السر وراء الحساسية المفرطة عند رقيق الدين من المتدين

16125 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 16 يناير 2013 الموافق ل 4 ربيع الأول 1434هجرية، بين الحين والآخر يصادف المرء أو يسمع أو يقرأ بشريحة من البشر يعانون من حساسية مفرطة من المتدينين ، وهؤلاء في الغالب ممن لا تربطهم بالدين إلا خيوط واهية ، أو بالتعبير العامي ليس بينهم وبين الدين سوى الخير والإحسان وهم أرقاء الدين . ورقيق الدين هو الذي قد لا يتجاوز تدينه النطق بالشهادتين ، وفي أحسن الأحوال  يصوم شهر رمضان حياء من الناس لا إيمانا واحتسابا ، مع التشبث بالهين مما له علاقة بالدين كالاحتفال بالعيدين الفطر والأضحى لعلاقتهما بالأكل والشرب ليس غير . وما عدا ذلك  من عبادات أخرى  ومن واجبات لا تعنيه في شيء . وقد لا ينتبه رقيق الدين الذي  ينتقي من الطاعات ما يروقه أو يناسب تراخيه وتكاسله  إلى أنه عندما  يدين ويحاكم المتدين  الممارس للطاعات بشكل كامل، ويتهمه بأنه متطرف أو مبالغ في الدين يكون ممارسا للفتاوى الباطلة بامتياز ، وممارسا للتطرف والمبالغة في الدين  بشكل عكسي حيث  يشطب من الدين ما يشاء من الطاعات التي لا تروقه ولا تناسب هواه . وعوض أن ينتبه إلى خطورة ما يفعل يمضي في انتقاد من يحرص على أداء الطاعات كما جاء بها الدين . ورقيق الدين المتلفظ بالشهادتين فقط دون ممارسة باقي الأركان بما فيها ركن الصلاة  ،والذي  قد يعاقر الخمر أو يمارس الزنا أو القمار أو يأتي غيرها من الفواحش المحرمة لا يلقي بالا إلى أنه متطرف في تدينه الرقيق  بحيث يتجاسر على ما حرم الله عز وجل ويجعله حلالا ومباحا ، ولكنه في المقابل جد حساس لكل متشبث بتفاصيل الطاعات. والسر في هذه الحساسية المفرطة أن  المتدين المتشبث بتفاصيل الطاعات يسبب حرجا لرقيق الدين ، ويجعله مكشوفا و في حالة شرود واضحة لا غبار عليها . ورقيق الدين  قد يعي  وقد لا يعي أن مشكلته ليست مع المتدينين بل مع الدين نفسه، لأنه هو الذي اختار أن يتصرف فيه وفق هواه، فيحل ما حرم الله عز وجل  ويحرم ما أحل . فإذا ما اختلف معه المتدينون في التصرف في الدين وفق هواه فإنه يصب جام غضبه عليهم لمجرد أنهم اختاروا الالتزام بالطاعات التي يتملص منها هو إرضاء لرغباته وشهواته . ورقيق الدين يرمي المتدينين بنعوت مشينة شتى أقلها أنهم متخلفون ومغفلون بينما ينتسب هو إلى الحضارة والتقدم والشطارة والذكاء الخارق ، ولا يعلم أنه في الدرك الأسفل من التخلف والغباء، لأنه يتصرف في الدين بهواه الذي تحكمه غرائزه  العمياء. ولقد وصف الله تعالى نوع سخرية أرقاء الدين من المتدينين  في قوله : (( إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فاكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون )) هذا هو موقف الذين يجرمون في حق أنفسهم عندما يتصرفون في الدين وفق أهوائهم ، ويضحكون  ويتغامزون ويتفكهون من الذين يقيمون الدين ، ويعتبرون أنفسهم أذكى منهم، بل يعتبرون أنفسهم على صواب وهم يتصرفون في الدين بشكل مغلوط في حين يعتبرون المتمسكين بالدين على ضلال . ويلاحظ في كثير من المناسبات والمحطات وجود تقارب وتعاطف كبيرين بين أرقاء الدين ضد الممارسين له بشكل مخالف لممارستهم. وأحيانا يقدمون بين يدي انتقادهم لهؤلاء ذرائع واهية من قبيل قول الواحد منهم  وهو يبرر على سبيل المثال شرب الخمر أو الزنا أو ترك الصلاة…. ” هذا شأن بيني وبين الله  تعالى لا دخل لأحد فيه ” مع أنه لا أحد  يعرضه على المحاكمة في الواقع  ، بل هو يمارس ما يسمى الهجوم الاستباقي لمنع كل انتقاد محتمل له على سوء فعله ، لأنه في قرارة نفسه يكون متأكدا من أنه يتجاسر على ربه وعلى الطاعات  التي ألزم بها . وهكذا نجد شارب الخمر يؤاخي الزاني،  وهما معا يتعاطفان مع المرابي والمرتشي والراشي ، والجميع  يؤازر السافرة الكاسية العارية  ، ويتودد إلى بائعة الهوى ، والجميع أيضا مع  الملحد والمشكك في قضايا الدين ، والداعي إلى كل جاهلية جهلاء . وتنشأ المحبة بين أرقاء الدين تماما كما يعبر على ذلك المثال العامي بقوله ” تحابوا الكلاب على كرعينا لساسي ” ومعلوم أن الكلاب المتناحرة تتحد أمام كراع المتسول . وأمقت الناس عند أرقاء الدين هم المتدينون الذين تظهر عليهم آثار التدين سواء تعلق الأمر بهندام أو بسمت أو ما شابه. وأرقاء الدين حيثما مر بهم متدينون ازدروهم  وسخروا منهم وتغامزوا وأعادوا على أسماع بعضهم البعض أسطوانة مشهورة مفادها التعبير عن كراهية هؤلاء المتدينين الذين يحرجونهم لمجرد أنهم يلتزمون الطاعات ، وكأنهم  يفسدون عليهم رقة دينهم الذي أساسهم إتيان ما حرم الله عز وجل . ويحرص بعض المتدينين على مجاراة أرقاء الدين في أهوائهم طمعا في كسب ودهم  من أجل مساعدتهم على تصحيح تدينهم المغشوش إلا  أن هؤلاء ربما  زادهم ذلك مبالغة  في  الانسلاخ من الطاعات.وأكثر من ذلك يصير الأمر عند بعضهم نوعا من  دلال أرقاء الدين على المتدينين وكأنهم إن صححوا من انحراف دينهم سيقدمون خدمة جليلة للمتدينين وحتى للدين . وإذا ما قام أرقاء الدين  ببعض الطاعات في بعض المناسبات الدينية ، فإنهم  يشمخون بأنوفهم ، ويمنون بذلك على المتدينين ، ويرددون على  المسامع ما قاموا به ، وكأنه تضحية أو تطوع منهم  غير آبهين بشيء اسمه الرياء أو السمعة في الدين . ومن المشاهد المثيرة للسخرية والشفقة في نفس الوقت أن يحضر أرقاء الدين أحيانا جنائز بعضهم البعض ، فيقفون عند بوابات المساجد ينتظرون صلاة المتدينين الذين يكرهونهم على أمواتهم . والغريب أنهم يضطرون إلى ذلك مع أنهم لا  يلقون بالا إلى أنهم  قد شطبوا صلاة الجنازة من ممارستهم للتدين بشكل مغلوط بالرغم من حاجتهم الماسة إليها عندما يغادرون هذه الحياة . وكما يضطرون إلى صلاة المتدينين على موتاهم يضطرون أيضا إلى قراءة القرآن عليهم  والدعاء لهم  مع أنهم اختاروا شطب  الصلاة والقرآن الكريم والدعاء من حياتهم جريا وراء أهوائهم . ومع كل ذلك  لا يتعظ أرقاء الدين ، ولا يتنازلون عن كبريائهم وتعاليهم على المتدينين ، ويعيشون  بعقدة التفوق والتعالي  والتحضر والذكاء  والشطارة حتى يلاقوا يومهم الذي كانوا يوعدون .

السر وراء الحساسية  المفرطة عند رقيق الدين من المتدين
السر وراء الحساسية المفرطة عند رقيق الدين من المتدين

اترك تعليق

1 تعليق على "السر وراء الحساسية المفرطة عند رقيق الدين من المتدين"

نبّهني عن
avatar
Mhammed Alem
ضيف

Pardon de réagir en alphabet “Roumi”, je n’arrive pas encore à domestiquer ce qui me sert de clavier ; tu as parfaitement raison de dénoncer l’hypocrisie naturellement naturelle, par ces temps où tout se confond… Tout en te réitérant ma grande estime -de toujours, je joins ma voix à la tienne : il y a une part, normalement attendue entre le paraître et le faire par rapport à laquelle nous avons un minimum de réflexion et d’action à entreprendre. Je demeure fier de tes “élans” Frère Chergui en t’assurant de mon éternel appui.

‫wpDiscuz