الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ليسوا بمفازة من العذاب

70251 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 13 ماي 2013، يقول الله عز وجل في محكم التنزيل ، وهو أصدق القائلين : (( لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم )) . وردت في تفسير هذه الآية الكريمة روايتان للإمام البخاري رحمه الله الأولى عن ابن عباس رضي الله عنه ، والثانية عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه . أما الرواية الأولى فمفادها أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل اليهود عن شيء فكتموه إياه ، وأخبروه بغيره ، وفرحوا بما أتوا من كتمانهم ما سألهم عنه. وأما الرواية الثانية فمفادها أن رجالا من المنافقين كانوا إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه ، وفرحوا بمقعدهم خلافه ، فإذا قدم عليه السلام من الغزو، اعتذروا إليه وحلفوا ، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا. ويعقب سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسيره على هذه الآية بالقول : “إنه نموذج من النماذج البشرية يقتات الجبن والادعاء ، نموذج يرسمه التعبير القرآني في لمسة أو لمستين ، فإذا ملامحه واضحة للعيان وسماته خالدة في الزمان وتلك طريقة القرآن . هؤلاء الناس يؤكد الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم أنهم لا نجاة لهم من العذاب ، وأن الذي ينتظرهم عذاب أليم لا مفر لهم منه ولا معين”. فمن خلال هذا الكلام يتبين أن حب الحمد المجاني ظاهرة متأصلة في البشر تناولها القرآن الكريم ، وحذر منها لما لها من وخيم العواقب. والإنسان بطبيعته الأنانية يعشق الحمد ، وهذه الطبيعة تجره إلى آفة خطيرة ، وهي طلب الحمد المجاني الذي لا يقابله ما يستحق هذا الحمد . وطلب الحمد دون تقديم ما يقابله من جهد ظلم ، والظلم وضع الأمور في غير ما وضعت لها ، والله عز وجل حرم على نفسه الظلم ، وجعله محرما بين عباده . فكل إنسان لا يبذل جهدا ويطمع في الحمد فهو ظالم . والحمد عبارة عن أجر معنوي يجازى به من قدم معروفا تطوعا . أما القيام بالواجب فلا يقابل بالحمد لهذا يقال : لا شكر على واجب . فإذا كان الذي لا يقدم معروفا تطوعا ، ويحب أن يحمد مذموما عند الله عز جل قد توعده بالعذاب الأليم ، فما بال الذي لا يقوم بواجبه على الوجه المطلوب ، ومع ذلك يحب أن يحمد بما لم يفعل ؟ وإذا كان الناس يحتقرون من يحب أن يحمد كذبا وزورا على عمل تطوعي لم يقم به ، فكيف ينظرون إلى من يقصر في أداء واجبه ويحب أن يحمد على ذلك ؟ والنماذج المحبة للحمد بما لم تفعل كثيرة في مجتمعنا وتحديدا في عصرنا . ولا يخلو قطاع من القطاعات من محبي الحمد الكاذب مقابل أفعال وهمية لا وجود لها على أرض الواقع . والطامة الكبرى هي أن يحصل تواطؤ مكشوف بين أفراد شرائح طويلة عريضة في شكل فئات يجمعها عمل واحد أو في شكل أطياف نقابية أو جمعيات أو جماعات أو أحزاب في شكل ادعاءات كاذبة رغبة في الحمد المجاني . فكل هؤلاء يدخلون تحت دلالة الآية الكريمة المذكورة أعلاه . وتعج وسائل الإعلام يوميا في عصرنا بالتعبير عن طلب الحمد المجاني دون ما يقابله من عمل أو فعل . والمعضلة أن يقايض كثير من الناس الحمد المجاني بالكذب وأمرهم مفتضح لا يخفى على أحد . ويستهين هؤلاء بوعيد الله عز وجل الذي بشرهم بعذاب أليم لأن الله عز وجل لا يرضى الحمد لمن لم يبذل جهدا ،ولم يقدم عملا يستحق هذا الحمد . وهو سبحانه المستحق للحمد الذي تقابله نعمه التي لا تعد ولا تحصى ، ولهذا يعد مستخفا بالحمد كل من طلبه دون جهد أو عمل . ومن العذاب الذي ينال محبي الحمد بلا عمل أو جهد افتضاح أمرهم بين الناس في الدنيا ، وهو عذاب نفسي إذ يتجرعون مرارة شيوع فضائحهم بين الناس، لهذا يعمد بعضهم إلى كل الوسائل والحيل من أجل التخلص من هذا العذاب عن طريق التمويه والكذب ، ويتمادون في التشبث بالحمد الكاذب والدفاع عنه كمكسب ،وهم مقتنعين قناعة لا يخامرها شك بل على يقين بأنهم كاذبون ، يخادعون الناس وما يخدعون إلا أنفسهم . أما ما ينتظرهم من عذاب الآخرة فلا يبالون به لأن شغلهم الشاغل هو النجاح في تضليل الناس بأنهم أهل للحمد في الدنيا . ومن طلاب الحمد الكاذب بعض الذين يحاولون التظاهر بأنهم أهل صلاح و نصح ، وهم أصحاب طوايا خبيثة تقطر ألسنتهم عسلا ، وقلوبهم تفيض سما زعافا ، وكل همهم أن يحمد الناس تظاهرهم الكاذب بأنهم أهل صلاح و نصح ، ويشهدون الله على ما في قلوبهم ، والله عز وجل يعلم أنهم لكاذبون، لهذا توعدهم بالعذاب الأليم مقابل ما ينشدونه من حمد لا يقابله عمل . وقد يقرأ هؤلاء القرآن الكريم فيمرون بقوله تعالى المذكور أعلاه ولا يتدبرونه ولا يستوعبون منه شيئا بل يكون شأنهم شأن الذي يقرأ القرآن، والقرآن يلعنه كما جاء في الأثر. وبيان لعنة القرآن الكريم لهؤلاء أن يقول لهم : ” لعنة الله عليكم كيف تحبون أن تحمدوا بما لم تفعلوا ؟ أو كيف تحبون أن توصفوا حمدا بغير ما أنتم عليه في الحقيقة ؟ ويكون القرآن حجة عليهم في العاجل والآجل . وشأنهم أيضا شأن أولئك الذين يسألون يوم القيامة عن علم أو نفقة أو جهاد ، فيجيبون تعلمنا وأنفقنا وجاهدنا في سبيل الله ، فيقال لهم كذبتم بل فعلتم ذلك ليقال علماء وكرماء وشجعان أي لتحمدوا بالعلم والكرم والشجاعة، فقد قيل فادخلوا النار . فيا ليت الذين يحبون الحمد الكاذب دون عمل يتعظون بعذاب الدنيا وهو افتضاح أمرهم بين الناس ، فيسارعون إلى مراجعة أنفسهم قبل أن يحين موعد رحيلهم عن الدنيا الفانية إلى آخرة الأبد حيث العذاب الأبدي المهين .

الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ليسوا بمفازة من العذاب
الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ليسوا بمفازة من العذاب

اترك تعليق

4 تعليقات على "الذين يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ليسوا بمفازة من العذاب"

نبّهني عن
avatar
ملاحظة من أستاذ سابق لمادة الرياضيات
ضيف
ملاحظة من أستاذ سابق لمادة الرياضيات

من غير خوض في أسباب كتابة هذا المقال -والله وحده المطلع على السرائر- أقول إنه مقال ممتاز. التزم فيه صاحبه خلق النبي الكريم الذي كان يقول “مابال أقوام يفعلون كذا وكذا…” فيحصل بذلك النهي عن المنكر دون أن يحس المقصر بأي نوع من الإحراج.
حياك الله أخي الكريم. وعلى هذا المنهج فلتواصل سيرك. وأسأل الله لي ولك السداد.
واسمح لي أن أقدم ملاحظة صغيرة تتعلق بقولكم :”وهم مقتنعين قناعة لا يخامرها شك بل على يقين بأنهم كاذبون “أعتقد أن الصواب أن تقول ” وهم مقتنعون قناعة لا يخامرها…” فمقتنعون خبر وليست حالا والله أعلم.

محمد
ضيف

بكل صراحة وبكل موضوعية فانني والله لما قرأت هذا المقال وجدت وكأنك تصف نفسك تماما… كل ما قلته ينطبق عليك بالحرف…
يقول الشاعر: يا أيها الرجل المعلم غيره
هلا لنفسك كان ذا التعليم
ابدأ بنفسك وانهها عن غيها
فان انتهت فأنت حكيم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك اذا فعلت عظيم
أدعو الله أن يهدينا واياك طريق الرشاد

inspecteur
ضيف

Bravo monsieur Chergui pour cet article.Je crois que vous avez commencé votre cure psychanalytique.Tout ce que vous dites dans cet article s’applique à vous ,vous etes parmi ceux qui prétendent faire du bien mais en fait ils ne font que du mal.Vous etes sur la bonne voie continuez comme ça

ج.ج
ضيف

أمنياتنا لك ألا تكــون من هؤلاء و كافة المسلمـيــــن.

‫wpDiscuz