السلسلة الجديدة من خطب الجمعة بمسجد الغفران بوجدة لفضيلة الأستاذ سعيد بنعالية: ” الهجرة النبوية دروس وعبر 1434هـ” الخطبة الأولى: ظروف الهجرة النبوية

35792 مشاهدة

وجدة البوابة: وجدة في 25 نونبر 2012، وتستمر شبكة الأخبار “وجدة البوابة” في نشر خطب الجمعة بمسجد الغفران بمدينة وجدة لفضيلة الأستاذ سعيد بنعالية أنفعنا الله بعلمه، ولقد خصص الأستاذ الفاضل خطبة الجمعة 23 نونبر 2012، للتطرق إلى قصة الهجرة في حلقتها الأولى: “ظروف الهجرة النبوية”، ويندرج هذا الموضوع ضمن السلسلة الجديدة من الخطب التي يعدها الخطيب أكرمه الله، وفي ما يلي نعرض النص الكامل والمفصل لهذه الخطبة القيمة متمنين للجميع الفائدة والاستفادة:

الحمد لله مدبر الشهور والأعوام، ومصرّف الليالي والأيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير،  ذو الجلال والإكرام، قال في محكم تنزيله: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا ( التوبة 40 ) وأشهد أن سيدنا وعظيمنا وحبيبنا وأسوتنا محمدا عبده ورسوله ، وصفيه من خلقه وخليله… صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الأعلام ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم إنه لا سهل إلا ما جعلته سهلا إنك تجعل الحزن إن شئت سهلا..أما بعد،

أحبتي في الله،

فتبدأ قصة الهجرة بوفاة شخصين عزيزين على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم.هلك عمّ النبي صلى الله عليه وسلم أبو طالب الذي كان له عضداً وحرزاً في أمره ومنعته، وناصراً على قومه؛ فلما هلك أبو طالب وَنَالَتْ قُرَيْشٌ مِنَ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَصَحَابَتِهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ وَالْإِيذَاءِ شَيْئًا لَا تَحْتَمِلُهُ النُّفُوسُ.

إذاً، فما العمل بعد أن ذهب السند الخارجي؟ ثم ذهب السند الداخلي خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- زوجُه الذي كان يمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالطمأنينة، والمشاركة والمؤاساة،فهل تنتهي الدعوة؟ هل يقف الداعية؟ هل كانت تلك الأحداث إيذاناً بانتصار معسكر الكفر؟ لقد أجاد الشاعر وهو يصف هذه الأحزان وتلك المصائب في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم:

وَلَّى أبوك عن الدُّنيا ولم تَرَهُ *** وأنتَ مُرْتَهَنٌ لازلتَ في الرَّحِمِوماتَتْ الأمُّ لمّا أنْ أنِسْتَ بها *** ولم تكنْ حين ولَّتْ بالغَ الحلُموماتَ جدُّكَ مِن بَعْدِ الوُلُوع به *** فكنتَ من بعدِهِمْ في ذروة اليتُمفجاء عمُّكَ حِصْناً تستكنُّ به *** فاختاره الموتُ والأعداءُ في الأَجَمتُرمَى وتُؤذَى بأصناف العذاب فما *** رُئيت في ثوب جبَّارٍ ومنتقمحتَّى على كتِفَيْكَ الطَّاهِرَيْن رمَوا *** سلا الجزور بكفِّ المُشْرِكِ القَزَمأمَّا خديجةُ، مَن أعطتْك بهجتَها *** وألبستْك رداء العطف والكرمما كنْتَ تحمل إلا قلبَ مُحْتَسِبٍ *** في عزمِ متَّقِدٍ في وجه مبتسمأُعْطِيتَ بالصَّبْر مجْداً لا يُماثِلُهُ *** مجدٌ وغيرُكَ عن نهج الرشاد عَمى

هَنَا بَدَا لِلنَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَرْحَلَ إِلَى الطَّائِفِ لِيُبْلِغَ ثَقِيفًا كَلِمَةَ اللهِ، وَيَسْتَنْصِرَ بِهِمْ لِنُصْرَةِ دِينِ اللهِ، فَخَرَجَ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فِي حَرِّ الصَّيْفِ يَسِيرُ بَيْنَ الشِّعَابِ وَالْجِبَالِ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى الطَائِفِ…فَعَرَضَ دَعْوَتَهُ عَلَى زُعَمَائِهِمْ، فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ كَذَّبُوهُ وَرَدُّوا عَلَيْهِ بِأَقْبَحِ رَدٍّ، عِنْدَهَا طَلَبَ مِنْهُمُ النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أَنْ يَكْتُمُوا عَنْهُ وَلَا يَنْشُرُوا خَبَرَهُ، خَرَجَتْ ثَقِيفٌ مِنْ صَوَابِهَا وَجَرَّأَتْ سُفَهَاءَهَا وَعَبِيدَهَا يَشْتُمُونَ النَّبِيَّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَيَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَدْمَوْا قَدَمَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ.

وَمَضَى الْمُصْطَفَى – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – تَارِكًا دِيَارَهُمْ تُلَاحِقُهُ مُظَاهَرَةُ السُّفَهَاءِ خَلْفَهُ صَاخِبَةً نَابِحَةً، حَتَّى آوَى النَّبِيُّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – إِلَى بُسْتَانٍ؛ فَجَعَلَ يُجَفِّفُ الدَّمَ عَنْ عَقِبَيْهِ، قَدْ تَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ الغُمُومُ وَالْهُمُومُ.

فَيَمَّمَ وَجْهَهُ شَطْرَ السَّمَاءِ، وَبَثَّ شِكَايَتَهُ لِرَبِّ الْبَشَرِ، وَابْتَهَلَ إِلَى رَبِّهِ بِهَذِهِ الابْتِهَالَاتِ «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي، إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنْ عَافِيَتَكَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمَرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ».

وَيُبْصِرُ صَاحِبَا الْبُسْتَانِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَرَقَّا لِحَالِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَأَرْسَلَا خَادِمًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا اسمه عدّاس بِطَبَقٍ مِنْ عِنَبٍ إِلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَأْتِي الْغُلَامُ النَّصْرَانِيُّ وَيَضَعُ الْعِنَبَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَيَغْمُرُهُ الْمُصْطَفَى – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِابْتِسَامَتِهِ الشَّاكِرَةِ، ثُمَّ قَالَ مَعَ أَكْلِهِ: «بِسْمِ اللهِ».

فَتَعَجَّبَ النَّصْرَانِيُّ مِنْ كَلِمَةِ البَسْمَلَةِ الَّتِي مَا عَرَفَهَا فِي أَرْضِهِ، وَمَعَ هَذِهِ الدَّهْشَةِ وَاللَّحَظَاتِ القَلِيلَةِ الَّتِي وَقَفَ فِيهَا النَّصْرَانِيُّ، وَجَدَهَا الْمُصْطَفَى – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فُرْصَةً لِدَعْوَةِ هَذَا الرَّجُلِ إِلَى الإِسْلاَمِ…لَقَدْ ذَهَبَتْ غُصَصُ الغُمُومِ وَجَرَعَاتُ الحُزْنِ عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَدَخَلَ فِي حِوَارٍ هَادِئٍ وَدَعْوَةٍ حَكِيمَةٍ مَعَ الخَادِمِ النَّصْرَانِيِّ، انْتَهَتْ بِدُخُولِ الفَتَى النَّصْرَانِيِّ فِي دِينِ هَذَا الرَّجُلِ العَظِيمِ؛ (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [البقرة: 213].

وَيَمْضِي المُصْطَفَى إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ خَبَرَهُ مَعَ أَهْلِ الطَّائِفِ قَدْ سَبَقَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَكَيْفَ سَيَدْخُلُ بَلَدَهُ؟ وَكَيْفَ سَيَلْقَى قَوْمَهُ وَلاَ نَصِيرَ لَهُ هُنَاكَ وَلاَ ظَهِيرَ…فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي قَدْ عَلاَهُ الغَمُّ لَمْ يَفْجَأْهُ إِلاَّ سَحَابَةٌ قَدْ أَظَلَّتْهُ، فَإِذَا هُوَ جِبْرِيلُ – عَلَيْهِ السَّلاَمُ – وَمَعَهُ رِسَالَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَنَادَاهُ جِبْرِيل: «يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ»، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مَلِكُ الجِبَالِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ»، وَهُمَا جَبَلاَنِ عَظِيمَانِ بِمَكَّةَ، فَقَالَ الرَّؤُوفُ الرَّحيِمُ الحَرِيصُ عَلَى هِدَايَةِ الآخَرِينَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».

وهذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يحكي فيقول بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ إِذْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى هَذَا الْمُرَائِي، أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِ آلِ فُلَانٍ فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا؛ فَيَجِيءُ بِهِ ثُمَّ يُمْهِلُهُ حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ مِنْ الضَّحِكِ؛ فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام، وَهِيَ جُوَيْرِيَةٌ فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ، ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيد،ِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود:  فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً”[1]


[1]  متفق عليه، واللفظ للبخاري

السلسلة الجديدة: ” الهجرة النبوية دروس وعبر 1434هـ” الخطبة الأولى: ظروف الهجرة النبوية الاستاذ سعيد بنعالية، متابعة مفيدة.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz