عملية التوفيق بين الأصيل والوافد عملية فاشلة حيث توجد تجليات الوافد ، ولا أثر لتجليات الأصيل . والمشكلة تكمن أساسا في سوء تقدير وسوء حساب الذين راهنوا على التوفيق بين فلسفتين مختلفتين في روحهما : فلسفة إسلامية وأخرى غربية وهي عبارة عن خليط من تدين ووثنية وعلمانية . والفرد الخاضع لفلسفة الخليط هذه يصاب لا محالة بحالة انفصام ،لأنه يخضع لتأثير فلسفتين مختلفتين في غاياتهما الكبرى .

وربما ظن المراهنون على التوفيق بين الأصيل والوافد الذكاء في أنفسهم والشطارة حيث خدعهم النمو الجسدي والعقلي للفرد الخاضع للتربية على غرار الفرد في بلاد الغرب ، وأنساهم ذلك اضطرابه الوجداني والروحي والأخلاقي . ولعلهم حاولوا اقتفاء أثر الأمم الأسيوية التي نجحت في التوفيق بين أصيلها والوافد عليها بخصوص نمو أبنائها الجسدي والعقلي والوجداني والأخلاقي والروحي. ولربما كان التقارب بين فلسفات الأمم الأسيوية وفلسفة الغرب سببا في نجاحها في هذا التوفيق .

وأخيرا لا بد أن نواجه السؤال الآتي :

ما هو المخرج ؟ والجواب بسيط ويتمثل في معرفة موطن الكبوة ، فإذا عرفنا أين كانت الكبوة استطعنا أن ننهض . فلا بد من وقفة مصارحة مع الذات ، إذا ما استرجعنا الثقة في هذه الذات أولا . ولا بد بعد ذلك أن لا يظل في فلسفتنا التربوية وسياستنا التربوية الصريح الذي يتم الإعلان عنه ، والضمني الذي لا يعلم . فعندما نتأكد من أننا وضعنا حقيقة فلسفتنا العامة التي تعكس شخصيتنا المتميزة ، فإنه سيسهل علينا وضع فلسفتنا التربوية المنبثقة عنها . وعندما تتحدد سياستنا العامة بشكل جيد ، سنتمكن من تحديد سياستنا التربوية بشكل دقيق ، وحينئذ سنتمكن من قياس توفيق أو فشل فلسفتنا وسياستنا التربويتين .

ولا بد أن يجتمع أصحاب الرهان على الأصيل ، وأصحاب الرهان على الوافد في حوار موضوعي وعلمي هادف لوضع اللبنات الأولى لفلسفة وسياسة تربويتين ناجحتين دون تقوقع ولا تنكر. أما أسلوب الوصاية والإقصاء والاستئصال فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أنه فاشل بامتياز . ولا بد أن نتنبه إلى أن منتوج التربية عندنا قد تحول إلى ما يشبه قنبلة موقوتة سيكون انفجارها عبارة عن دمار عظيم وخطير . فعلينا أن نبادر إلى استئصال الطفيليات المؤثرة على جودة هذا المنتوج الذي نخاطر به ،تماما كما يفعل الفلاح الذي ينقي محصوله سلفا من الأعشاب الطفيلية.

السياسة التربوية في السياسة التربويةالسياسة التربوية في المغرب إلى أين ؟؟؟
السياسة التربوية في السياسة التربويةالسياسة التربوية في المغرب إلى أين ؟؟؟

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz