الرشد والغواية سيان عند المتعصبين

87828 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: التعصب سلوك أهوج لا يحكمه منطق الحق والعدل والموضوعية والانصاف بل يصدر عن هوى جامح يتساوى عنده الحق مع الباطل والظلم مع العدل والموضوعية مع الذاتية والجور مع الانصاف ، بل لا وجود للمتناقضات عنده لأنه يعمي صاحبه ويصمه فلا يبصر ولا يسمع ولا يعقل ، والذي يعميه ويصمه هو تعلقه بشيء ما عملا بقاعدة : ” حبك الشيء يصم ويعمي ” . والتعصب عقيدة تعكس التخلف وهو ما عبر عنه الشاعر العربي الجاهلي في قوله :

وهل أنا إلا من غزية إن غوت ///// غويت وإن ترشد غزية أرشد

فهذا الشاعر المتعصب لقبيلته غزية تستوي في اعتقاده غوايتا ورشدها لأن حبه لقبيلته أوتعصبه لها أعماه وأصمه وعطل عقله ، فصار منصهرا فيها فاقدا للتمييز. ولا يقتصر التعصب على عصر أو مصر دون آخر ، ولا يخلو من مجال من مجالات الحياة . ومعلوم أن الدافع وراء التعصب هو المصلحة الخاصة عندما تجمع بين فئة من أصحابها فتنشأ بينهم آصرة حب المصلحة الخاصة ، وتتحول إلى معبود أو آلهة ، ويجعلون فئتهم ذات المصلحة الخاصة المشتركة فوق كل اعتبار ، وتصير فئتهم غزية التي تبتلعهم وتصهرهم في بوتقة واحدة ، وتخرجهم على صورة واحدة يجمعهم التعصب لها كما جمعتهم مصلحتهم الخاصة المشتركة . فالشاعر الجاهلي المتعصب لقبيلته غزية المنصهر فيها إنما فعل ذلك لأن مصلحته الخاصة كانت متوقفة على قبيلته ، لهذا لم يبال بفرق بين غواية ورشد ، وكان كل همه أن يتبع غزية في قراراتها ومواقفها لا يعنيه حق أو باطل عدل أو ظلم موضوعية أو ذاتية …. ولا شك أن قبيلته كانت تظلم فيطاوعها في ظلمها حرصا على مصلحته الخاصة المرتبطة بها جدليا . وإذا ما التمست الأعذار لإنسان العصر الجاهلي قبل نور الإسلام وهدايته ، فلا عذر لمن أدركه الإسلام وهو دين ينقض التعصب ، ويدعو إلى الحق والعدل والموضوعية ،ذلك أن المجتمع العربي الجاهلي الذي كانت تحكمه عقيدة غزية عندما دخله الإسلام انسلخ الناس من تعصبهم فصار البيت الواحد والقبيلة الواحدة منقسمة إلى مسلمين لله رب العالمين مع الحق والعدل حيثما وجدا ، وإلى متعصبين للقبيلة مع الباطل والظلم ، وكان أكبر ظلم هو الشرك بالله لقوله تعالى : (( إن الشرك لظلم عظيم )) . والسر وراء انتشار الإسلام في كل بقاع العالم بين مختلف الأعراق والأجناس هو نبذه للتعصب . ولو كانت عقيدة الإسلام على غرار عقيدة غزية لما جاوزت الدعوة الإسلامية جبال مكة . ومع شديد الأسف والحسرة نجد المنتسبين لهذا الدين اليوم لا زالوا على عقيدة غزية يتعصبون لما يسد مسد غزية مما لهم فيه مصالح خاصة . فبمجرد انتماء شخص ما إلى مجال من مجالات الحياة تنشأ لديه عصبية ويتعصب لفئته ، ولا يرى إلا ما تراه فئته ولا يبالي أحقا رأت أم باطلا . وقد يجرم الفرد المنتمي إلى فئة ما تجمعها مصالح خاصة من طرفها إن هو فكر في مخالفتها وهي على باطل صارخ ، ويرمى بالخيانة وإن كان على صواب ومع الحق والعدل . ومعلوم أن كل الفئات التي تجمع بينها مصالح خاصة ترى أنها محقة ومواقفها عادلة ولا تبالي بغواية ملتبسة برشد . والمؤسف في زماننا أن وعي المتعصب لفئة ما دون وعي الشاعر الجاهلي الذي كان واضحا في موقف التعصب حيث عرف ووعى الغواية والرشد في قبيلته وصرح أنه مع وعيه بالغواية والرشد فإنه مع قبيلته مهما كان موقفها منهما . أما المتعضبون اليوم لفئاتهم فيعتقدون جازمين أن فئاتهم راشدة في كل الأحوال وأنها منزهة عن الغواية . ولا تبالي الفئات المتعصبة أن تعصبها هو مصدر تهديد مباشر لها أمام غيرها من الفئات نظرا لاختلاف وتضارب المصالح بينها . فلو أن الفئات المختلفة تمسكت بتعصبها حرصا على مصالحها الخاصة لما استقامت الحياة أبدا ، لهذا شرع الله عز وجل الدين الذي نقض التعصب وجمع الناس حول الحق والعدل ورفعهما فوق كل اعتبار . وما يعرفه العالم اليوم إنما هو عقيدة غزية الجاهلية التي تستوي عن معتنقها الغواية والرشد ، ولهذا يعج العالم بالظلم وبالباطل . بالأمس احتفل الانقلابيون في مصر بما يسمى نصر حرب أكتوبر مع أن التاريخ سجل فوز المصريين في معركة العبور وهزيمتهم في الحرب وليس النصر في معركة كالنصر في الحرب ، وليست المعركة إلا جزءا من الحرب ، فاعتمدوا التعصب للانقلاب وهو باطل وظلم وتغنوا به ، و كان المشهد مثيرا للسخرية ذلك أنه مقابل الاحتفالات كانت هناك الاغتيالات . واستساغ الانقلابيون الاحتفال بدماء من عارضوهم وأنكروا عليهم الظلم ، وكأن الذين قتلوا ظلما وعدوانا أعداء من بقايا الحرب التي هزم فيها الجيش المصري هزيمة ، ولكنها صارت عن طريق التعصب نصرا عظيما وهو نصر مفتعل مغشوش من أجل العبث بعواطف الشعب المغلوب على أمره . وقياسا على تعصب الانقلابين في مصر يهيمن التعصب أيضا على قوى سياسية في بلاد الربيع العربي وخريفه ، ويراهن عليه أصحاب المصالح الخاصة ، ولا يعنيهم حق ولا عدل ولا موضوعية ولا إنصاف ، يبخسون من يخالفهم أشياءه ، ولا يقسطون لأن الغواية والرشد سيان في عقيدة التعصب

الرشد والغواية سيان عند المتعصبين
الرشد والغواية سيان عند المتعصبين

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz