الرباط: أزمة النقل الحضري بمدينة الرباط إلى أين….؟/الرباط: فاطمة بوبكري

60231 مشاهدة
فاطمة بوبكري: معاناة، تدمر، سخط، نهب سرقات واختطافات…، تلكم هي السمات والعناوين العريضة التي هيمنت وتهيمن على أجواء وأرجاء الرباط ونواحيها خاصة منها مدينتي سلا وتمارة، بعدما لم توجد لحد الساعة الحلول والأجوبة الشافية لمعاناة ساكنة برمتها مع محنة النقل للالتحاق بمقرات عملهم في العاصمة، حيث استفحل المشكل و شحت الحلول لعودة الأمور إلى سابق عهدها الطبيعي وإن كانت تشوبه بعض الاختلالات والنواقص، صحيح أن أزمة النقل كانت دائما مطروحة لاسيما بالمدن الكبرى نظرا لهول كثافتها السكانية،والأرقام الكبرى لعدد الموظفين والعمال والمأجورين بها، لكن ماذا لو كانت من جملة تلك المدن، مدينة الرباط؟ نعم، العاصمة الإدارية للمملكة وهذا يعني الكثير من الأشياء، فمشكل النقل الحضري بها له تأثير خاص لامحالة،هز ولامس بشكل مباشر وفضيع السير العادي بها،بعدما خلفت أزمة النقل بها استياء عارما وغضبا بدأت تزداد وتعلو خطورته يوما بعد يوم،في أوساط السكان والمتضررين، لكونه السبب في تفريخ العديد من المشاكل والعقبات قد تصل إلى مالا يحمد عقباه، أضف إلى ذلك المظاهر والتصرفات المشينة التي لا تليق وعاصمة المملكة.
منذ أواخر شهر أكتوبر المنصرم، عندما قررت شركات النقل الحضري بمدينة الرباط الدخول في إضراب مفتوح على حين غرة ودون سابق إنذار، حددت للساكنة موعدا مع الجحيم والمعاناة بطعم آخر طال أمده واستعصى فهمه،فصار الإشكال اليومي في الظفر بوسيلة النقل التي تفي بالذهاب والرجوع من البيت إلى مقرات العمل، هما مضنيا يتكرر كل يوم،فإن كانت بالأمس القريب طوابير المواطنين تقبل و تقتني مضطرة الحافلات المهترءة المملوءة عن آخرها بالركاب، حتى لامجال و لا متسع لدوران الأكسجين بين أرجائها، وعلى متنها ياحسرتاه! نساء من ضمنهن الحوامل، الشيوخ، الأطفال، وكذا المرضى والمعطوبين، في ظروف أقل مايمكن أن توصف به كونها دون الحد الأدنى لاحترام آدمية الإنسان،فهي اليوم تشتهي طلتها رغم كل مساوئها، فهمها اليوم هو ضمان الانتقال من المنزل إلى مراكز العمل جيئة وذهابا، باعتبار هذا الأخير مصدر عيشهم، والأولوية الأولى التي يثابرون من أجلها ويتكبدون الممكن والمستحيل في سبيلها إلى حين ساعة الفرج التي طال انتظارها، وبهذا سكن هاجس القلق نفوس وأعصاب كل المواطنين،الذين صاروا يصارعون الوقت ويلعنون الساعة التي هم فيها،لا حديث لهم سوى هته المعاناة اليومية اللعينة مع ظروف التنقل، فبعدما دخلت الشركة الجديدة التي أخذت على عاتقها التكفل بمشكل النقل الحضري، بأسطول مهم من الحافلات وعلى مستوى كبير من الجودة، واحترام تام لبنود دفتر التحملات، توسم الأهالي بالمدينة وضواحيها خيرا، واستبشروا بغد جميل، لكن الحلم لم يدم طويلا، فسرعان ما دخلوا في مسلسل التماطل اللامتناهي، ليجدوا أنفسهم يقلون العربات المجرورة، و ” الطاكسيات الكبيرة”أو الهوندات التي اعتادت على حمل الحيوانات، من ماعز وأكباش وأبقار…،حتى صارت اليوم تحظى بشرف نقل الموظفين بربطات العنق والحقائب، ثم الطلبة والفتيات الأنيقات!،ليمتجز طيب عطرهم الفرنسي برائحة الكلأ ووبر الخرفان،..في منظر هو أشبه بذلك المتواجد بالأسواق الأسبوعية للقرى النائية، أو المواسم.” مصائب قوم عند قوم فوائد” ؟!.لقد أضحى كل شئ ممكنا لدى العديد من الفئات ممن استؤصلت الرحمة من قلوبهم، وسولت لهم أنفسهم القيام بتصرفات خسيسة ذهب ضحيتها العديد من الضحايا، الكلام موجه إلى مايسمى عندنا ب “الخطافة”! ، الذين انتفخ ريشهم و استغلوا الفرصة واصطادوا في المياه العكرة، وتصيدوا فرائسهم، بالمكر والنصب على الناس، فلم يكتفوا فقط بالمزايدات الصاروخية في ثمن الأجرة ، بل ذهب بهم الطمع والجشع حد النصب والاحتيال ليقوموا بعد ذلك باختطاف العديد من الضحايا خاصة منهم النساء إلى أماكن خلاء لنهبهم كل ما تحتويه جيوبهم وحقائبهم ، دون إغفال هواتفهم النقالة والمجوهرات وكل ما له قيمة مادية كانت أم معنوية، وهذه صور تكررت في العديد من المرات وسارت بذكرها الصحف والمجلات، دون أن تحرك الجهات المسؤولة ساكنا!، هذا في الوقت الذي لم يجد العديد من المواطنين ممن سيطر الطمع واللهفة على قلوبهم والذين يمتلكون سيارات خاصة بهم مانعا،في أن يتحولوا بدورهم إلى “بزناسة وخطافة” من النوع الرفيع!، يقلون الناس إلى وجهاتهم المبتغاة، سواء الرباط المدينة ، أكدال، أو السويسي بالنسبة للمرضى أو الممرضين المشتغلين بالمستشفى، دون إغفال الحي الجامعي وباقي الأحياء،فكانت هته الظروف بالنسبة إليهم بمثابة الفرصة الذهبية أو “لوجيبة”، التي ضمنوا من خلالها ثمن أضحية العيد بكل ارتياح، كما تمكنوا من استجماع بعض من النقود زيادة، قد تفيدهم في فك ضيقتهم المالية في الأيام العصيبات، ولم يزالوا يستفيدون من هذه الخدمة ويودون لو تطال، بما أنهم ألفوا حلاوة العائدات، والنكت في هذا المضمار كثيرة ومؤسفة في الآن نفسه، لم تستثني حتى النساء اللواتي استسغن اللعبة وقمن هن الأخريات بجمع ” البلايص” والنصب على الرجال.وفي ظل هذه الأجواء الحادة، التي ماتزال معاناة المواطنين فيها مستمرة ، لم تبدي الشركة الجديدة ومسؤولوها، اكتراثا بالاضطرابات التي تشوب حركة النقل الحضري، بل اكتفوا بالتعليق كونها من ” صعوبات البداية”، وأرجعوا ذلك إلى قلة عدد الحافلات الذي يصل حاليا إلى 350 حافلة فقط من أصل416 كانت مستعملة في عهد الشركات السابقة، بينما يخضع عدد منها لإصلاحات تقنية، وتعهدت الشركة ذات الرأسمال المقدر بأزيد من 2 مليار درهم، حيث ضخت 100 مليون درهم لتسيير قطاع النقل العمومي بالعاصمة، بتجاوز هذه البداية المتعثرة، خاصة في ظل قرب تسلم أولى الدفعات من الحافلات الجديدة، حيث تصل إلى 14 حافلة خلال الأيام الآتية.والي العاصمة ينفي وجود أزمة في النقل؟!لم تخف مصادر نقابية متعددة في أكثر من مناسبة، شكوكها حول مدى قدرة الشركة الجديدة على تجنيب ساكنة العاصمة مشاق التنقل من وإلى مركز المدينة، ففي الوقت الذي كان مقررا فيه بدء عمل الشركة الجديدة، التي اندمجت فيها بعض الشركات العاملة في المجال منذ مدة، في شهر أبريل الماضي، فوجئ المواطنون بعدم وجود أي مؤشر على تغيير الحافلات المتهالكة، التي يضطر العديد منها إلى التوقف عدة مرات بسبب الأعطاب الكامنة بمحركاتها وهيكلها ككل، وهو ما يتسبب في التأخر اليومي عن الالتحاق بالعمل ، وضياع فرص قضاء المواطنين لأغراضهم الضرورية، خاصة منها الإدارية والصحيةـ وهنا لابد من الإشارة إلى أعداد وفيرة من المواطنين الذين قدموا من مدن نائية قصد إجراء موعد علاجي تكبدوا فيه عناء الطريق والجسد، إضافة إلى التكاليف المادية القاهرة، ليجدوا أنفسهم أمام صدمة فوات دور موعدهم العلاجي بسبب مشكل النقل الحضري بالعاصمة،مما يضطرهم إلى الرجوع إلى مدنهم خائبين لمعاودة الكرة مرة أخرى ولربما يجدون المشكل مايزال قائما؟ـ ، قبل أن يتم الإعلان عن تأجيل البدء الرسمي لعمل شركة «ستاريو» المتفرعة عن «فيوليا»، إلى غاية شهر غشت الماضي، وهو التاريخ الذي لم يتم احترامه بسبب مشاكل لوجيستيكية وأخرى تقنية، حسب ما أدلت به مصادر مطلعة على قطاع النقل بالعاصمة، والتي أرجعت التأجيل إلى مفاوضات بين الآمر بالصرف (الوالي) وبين مسؤولي الشركة الجديدة، التي نالت عقد التدبير المفوض، بشأن السماح للشركات المندمجة باستعمال أسطولها المستعمل، الشيء الذي يتناقض مع مقتضيات دفتر التحملات، الذي ينص على ضرورة أن تكون الحافلات ذات جودة عالية، وتتوفر على شاشة تلفاز ووُلوجيات لذوي الاحتياجات الخاصة ومكيفات هوائية، ومع أن المنتخبين بالمجالس المحلية يعرفون جيدا هموم هؤلاء ومشاكلهم اليومية مع النقل، قد تم أخذ ذلك بعين الاعتبار عند تفويت تدبير القطاع، إلا أن مسؤولية تنفيذ بنود دفتر التحملات أصبحت اليوم ملقاة على عاتق والي ولاية الرباط سلا زمور زعير، الآمر بالصرف، الذي يعتبر بمثابة جهاز تنفيذي. وفي رده على هذه الأقاويل، خرج والي الرباط حسن العمراني، عن صمته معلنا في تصريح لأحد المنابر الإعلامية، على هامش ندوة صحفية إلى جانب الشركة الجديدة، نفيه وجود أزمة معتبرا بأنها فترة انتقالية عادية.وفي الوقت الذي يعيش فيه المواطنون معاناة حقيقية يوميا بسبب غياب النقل، وانتشار «الخطافة»، الذين استغلوا الفرصة ليرفعوا التسعيرة إلى حوالي 100 درهم لـ«البلاصة»، مثلا، من مدينة سلا في اتجاه المستشفى الجامعي ابن سينا، كان عمدة مدينة الرباط فتح الله ولعلو، وممثلو ساكنة العاصمة، يخوضون في جدال حول ميزانية المهرجانات، وعندما طالب أحد المستشارين بحذف ميزانية الجمعية التي تشرف على «مهرجان البحر»، والتي تقدر بـ 2 مليون درهم سنويا، عارضه بشدة مستشارون من المعارضة، على اعتبار أن المهرجان من «إنجازات» العمدة السابق، عمر البحراوي، مطالبين بمعاملة ميزانية هذا المهرجان على غرار ميزانية كل من مهرجان الرباط وموازين، وهو ما استجاب له العمدة ولعلو الذي لم يكتف بعدم حذف ميزانية البحر من ميزانية العاصمة لسنة 2010، بل رفع من سقفها لتصل إلى ثلاثة ملايين درهم سنويا، ـ حسب مصادر صحفيةـ، والدخول إلى قاعة الاجتماعات من أجل تكوين النصاب القانوني للتصويت على الميزانية، وهو ما تأتى لـ«ولعلو» الذي استطاع تمرير الميزانية بالتصويت عليها بالإجماع. وبحسب مستشارين من أغلبية ولعلو فإن المسؤولية ملقاة على عاتق الوالي حسن العمراني، الآمر بالصرف على مستوى الصفقات الكبرى، والذي يمنحه القانون مراقبة الشركة في ما إذا كانت ملتزمة بدفتر التحملات أم لا، وهي الشركة التي ستساهم فيها مجموعة «بوزيد» بنسبة 28.06 في المائة ومجموعة «حكم» بنسبة 20.90 في المائة، بينما مجموعة «فيوليا» سيعود لها نحو 51.40 في المائة من أسهم هذه الشركة التي ستشغل حوالي 3200 مستخدم، وهم العمال المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، من بينهم حوالي 370 مستخدما من الوكالة المستقلة للنقل الحضري، في الوقت الذي يقول فيه ممثلو شغيلة القطاع بأن عددهم يبلغ نحو 5 آلاف عامل، منهم حوالي 1500 أجير غير مصرح به.هذا، وكان قد أصدر العمراني بتنسيق مع والي الأمن وباقي الإدارات الأمنية الأخرى، تعليماته من أجل مساعدة «الخطافة» على التنظيم ونقل المواطنين وهو ما ساعد بالإضافة إلى «الهوندات»، حتى السيارات الجديدة التي تحمل علامات «دوبل في» على «خطف البلايص»، فيما أثار هذا القرار استياء سائقي سيارات الأجرة الكبيرة لأن هذا الأخير سيخلق لهم منافسة تحرمهم من الانتعاشة التي يتمتعون بها في ظل هته الأجواء.هذا وقد عقد مسؤولون في ولاية العاصمة الرباط سلسلة لقاءات مع ممثلي عدد من النقابات المهنية في قطاع النقل لبحث المشاكل التي جعلت من النقل في العاصمة مشكلا مؤرقا للمواطنين والمهنيين على حد سواء. وأكدت دوائر نقابية أن أغلب النقابات قدمت لوائح المستخدمين الذين لم يحصلوا على أجورهم لشهر نوفمبر الماضي والبيانات الخاصة بهم لمسؤولي الولاية الذين وعدوا بالمساعدة على إيجاد الحل مع شركة «ستاريو»لفض الإشكال. وأكدت المصادر نفسها أن المسؤولين سبق لهم أن وعدوا بالضغط على إدارة الشركة الجديدة بغرض دفعها إلى الوفاء بالتزاماتها تجاه العمال والمستخدمين ودفع أجورهم ومستحقاتهم إلا أن شيئا من ذلك لم يحدث!، في حين تتزامن هذه اللقاءات مع اعتصام مفتوح بدأه عشرات المستخدمين داخل مقر شركة «ستاريو» وسط العاصمة لإقناعها بدفع أجور المستخدمين وتقنين وضعيتهم الإدارية، فمعظمهم لم يذق حلاوة وطعم فرحة العيد، لعجزهم توفير أضحية العيد لبيته وعياله، بعدما لم يتوصلوا برواتبهم لشهر نوفمبر.الوجه الآخر للعاصمة.إن الأوضاع المزرية التي تعرفها عاصمة المملكة، جراء مشكل النقل الحضري باعتباره المحرك الأساس لعجلة التنمية ، والغضب العارم الذي سيطر على أبنائها وجعلهم يئسون بشأن مستقبل بلادهم، الذي يرونه غير مطمئن، بسبب حالة القلق التي سيطرت على حياتهم، وهم يكابدون تبعات أزمة النقل وما فرخته من مشاكل وممارسات ألقت بضلالها على قيم المجتمع وبنية تماسكه،إن هذا بطبيعة الحال لمن شأنه أن يفضي إلى تطورات خطيرة قد تصل درجة الانفلات الأمني بالمدينة…إنها ليست العاصمة الإدارية للمملكة، تلك المدينة المتحضرة بزينتها، وشوارعها، وحدائقها الفسيحة، وحركة سكانها الذؤوبة…؟ بل هي كذلك الفوضى ، عرقلة السير،والغبار المتطاير هنا وهناك بسبب أشغال التراموي الذي زاد الأمور تعقيدا،فهل ستتمكن المدينة من تجاوز وضعها الحالي لوضع آخر يليق بها كعاصمة عربية وعالمية؟…

ازمة النقل في الرباط
ازمة النقل في الرباط
الرباط: ازمة النقل الحضري
الرباط: ازمة النقل الحضري

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz