الزمن الجميل: جيل “الْبَاصبور لَخْضَرْ”/ وجدة البوابة: رمضان مصباح الإدريسي

499823 مشاهدة

 وجدة البوابة: رمضان مصباح الإدريسي/ الزمن الجميل: جيل “الْبَاصبور لَخْضَرْ”

قبل الغربان:

كانت هناك طيور مهاجرة ،تمضي صوب الشمال خِماصا لتعود بِطانا.لم تكن تهتم بسؤال الرزق:لماذا هو هناك في الشمال الأشقر البارد،الذي لا ينهض إلا لعمل؟ ولماذا لم يتيسر في الوطن الحلم،وطن الاستقلال؛حيث الشمس الدافئة ،والصلاة خير من النوم والعمل معا.

وقتها لم تكن الدولة – كما اليوم- قد انتبهت بعد ل’ماركتينغ” العودة؛لتؤطر تدفق المال الصعب،صوب الوطن الكسول ، قبل  تكريم عرق المهاجرين؛وقد “قُدر” لهم ألا يعرقوا إلا في بلد الجليد والضباب. كانت الهجرة إلى الضفاف السعيدة فتنة حقيقية؛ تبدأ من محنة الجواز ،وقد ارتقت به بيروقراطية الستينيات من القرن الماضي،إلى مصاف صكوك الغفران والدخول الى الجنة. وقتها كان الحصول على عقد للعمل في فرنسا بالخصوص أسهل من الحصول على الجواز الوطني الأخضر.

رْفدت الباصبور لخضر وقُلت أنا دِي خيار الحياة

جْبَرْت البابور يرجى في المرسى مْسَطْرة بالرايات

نْهار إللي مشيت خاطَرْ، ودعت أحبابي وقلبي مهموم

خَلِّيت اميمتي تْنَوَّح وتقول وْليدي مْشالي للرُّوم

فعلا عرف الشيخ ،محمد اليونسي البركاني،كيف يُعبر عن جيل من الشباب ،لم يكن يرى  له مستقبلا – ولا حتى هوية- إلا في بلد الأنوار. طبعا خارج كل مدارات فلسفة الأنوار،وأحقاد الأديان .كم أطربتنا رائعته ،وهي تُبث على مدى ساعات النهار في مقاهي الشاي والنعناع بوجدة. رغم تجربة الاغتراب – بالجمع- المؤلمة في القصيدة، فإنها لم تكن في الحقيقة سوى دعوة لمقارنته بالاغتراب داخل الوطن ،وبظلم ذوي القربى ،حينما لا يرون في الشاب إلا مشروعا لمهاجر عامل تُعلق عليه كل الآمال والأحلام المادية .حتى بنت الجيران لم يكن لها من أمل، بعيدا عن هذا الشاب الذي يغادر باكيا ليعود في الصيف محملا بالسعادة.

يعودون ليتحدثوا ،بلغة الخبرة الشعبية،وبكل التباهي البريء، عن أوطان أخرى ،يشيع فيها دفء  الأحضان وليس وطء الأقدام. أوطان لاشيء فيها يحول دون الإنسان وحقوقه.أوطان لا يحرص فيها الناس على إغلاق منازلهم.

كان هذا قبل أن تُحلق الغربان في سماء المهجر ،وتتكدر الأنوار؛ويحل الشاب المجاهد محل المهاجر العامل.

أرض الكفار:

بدءا من سبعينيات القرن الماضي شرع خطاب العودة،المنبهر بأوربا والمُغري بها، في التغير تدريجيا.

 بدل الاستمرار في التمدد صوب الحرية ،ومتعة المواطنة الأوروبية، وبريق الحضارة؛ انزوى صوب الدين منتبذا به مكانا قصيا؛حتى لا يذبحه الغربُ الكافر.  ثم احتد الانحراف عن مركز الحضارة والحداثة ليُؤثثَ خطابُ الغرب الكافر ،بسباب الكفار”لعنهم الله”.

حينما سمعتها لأول مرة ،من قريب لي ثارت ثائرتي لشدة جحوده، ونكرانه لأحضان بدلت شقاءه هناء وسعادة أسرية.

ماكان له ،وهو المنقطع مبكرا عن الدراسة،والمنكفئ الى فقر البادية، أن يكون له أي مستقبل خارج جنة “الباصبور لخضر”. تأتى له العمل المربح،وأُطْعِم كرامة آدمية حد الشبع.تربى الأبناء في المدرسة العلمانية ،حتى لا يكفرهم أحد من الفرنسيين الخلص؛ثم تجنسوا وحازوا وظائف مهمة في مجتمع يعتد بالمؤهلات الفردية ،ولاشيء عداها.

فجأة يُلقى بالمهندس “سنمار” من أعلى البرج الذي أبدع وأخلص في إعلاء عِماده.  هكذا يصبح كافرا ،هذا الغرب الذي لم يقصر في استقبال كفار بمسيحيته.بل لم يسأل أصلا عن عقيدة أحد.

شيئا فشيئا تغيرت حتى الأزياء ؛وبدأنا نستقبل مغاربة أوروبا وكأنهم من ساكنة “كابول” ،وبعبوس كأنه قد من جبال “طورا بورا”.  الْتَحت اللحية والكلام.بل حتى السيارة صارت لها أكثر من لحية وتعويذة لحمايتها من عيون الكفار.

من أفسد زواج الشرق والغرب؟

من هزم الغرب ،رغم كونه  وفر كل بنيات الاندماج ،في عقر سياساته وبرامجه ؟  من أنسانا في مهاجري الستينيات؛وكل قصائد الاغتراب عن الديار،والشوق الأبدي للوطن وأعراسه الصيفية؟  من أحل الاغتراب الديني محل رباعيات الشيخة الريميتي الغلزانية، والشيخ العنقا، ونورة ورابح درياسة ؛ومعلقات خليفي أحمد؟

حينما انتبهت وزارة الأوقاف المغربية ،على عهد الوزير السيد العلوي المدغري،الى أن خبز المهجر أصبحت تخالطه وجبات الفقه الحنبلي المتشدد كانت كل البنية اللوجستيكية التكفيرية،قائمة في مواقعها عبر التراب الأوروبي كله،و في أقصى درجات الإنتاج.

هكذا لم تفلح أفواج الوعاظ ،الرمضانيين والقائمين،في رد الصائل الوهابي ،الذي تسير في ركابه قناطير الذهب والفضة.

ومن المفارقات ألا تُنفق أموال البترول “القار ونية” إلا في المَهاجر الغربية؛”مُحَصِّنة” المسلمين من “كيد” الكفار؛والحال أن إنفاقها في أوطانهم الأصلية ،كان سيغنيهم- أصلا- عن الهجرة.

مدرسة فاشلة اقتصاديا وناجحة عقديا؛ولكل عاقل أن يسأل:كيف نفشل في تنمية العالم العربي و الإسلامي ،وهو بثروات لا حصر لها؛ولا نفلح إلا في مراقي تشديد العقيدة،وصولا ،اليوم،إلى اقتتال مللها ونحلها، بما تأتى من سلاح ،ولو أحجارا ونِبالا فقط ؟

برج ايفل في صلاة جنازة:

الله أكبر،قتلنا “شارلي هبدو” ،وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم بوزن الريشة ؛تؤذيه الخربشة والقشة.ولو سألت الأخوين كواشي عن أبجديات الدين –قبل فقه الجهاد- لما أجاباك.ومعهما نستعيد حكاية بائع السمك الأمي، الذي كاد يقتل نجيب محفوظ عن رائعته الروائية التي خولت للعالم العربي جائزة نوبل.

ولن نسألهما عن كعب ابن زهير الذي عصى شعرا وتاب شعرا ؛فكانت “بانت سعاد” التي ألبسته بردة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.  ولن نسألهما عن عبد الله بن رواحة ،وهو يقارع القريض الكافر بالقريض المسلم،بأمر من الرسول.

قتل الضيف الجائع  مضيفه الكريم والمتسامح؛ الذي لم يفرض عليه أن يعيش معه  في مساحات الحرية التي حازها بعد ثورة كبرى و قرون من البناء. قيم الخنوع والمذلة الحضارية والاستبداد تنتفض في وجه “جان دارك” وكل عنفوانها الثوري الذي أقسم ألا يطأطئ لأحد إلا جثة متهاوية. 

هكذا تؤدي فرنسا ثمن غفلتها ،وهي لاتنتبه إلى أن إسلاما رُفع من تراب الجمهورية العلمانية،تدريجيا، ليحل محله إسلام آخر.  حتى السرية لم تكن مطلوبة في غياب الفهم الفرنسي العميق للدين. اليوم تدير فرنسا إسلامها ،وبين يديها شيوخ متقاعدون هدهم المرض والرطوبة.  أما الشباب فهناك من عرف كيف يستغل تواجدهم في الأحياء الهامشية المهملة ليجعل منهم تكفيريين حاقدين حتى على آبائهم وأجدادهم.

هكذا تسرب من بين أيدينا وأيديهم الزمن الجميل ؛ولم يعد أمام الجميع سوى خطاب الفواجع في الشرق كما في الغرب.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

1 تعليق على "الزمن الجميل: جيل “الْبَاصبور لَخْضَرْ”/ وجدة البوابة: رمضان مصباح الإدريسي"

نبّهني عن
avatar
المكي المنكاري
ضيف

الشيخ محمد اليونسي البركاني غنى الأغنية أما كاتب الكلمات فهو شخص آخر من مدينة أحفير وقد ذكر الشيخ محمد اليونسي ذلك في أحد لقاءاته التلفزية ، فهو إذن لم يعبر بل غنى ، لكن هذا لايخرج الشيخ اليونسي من معادلة المعاناة المعبر عنها في النص باعتباره عاش تجربة الغربة والإغتراب في فرنسا … شكرا السي مصباح على اهتمامك بالموروث الفني للجهة الشرقية .

‫wpDiscuz