الذين عطلوا الميثاق استهدفوا أيضا جهاز المراقبة التربوية

187600 مشاهدة

بقلم الأستاذ رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “الذين عطلوا الميثاق استهدفوا أيضا جهاز المراقبة التربوية”

 آلية للمحاسبة:

لم يعد تعطيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين حديث محللين تربويين وسياسيين ،قد يُتهمون – كما كان يحصل سابقا- بالتحامل على الإدارة التربوية المركزية،وعلى وزراء سياسيين ،خدمة لأجندة هذا الحزب أو ذاك. لقد رَقَّته مصداقيته – كما بناها البحث الدقيق- ليصبح خطابا ملكيا رسميا يشكل مدخلا مُوجِّها للإصلاح.  ولا يخفى أن هذا المدخل –وهو تداركي- يشكل اعترافا ملكيا شجاعا بكون المؤسسة الملكية ،ولظروف سياسية تعرَّضْتُ لها في موضوع سابق,لم تواصل مواكبة تنزيل الميثاق مادة مادة؛ثقة منها، ربما ،في وزراء باب الرواح ؛واستبعادا لحصول انقلاب تربوي إداري لم ينتبه إلى خطورته أحد رغم دوي قذائفه المدمرة من قبيل: الميثاق غير ملزم.يؤخذ منه ويترك.هذه مادة لم تحسم.هذه تؤجل لأنها مرتبطة بأخرى.

سيكون على المجلس الأعلى للتربية والتكوين –وهو بدون شك راغب في اجتثاث أكبر قدر ممكن  من عوامل الفشل في تنزيل الميثاق- أن يقوم ببحث وثائقي (شبه جنائي) ليعرف بالضبط متى،وأين، زاغت  أول عربة عن السكة . هذا إذا خلف الانقلابيون بصمات دالة  .  مثل هذا العمل ،ليس للمحاسبة،لأن الإدارة التربوية –في ما يخص المناهج والبرامج- تتمتع بحصانة غريبة،أو قل بريع لا يبحث فيه أحد.

شغلني هذا الريع منذ الانحرافات الميثاقية الأولى،فنشرت دراسة تحت عنوان “نحو مدونة لأغراض التعليم وبرامجه”(الملحق التربوي لجريدة الاتحاد الاشتراكي ،العدد7،الخميس 10شتنبر1998)؛وكان هدفي هو الإقناع بإيجاد إطار تشريعي ملزم، تتم على أساسه محاسبة الجهات المنتجة للإصلاحات البيداغوجية ؛إذ لا يعقل أن تُتخذ قرارات تكلف ملايير الدراهم ،دون وجود آلية للمحاسبة.

 جاء الرد غير المباشر من وزير الوقت عبد الله ساعف ،إذ اعتبر في تصريح له أن البرامج ،بطبيعتها، متطورة ولا يمكن تجميدها في مدونة  .هذا كلام صحيح ،حينما يتعلق الأمر بمفردات البرامج،أو العناوين التفصيلية ؛لكن حينما يتعلق بالإطار العام ،والخطوط العريضة التي تتحرك ضمنها المعرفة المدرسية ،كما تتوزعها المواد التعليمية ،يصبح هذا الجواب مجرد تهرب من  بناء مرجعية للمحاسبة.

  لقد ساهمتُ في بناء البرامج ضمن اللجن المركزية ،وبَدَّلنا على هوانا وقناعاتنا – كمفتشين تربويين-دون أدنى حسيب أو رقيب إلا من أنفسنا ؛فهل هذا معقول؟ في غياب مدونة مرجعية يغدو “فينا الخصام ومنا الخصم والحكم”.  هكذا يُدبر قطاع يستحوذ على ربع ميزانية الدولة.عرفت الكثير من الملفات التدبيرية طريقها الى القضاء لكن لم يحصل أبدا أن حوكم المنتجون للإصلاحات التربوية المكلفة والفاشلة. إن ارتباط المسؤولية بالمحاسبة,وقد أصبح قاعدة دستورية، يتطلب تحديدا دقيقا لآليات المحاسبة . 

وزارة حامل بجهاز المراقبة التربوية،فمتى الوضع؟

لا معنى لبقاء ما تبقى من هذا الجهاز إذا لم يُمَكَّن من استعادة استقلاليته التامة عن نفوذ رؤساء المصالح الخارجية ،من مديري أكاديميات ونواب. استقلالية تجعله يعاود أداء مهامه المتعددة، بكل موضوعية،في منأى عن أي وعد أو وعيد.

 بتاريخ 6يونيه1989 قُتلت هذه الاستقلالية ،ولم يكن القاتل غير المذكرة الوزارية 80  التي حسمت في الصراع بين مديري الأكاديميات الجدد،وقتها،ونواب الوزارة،وقسمت الجثة ،مُمَكنة الجهازَ الجديد مما يشبع حاجته،أساسا  في مجال الامتحانات .  أما مديرية التعليم الثانوي ،وقتها،فقد تخلت عن حملها ،بل عيونها، ولم تعد تسمع من الجهاز غير تقويم الامتحانات،عقب كل دورة.

 أغرق تسونامي الامتحانات كل الجزر التربوية والديداكتيكية ،وتعطلت لغة الكلام عدا السؤال عما أنجز من المقررات ،أما الكيف فلم يعد يبحث فيه أحد.

هذه بتركيز حالة المراقبة التربوية التي اشتغلت عليها لجنة الميثاق ،وسعت لتغييرها ،من خلال عدد من المواد أستعرضها في الآتي:

تنص المادة134 على “تمكين المدرسين والمشرفين التربويين والإداريين والموجهين من تكوين جيد”.

وتنص المادة136 على “استفادة أطر التربية والتكوين ،على اختلاف مهامها،أو المستوى الذي تزاول فيه ،من نوعين من التكوين :المستمر وإعادة التأهيل”

وتنص المادة137 على “مساهمة المشرفين التربويين إلى جانب مجالس تدبير المؤسسات،في تطبيق النظام الجديد للتحفيز والترقية .”

أما المادة138 فتدعو إلى “مراجعة القوانين المتعلقة بمختلف مراتب موظفي التربية والتكوين”

وتبقى الفقرة ب من المادة 135 هي النص آلميثاقي المعتبر جوهرة العقد بالنسبة لهيئة المراقبة التربوية التي نادى بها الميثاق ،لولا أن اللوبيات المُعَطّلة كانت له،ولها، بالمرصاد:

تنص الفقرة على ما يلي:

*”تقوم السلطة الوطنية المشرفة على قطاع التربية والتكوين ،تطبيقا لمقتضيات هذا الميثاق،بإعادة هيكلة هيئة المشرفين التربويين وتنظيمها ،وذلك ب:

*تدقيق معايير الالتحاق بمراكز التكوين ومعايير التخرج منها .

*تعزيز التكوين الأساسي ،وتنظيم دورات التكوين المستمر لجعلهم أقدر على المستلزمات المعرفية ،والكفايات البيداغوجية والتواصلية التي تتطلبها مهامهم.

*تنظيم عملهم بشكل مرن يضمن الاستقلالية الضرورية لممارسة التقويم الفعال والسريع ،وإقرار أسلوب توزيع الأعمال والاختصاصات على أسس شفافة ومعايير واضحة ومعلنة.

*تجديد العلاقة مع المدرسين لجعلها أقرب إلى الإشراف والتا طير التعاوني  والتواصلي.

لم يغب عن لجنة الميثاق الدور الذي ستؤديه هيئة المراقبة في تنزيل مواد الميثاق ،خصوصا ما يتعلق بالمناهج والبرامج ،ومن هنا مطالبتها بإعادة هيكلتها،وهذه المطالبة تتضمن طعنا في الهيكلة الهشة السارية وقتها،إن لم نقل اللاهيكلة.أما مطلب الاستقلالية فقد ربطتها بأمرين هامين:

1.معايير الولوج الى مراكز التكوين؛وفي هذا ضرب للازدواجية السارية وقتها : التباري من أجل التوظيف المباشر ،من جهة ،و التباري لولوج مركز التكوين ،لسنتين (الثانوي) من جهة أخرى.

2.التكوين الأساسي والتكوين المستمر.

رغم كل هذه الترسانة الميثاقية  لم يحدث شيء يذكرفي الجبهة .لاتزال الهيئة إلى اليوم –عبر نقاباتها وتنظيماتها- تجر نفس الملفات المطلبية ؛بل صارت ملفات متوترة ،وأحيانا غير مُجمع حولها ،بفعل دسائس الجبهة المركزية المعطلة والمشتتة.

ساءت العلاقات بين أفراد الهيئة ،ووصلت الى حد الإسفاف في أغلب الجهات ،خصوصا والتواصل الالكتروني لم يترك حديقة سرية خاصة بالهيئة، تناقش فيها مشاكلها ،بكيفية لبقة لا تخدش ما تبقى من سمعة للجهاز.

يمكن القول ،دون مبالغة ولا تجني، أن المنتوج الحالي لهيئة المراقبة التربوية غير فاعل في تطوير أداء هيئة التدريس .أغلب هذا الإنتاج تقارير تتكرر منذ سنين ،بنفس الصيغة وكأنها وثائق عدلية.تقارير قد لا يقرأها حتى الأستاذ المعني بها لأن الترقية بامتياز مضمونة سلفا .القليل جدا من المفتشين من يتعرض للاختلالات الكبرى(الانقطاع المبكر عن الدراسة مثلا) لأن مؤامرة الصمت تقتضي هذا ؛فحينما يقول المجلس الإداري للأكاديمية بأن كل شيء على ما يرام في الجهة، فلا داعي لقول خلاف هذا. وما على باقي الأجهزة إلا الاجتهاد في تنزيل هذه الكذبة الكبرى التي ترتكب كل عام.

ذات مجلس لإحدى الأكاديميات شذ نائب إقليمي عن السرب فقال لا.كان مصيره التوقيف ؛ومن طرف وزير اشتراكي ،ولم تنفع كل الاحتجاجات التعليمية في إرجاعه إلى مهمته.    

ما لم يتدارك المجلس الأعلى للتربية والتكوين وضعية جهاز ذي تأثير كبير في مسار المنظومة التربوية فستواصل صاحبة الحمل رفضها لتحديد تاريخ للولادة؛رغم أن الميثاق رتب كل شيء ليخرج المولود أخيرا ،صارخا في وجه فساد تربوي طال السكوت عنه.

إذا لم تتحقق الاستقلالية ،وبشروط الميثاق، فلا داعي للإبقاء على الجهاز برمته معطلا، إن لم يكن كاذبا في اغلبه؛ومن الأجدى تذويبه في مهام إدارية ،وتحرير الساحة التعليمية ؛لكن قبل هذا تحديد معايير صارمة لولوج مراكز مهن التربية والتخرج منها. 

Ramdane3@gmail.com

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz