الدستور يُحْمَلُ على الأمْثلِ ولا يُختزل في التعايش/ رمضان مصباح الإدريسي

15288 مشاهدة

رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: وجدة في 2 مارس 2013، الدستور يُحْمَلُ على الأمْثلِ ولا يُختزل في التعايش

الدستور ليس متنا سياسيا متحولا:

أبدع البعض – تبريرا لسياسة ليس في الإمكان الإتيان بأفضل مما كان- فهما متحولا للدستور؛ينسجم مع النوازل الحكومية كما تترى,وكما تصيب فيها الحكومة أو تكبو؛حسب الأحوال ،ولكل حال لبوسه من نفس المتن دائما.

نحن أمام منهجية جديدة في التعاطي مع الدستور:فهمه ،ليس باعتباره نصا قانونيا ساميا ،ثابتا ،كما صوت عليه المواطنون ؛ولكن بالنظر اليه من زاوية أداء المؤسسة الملكية والحكومة.

فمن الوقوف،منذ شهور- تشددا- عند ما اعتُبره عدم التزام من طرف المؤسسة الملكية بالدستور ،وهي تأمر بالتحقيق مع “المتحرشين’ بجاليتنا المقيمة في الخارج؛باعتبارها تجاوزت اختصاصات السلطة التنفيذية في مجال العدل والحريات العامة ؛الى الدفاع اليوم عن التعايش ،كأعز ما يطلب ؛مادام قد ظهر جليا أن أداء الحكومة لم يرق ،بعد،الى مقتضيات الدستور المعدل في عدد من المجالات؛خصوصا بناء ترسانة القوانين التي نص عليها ،والتي يعلق عليها المواطنون الآمال الواسعة ،لارتباطها بمتطلباتهم الحيوية في عدد من القطاعات.

ولا يفسر هذا أبدا بكون المؤسسة الملكية لم تمتلك الإرادة ،بعد، لتقطع مع الاختصاصات التي تنازلت عنها طوعا لرئيس الحكومة ؛بدليل أن هذا الرئيس يقر مرارا ويكرر-حتى للخارج- بأن الملك مافتئ يطالبه بالتقيد بالدستور…

ان الدستور ،وان كان ينظم،بصفة عامة،الاختصاصات ،و الأداء السياسي التدبيري للدولة،لا يمكن النظر إليه كنص سياسي ،يخضع للفهم السياسي المتحول،الذي يقلب المثلث ،عاليا على سافل،فيجعل السياسة حجة على الدستور.

نعم في مستوى ما تكون فاعلة في تعديله ،وليس هذا مجالنا الآن.

 لو كان هذا الفهم هو المطلوب لما كانت هناك حاجة ،أصلا،الى دستور مكتوب يعرض للتصويت والترسيم ؛ولتركنا السياسة الولادة والمتحولة، تمضي حرة طليقة  ،تحتكم الى فن الممكن فقط.

ولو كانت بهذه الكيفية لما كانت هناك حاجة –بالتبعية- الى قضاء دستوري ينتصب حكما بين الأفهام المختلفة. قضاء يحتكم الى ضوابط دستورية ثابتة وغير متحولة.

ماذا يعني التعايش؟

مهما تكن مدلولاته ،في مجال السياسة، فلا مدول دستوريا له. ولا أدري كيف تأتى للبعض الدفاع عن لفظ،بل مدلول،لا يمكن لأي دستور أن ينص عليه؛ليس لكونه غير مطلوب، ولكن لكونه مدلولا فضفاضا ،وحمال أوجه ؛في تعارض واضح مع أعراف المتون الدستورية، التي يحبكها فقهاؤها مستحضرين مستويات عدة للفهم ؛ تنتهي الى الأرجح ،لكنها لا تنتهي الى غموض لا  نهاية له..

ان الاختصاصات التي يحددها الدستور لكل من الملك ورئيس الحكومة واضحة وثابتة ،ولا يمكن أن تخضع لا لفهم سياسي تدبيري متحول ،ولا لمنطق تبريري من أية جهة صدر.

ان الفقه الدستوري الذي صاغ هذه الاختصاصات يستحضر المؤسسة الملكية ،ومؤسسة رئاسة الحكومة ،بغض النظر عن شخص الملك ،وشخص رئيس الحكومة .كما أن هذا الفقه لا يستدخل

خطاب العلاقة بين المؤسستين ،ليرسم له مسارا نحو مجرد التعايش ،حينما لا يتأتى التفاهم التام.

ان المتن الدستوري،حسب فهمي المتواضع، محايد في ما يخص سياسة تنفيذ الدستور التي قد تتأثر بمزاجي المؤسستين ،وما يستجد من أحوال.

أما القول بالتعايش  فينصرف الى الشخصين ،مستحضرا مدى الاتفاق أو الاختلاف بينهما؛ولا يخفى على المتتبعين أن رئيس الحكومة هو الذي أبدع – من جهته فقط- هذه الثنائية بتكراره المستمر لوصف العلاقة بينه وبين الملك.

لا يسكت عن هذا حتى وهو يخاطب الإعلام الأجنبي الذي لا يعنيه هذا الشأن المغربي الداخلي.

قد يوهم الدفاع عن التعايش- وهو مجرد حد أدنى للعلاقة- بأن الملكية لم تتخذ بعد قرار التنازل الفعلي عن اختصاصات أوكلتها ،طوعا ،لرئيس الحكومة.

 هذا الإيهام  يتعارض- كما أسلفت- مع تصريح رئيس الحكومة،مرارا،بأن الملك يلح عليه دوما بتنفيذ الدستور والالتزام به.

و لا يمكن أن نفسر هذا الإلحاح بغير التقصير في الأداء الحكومي ؛خصوصا في تنزيل القوانين التي ينص عليها الدستور ،وينتظرها المواطنون منذ تنصيب الحكومة.

هذا البطء ،في حد ذاته، يطرح مشكلا دستوريا؛ فالحكومة تتحمل مسؤوليتها منذ ترسيم برنامجها في البرلمان؛وستخضع للمحاسبة على أساس ولايتها الكاملة ؛والحال أن غياب القوانين المذكورة يجعلها ولاية ناقصة. على أي أساس زمني ستتم المحاسبة؟

هذا من جهة ،ومن جهة أخرى لم يستحضر نواب الأمة، وهم يصوتون على برنامج الحكومة ،أن الأمر سينتهي –عند الشروع في التنفيذ- الى خلافات ،أو تنازع في الاختصاص ،يفضي إلى مجرد التعايش.لم يبد رئيس الحكومة  أي شرط أو تحفظ وهو يقدم برنامجه للتصويت.

ان التعايش، فقط، يشكل عرقلة لتنفيذ برنامج هو العمدة في تنصيب الحكومة،بل دسترتها.

النزال الدستوري أفيد من التنازل  للتعايش:

ان الدستور يطمح للأمثل ،انطلاقا من الممكن،طبعا ،ووصولا الى المأمول ؛كما يتنامى ويتحول تبعا للرسوخ  التدريجي في الديمقراطية. لا يتحقق هذا الا بدينامية يتضمنها الدستور ،إياه،وإلا عد نصا

ساكنا ،ان لم يكن ميتا. يكفي أن يتضمن الدستور انفتاحا  دائما على التعديل ،كما هو حاصل (الفصل 172) ليتأكد أنه مفارق كلية لمفهوم التعايش ،بكل ما يعنيه من كبح لدينامية التحول والتطور.

ان مفهوم النزال، المستمد من الوضوح التام ،بل القطع،في  تحديد اختصاصات الملك ورئيس الحكومة ،لا يدفع صوب الأزمة  السياسية،كما يتبادر دوما  الى ذهن رئيس الحكومة، كلما سئل عن علاقته بالملك،فيسارع الى نفيها  ؛بل صوب بناء علاقة دستورية صحيحة، فقها وممارسة،بين أي ملك وأي رئيس حكومة مغربيين. تتأسس هذه الصحة على نزال اجتهادي للاختصاصات ،فهما وممارسة.

لم تستو كل ديمقراطيات العالم ناضجة الا بعد نزال مرير- لا يزال متواصلا- بين فرقاء الحكم ؛وما كان مجرد التعايش ،كما اتفق،ليوصلها الى ما هي عليه.

ان تهرب رئيس الحكومة من مسؤولياته الدستورية؛وقد حصل منذ فجر الولاية ،حينما تخلى عن اقتراح وزراء السيادة لا يمكن ربطه لا بالدستور ,ولا بتصلب الملكية ،بل بشخص الرئيس ليس الا .

لقد تنازل طواعية عن أمر لا يملكه؛وأخل بالتزام دستوري ناشئ عن الثقة التي حظي بها البرنامج الحكومي في البرلمان.

بل أخل حتى بالثقة الملكية التي عينته رئيسا للحكومة ،مراعية فيه شخصيته المؤسسية الاعتبارية وليس بكيران الذي يتنازل بقدرما يضحك ويضحك.

ولن أتحدث عن بقية بنات القاموس السياسي للرجل، التي انتهت الى تعكير أمزجة المواطنين ،وتيئيسهم باعتبار الفاسدين تماسيح وعفاريت ،لا قبل له بها ،في حين أنهم مجرد بشر ،ضعفاءبخرقهم للقانون، يعرفهم ويعرفونه .

ورغم كل هذا الوضع نجد من يقول دون أن يرف له جفن:

“إن حضور الملك على رأس هذه المؤسسات لا يمكن أن تكون له إلا وظائف إيجابية ما دام لا ينتج عنه سلطات تنفيذية..”  عبد العلي حامي الدين

لولا هذه السلطات التنفيذية، التي ازور منها الرئيس اختيارا، لكنا في أوضاع أخرى .

ان الدستور حلبة للنزال وليس حديقة للدعة والتعايش…

الدستور يُحْمَلُ على الأمْثلِ ولا يُختزل في التعايش/ رمضان مصباح الإدريسي
الدستور يُحْمَلُ على الأمْثلِ ولا يُختزل في التعايش/ رمضان مصباح الإدريسي

Ramdane3@gmail.com

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz