الرحمان والإنسان والجان والشيطان والحيوان وقفة لغوية من أجل وقفة تأملية/ وجدة: محمد شركي

114395 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “الرحمان والإنسان والجان والشيطان والحيوان وقفة لغوية من أجل وقفة تأملية”

عندما نتأمل  اسم الله  الأعظم  ” رحمان ”  واسم ” إنسان ” واسم ” شيطان ” واسم ” جان ” واسم ” حيوان ”  نلاحظ وجود ألف  ونون  في هذه  الأسماء . والفرق  بينها  أن  ” رحمان ” تدل  على خالق  ، والأسماء الأخرى  تدل  على  مخلوقات ،  والفرق  بينهما هو  ما بين المطلق  والنسبي من تباين . فكلمة ” رحمان ” عبارة عن  وصف ذات يدل على  صفة  الرحمة  بالقوة  ، وهي صفة  قائمة  بالله  عز وجل تدل على الرحمة بالقوة  ، بينما  صفة ” رحيم ”  التي وصف الله  تعالى  بها ذاته المقدسة  أيضا تدل  على  تعلقها  بالمرحوم ، وهو المخلوق ، وتدل  على الرحمة  بالفعل  كما قال  أهل  العلم من الذين  وقفوا  عند اسمي الله عز وجل ” الرحمان  الرحيم “.  وصيغة  ” فعلان ”  من صيغ  الصفة  المشبهة باسم  الفاعل ، وهي صفة  تدل  على الثبوت  أو  صفة  تدل  على حدث أو فعل مجرد من الزمان  خلاف  اسم  الفاعل  الذي  يقترن  فيه  الحدث أو الفعل  بالزمان . ويقال  إن  صيغة ” فعلان ”  تدل على  السعة  والشمول في الوصف  ، أو المبالغة فيه  . ونظرا  للفرق بين  المطلق  والنسبي  فقد أشكل أمر  صيغة ” فعلان  ”  على البعض ذلك أنه  إن  عدت  هذه  الصيغة صفة  مشبهة  تدل على  ثبوت ، فإن  بعض الأوصاف  على هذه  الصيغة  لا يستقيم   معها اعتبار الثبوت   كما هو الحال  في صفة ” غضبان ”   وما شابهها لأن الغضب    حالة  غير ثابتة ، لهذا  قالوا  إن  صيغة  فعلان  تدل  في مثل هذه  الصفة على اسم  فاعل لأنها تفيد  التحول إذ لا يدوم ولا يثبت  الغضب . وفي صفة ” رحمان ”  اختلفوا فقال  بعضهم هي  صفة  مشبهة باسم  الفاعل دالة  على  ثبوت لأن  صفة  الرحمة  ثابتة  في  الله عز وجل ، وقال البعض  الآخر  كما مر بنا  هي صفة  ذات قائمة  بالله  تعالى  تدل على رحمته  بالقوة   بالرغم من ورودها  على صيغة  ” فعلان ”  التي  تدل  عند المخلوق  على اسم الفاعل الدال على الصفات  العارضة أو الحادثة كما هو حال ” غضبان ” بينما   تدل عند الخالق  سبحانه  على  صفة  ثابتة أو على الثبوت. وفي اعتقادي  أن صيغة ” فعلان ”  يكون لها حالان : حال في وصف  المطلق  ، وحال  في وصف  النسبي  أو حال مع الخالق  سبحانه ، وحال  مع  المخلوق . ودلالة  هذه الصيغة  على  السعة  والشمول  تعني   بالنسبة للخالق   السعة  والشمول  المطلقين  ،كما  تعني  بالنسبة  للمخلوق  السعة  والشمول  النسبيين . وأعود  إلى  الألف  والنون  في أسماء ” رحمان ” و” إنسان ” و ” جان ” و ” شيطان ” و ” حيوان ”  لنتأمل  دلالة  ما قبل  الألف  والنون في هذه  الأسماء  مع  استحضار دلالة المطلق  والنسبي.

1 ـ  ” الرحمان ”  لحقت  الألف  والنون  بمادة  رحم ، رحمة  الدالة  على  الرقة والشفقة والعطف والعفو  والمغفرة ، وبناء على  هذا  تكون  صفة  ” رحمان ”  دالة على  سعة  وشمول  الرحمة  ، لهذا  قال  بعضهم  إنها صفة  تدل على  رحموت  أي  رحمة  عظيمة  تشمل  المستحق  لها و غير  المستحق،  لهذا انفرد بهذه  الصفة  الله  عز وجل  دون  غيره  بينما  اشترك  معه  المخلوق  في  صفة ” رحيم ”  مع  أن  رحيم  عند  المخلوق  تدل على سعة  وشمول  نسبيين ، بينما  تدل  عند الخالق  سبحانه  على  سعة  وشمول  مطلقين . وليس من قبيل  الصدفة  أن يبدأ الله عز وجل  وصف ذاته  المقدسة  بالرحمان  قبل الرحيم  لأن صفة ” رحمان ” تدل  على رحمته  بالقوة  ، وصفة  ” رحيم ” تدل  على رحمته بالفعل  كما  أشرنا أعلاه . ودأب  صفة ” رحمان ” ألا  تنقطع  رحمته  على خلقه ، ولا تضيق  بهم ،وقد وسعت رحمته  كل  شيء مما خلق ، وله  الحمد  والمنة جل جلاله على سعة  وشمول رحمته  بالخلق  .

2 ـ ” إنسان ” لحقت الألف  والنون بمادة  أنس  أنسا ـ بفتح النون  وتسكينهاـ بمعنى  ألف  وسكن  قلبه ، وهو نقيض توحش ، وهي صفة  هذا المخلوق الذي  يألف بعضه بعضا . وربما دل إلحاق  الألف  والنون  بهذه  المادة  اللغوية على  سعة  وشمول  صفة  الأنس  والألفة  وسكون  القلب عند الإنسان.

3 ـ ” جان ” لحقت الألف  والنون بمادة جن  التي  تدل على الستر  والاختفاء ومن ذلك  قولهم : ” لا جن  بهذا الأمر ” أي لا خفاء . والجنة  هي الحديقة  ذات الشجر الذي  يستر الأرض بظلاله  ، والمجن  ستر  يقي  من  بأس  السلاح ، والجنة ـ بكسر الجيم  ـ جمع جني  وهو مخلوق  من نار يختفي  عن  الأبصار. ، وربما  دل  إلحاق  الألف  والنون  بهذه المادة  اللغوية  على سعة  وشمول  الاختفاء  .

4 ـ ” شيطان ” لحقت  الألف  والنون بمادة شطن  شطنا  ـ بتسكين الطاء ـ  إذا خالف  وعتا  وتمرد  وبعد . ولما كان  حال  هذا المخلوق  هو  مخالفة  أمر خالقه  وبعده عن  الخير  والحق  لزمته صفة الشيطنة . وربما  دل  اقتران الألف والنون بهذه المادة  اللغوية للدلالة على سعة  وشمول المخالفة  والعتو والتمرد .

5 ـ ” حيوان ”  لحقت  الألف  والنون بمادة  حيي  إذا تحرك وتحسس،  ومن ذلك  تسمية الحية   حية  لزحفها  وتحركها وتحسسها ، وذكرها هو الحيوت. وربما دل اقتران الألف  والنون  بهذه  المادة  اللغوية  على سعة  وشمول  الحركة والحس .

والملاحظ  أن الدلالة  على  السعة  والشمول  في  صفة من الصفات أو فعل من الأفعال ربما  دل عليها  اقتران الألف والنون  بفعل  أو وصف  في العربية ، فصيغة  ” فعلان ”  تدل على  سعة  وشمول  الفعل  ، ومن ذلك  أن  عطشان  تدل على  سعة  وشمول  العطش  ، وعلى  هذا  يقاس  كل   فعل  أو  وصف  لحقه ألف  ونون ، مع  فارق في الدلالة على السعة والشمول  على الإطلاق  بالنسبة  للخالق  سبحانه  ، والسعة  والشمول  النسبيين بالنسبة  للمخلوقات .

 ومقابل  دلالة  ” الرحمان ”  على سعة  وثبوت  صفة الرحمة  مطلقا  في  الخالق  سبحانه  ، نجد  الدلالة  على  سعة  وثبوت صفة  الأنس في “الإنسان” نسبيا  ، والدلالة  على  سعة  وثبوت  صفة  الاختفاء  في  ” الجان ” نسبيا لأنه  قد يخالف  طبيعته  بالظهور،كما أنه لا يخفى  أمره  عن  خالقه  سبحانه  ، والدلالة على سعة  وثبوت المخالفة  والتمرد في “الشيطان” نسبيا  لأنه  لن  يبقى على حاله على الدوام  ،بل  سينتهي تمرده إلى  جهنم وساءت  مصيرا ، والدلالة  على سعة  وثبوت صفة  الحركة  والإحساس في ” الحيوان ” .

ومن  سعة وثبوت صفة الرحمة  في ”  الرحمان ”  سبحانه وتعالى مطلقا  أن  جعل  لما خلق  سعة  وثبوتا في صفاتهم  وأفعالهم ولكن بشكل  نسبي لأنه  جل جلاله  المتفرد بالصفات  المطلقة  المناسبة  لألوهيته   التي  تعني  أنه  المعبود علما بأن العبادة أو العبودة  هي  الخضوع  المقتضي  للطاعة  لأن  نعمة الخالق  سبحانه  على الخلق   بالخلق  أو الإيجاد  تقتضي  أن   يخضع  له  ما خلق  ويطيعونه  بالضرورة .

وفي الأخير  أشير  إلى  لطيفة  من اللطائف ذكرها  أهل  العلم ، وهي أن اسم  الله الأعظم الذي  يستغلق   على الناس   إنما  هو كائن  في كل  أسماء الله  الحسنى ، وهو باعتبار  ما  يحتاج  إليه  الخلق  من أفعال صفاته  جل  جلاله ، ذلك  أن  المريض  على سبيل  المثال  يعتبر  اسم  الله  الأعظم  عنده هو الشافي  ، والمعذب  يعتبر اسم الله  الأعظم  عنده  هو  الرحيم، والفقير  اسم  الله  الأعظم عنده  هو  الغني  ، والظالم اسم  الله الأعظم  عنده  هو  القهار …. وهكذا  يكون اسم  الله  الأعظم  حسب  ما يكون  عليه  الخلق  من حاجة  إليه  أو من طاعة أو من معصية .

وبقي أن  أقول إن  الإنسان  والجان  إذا  ما تمردا على الخالق  انزلاقا  إلى مرتبة  الشيطان ، وصارا  في مرتبة  الحيوان  بل أضل من الحيوان 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz