الخضري: إعدامُ المجرمين ليس حلاً .. والانتصار الأمني "نشوة زائفة"

وجدة البوابة28 يوليو 2019آخر تحديث : منذ 4 أسابيع
الخضري: إعدامُ المجرمين ليس حلاً .. والانتصار الأمني "نشوة زائفة"
رابط مختصر

قال عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، إنّ “الحكم بالإعدام في حق المجرمين، جراء ارتكابهم لجرائمهم المروعة، لنْ يساهم في التقليص من حجم الجرائم ولا من نوعيتها، وهذا مثبت في الكثير من الدراسات العلمية”، مبرزاً أنّ “الحكم بالمؤبد غير قابل للعفو مع الأشغال سيجعل هؤلاء المجرمين عبرة لمن سواهم”.

abdelilah elkhodari 339345865 - Oujda Portail - وجدة البوابة أخبار وجدة والمغرب

وأوردَ الحقوقي المغربي، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية، أنّ “الانتصار الأمني في إخماد الاحتجاجات السلمية المشروعة، في ظل ذات النهج السياسي المتبع ما هو سوى نشوة انتصار زائفة، وإرجاء للأزمة وليس حلا لها، والقادم في تقديري الشخصي أسوأ، لأن تلاحق الأجيال يستتبعه لزوما تغييرا في العقول، وجرأة أكثر وإصرارا أكبر على إقرار الديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية للجميع”.

إليكم نص الحوار:

قبل أيّامٍ، تعالت أصوات مندّدة بارتفاع منسوب الجريمة في المغرب مع انتشار شرائط فيديو توثّق لأعمال عنف واغتصاب، كيف تفسّر انتشار مثل هذه السلوكيات في المجتمع؟

ارتفاع منسوب الجريمة في المغرب واقع لا يمكن إنكاره، وذلك راجعٌ بالدّرجة الأولى إلى تنامي العطالة في صفوف الشباب، وانتشار الإدمان خاصة تناول حبوب الهلوسة الخطيرة، مما ساهم في ازدياد منسوب العنف والعدوانية في سلوك الشباب، لكن الجديد في هذه الظواهر هو أنها لم تعد حكرا على الذكور، بل أصبحت الكثير من الفتيات إما منغمسات كليا أو نسبيا في ذات الظاهرة، أو يقبلن العيش تحت رحمة هؤلاء المدمنين.. وهنا نستحضر وضع الهشاشة الأسرية والاجتماعية التي تمسّ بشكل مضطرد شرائح عريضة من المواطنين، وتؤدي بهنّ إلى حياة في أحضان مجرمين، كما لو أن فريسة تعيش داخل عرين أسد، إلى أن تقع الواقعة، فتذهب أرواحهن ضحية قبولهن سادية ونرجسية هؤلاء المدمنين.

فضلا عن إشكالية أخرى، زادت الوضع تفاقما، وتتعلق بخلل عميق في المنظومة الأمنية، المبنية حاليا على إجراءات ومساطر لا تخلو من التعقيدات والثغرات على حد سواء، مما ساهم في إضعاف فعاليتها، حيث كثيرا ما يلجأ المواطنون، وخاصة النساء، إلى الدوائر الأمنية والدركية للتبليغ بتهديد ما، إلا أنهم يتلقون خيبة أمل في التعاطي مع تظلمهم، وربما القمع والتهديد، مما يمكن اعتباره أحد أهم محفزات انتشار الجريمة.

هناك من يطالبُ بتنفيذِ عقوبة الإعدام لردْعِ المجرمين، وقد تجلّى هذا المطلب بشكلٍ واضحٍ مع محاكمة “إرهابيي شمهروش” وظهور عدد من الفيديوهات التي توثق لأعمالٍ وحشية، هل تنفيذ الإعدام يمكن أن يُقلّل من منسوب الجريمة في المغرب؟

الجرائم المرتبطة بالإرهاب تختلف نسبيا عن جرائم الحق العام، لكون الجريمة الإرهابية يرتكبها أشخاص يحملون أيديولوجية وفكرا متطرفين، ويتم استغلالهم وتوظيف جرائمهم في تحقيق أهداف سياسية أكبر منهم بكثير، في حين مرتكبو جرائم الحق العام العادية أشخاص غالبيتهم يعانون من اضطرابات نفسية واجتماعية حادة ومتراكمة.. وبطبيعة الحال قد تكون هناك تقاطعات بين الحالتين، من حيث الهشاشة النفسية والاجتماعية، إلا أن الحكم بالإعدام في حق هؤلاء المجرمين، جراء ارتكابهم لجرائمهم المروعة، لا أعتقد أنه يساهم في التقليص من حجم الجرائم ولا من نوعيتها، وهذا مثبت في الكثير من الدراسات العلمية، فضلا عن أن الحضارة البشرية قدمت للإنسانية تجليات جديدة لمفهوم العقاب أكثر فعالية، ولا يتناقض والموجة العالمية لحقوق الإنسان، التي اجتاحت دول المعمور.. أعتقد أن الحكم بالمؤبد غير قابل للعفو مع الأشغال سيجعل هؤلاء المجرمين عبرة لمن سواهم…

نذهبُ إلى موضوع آخر، الحكومة المغربية، أصدرت، مؤخراً، تقريراً رسمياً أكّدت فيه أن تعاطي قوات الأمن مع الاحتجاجات الشّعبية كان مثاليا ولم تسجل أيّ تجاوزات. ما هو تقييمك لنتائج هذا التقرير؟

من المنطقي أن تصدر الحكومة تقريرا يثمن تعاطي قوات الأمن مع الاحتجاجات الشعبية، لكن من المفروض مبدئيا أن يصدر مثل هذا التقرير التقييمي عن السلطة التشريعية، على افتراض أنها السلطة التي تملك حق الرقابة على عمل السلطة التنفيذية، ثم هل الغاية تكمن في إخماد الاحتجاجات؟ فما نشاهده ينذر بمستقبل مرعب، بالنظر إلى الانفلات الأمني الآخذ في التفاقم، وكذلك بالنظر إلى تنامي الهجرة السرية، وكذا حالات الانتحار، فضلا عن الجرائم المروعة، التي ترتكب ويذهب ضحيتها أبرياء، وكل هذا جراء سياسات عمومية فئوية، غير شفافة وغير نزيهة وغير ديمقراطية، لم تساهم إلا في توسيع الهوة السوسيو اقتصادية بين شريحة الأغنياء، المرتبطين بمصالح مبطنة ومتشابكة مع المنظومة السياسية الموبوءة، وبين باقي مكونات المجتمع، حيث تآكلت الشريحة المتوسطة، واتسعت دائرة الفقر والهشاشة، خاصة في المناطق النائية.

لذلك، فإنّ الانتصار الأمني في إخماد الاحتجاجات السلمية المشروعة في ظل ذات النهج السياسي المتبع ما هو سوى نشوة انتصار زائفة، وإرجاء للأزمة وليس حلا لها، والقادم في تقديري الشخصي أسوأ، لأن تلاحق الأجيال يستتبعه لزوما تغييرا في العقول، وجرأة أكثر وإصرارا أكبر على إقرار الديمقراطية الحقة والعدالة الاجتماعية للجميع.

لاحظنا، مؤخراً، انتقال خط ومسار الهجرة السّرية من شمال المملكة إلى جنوبها. هذا التوجه جديد بالنسبة إلى مسارات هجرة المغاربة، بعدما كانَ يقتصرُ فقط على شمال المملكة، ماذا يعني هذا التحول؟

تبديل مسار الهجرة السرية من شمال المغرب إلى مدن الجنوب كسيدي إفني (ميناء بومرسال) أو كلميم أو طرفاية …، وتغيير الوجهة نحو جزر الكناري مرده بالدرجة الأولى إلى حجم التضييق والخناق الذي يمارس حاليا على الهجرة السرية على الحدود الشمالية للمغرب، في مقابل سواحل الجنوب مترامية الأطراف، وغير المراقبة بما يكفي، وهذا يدل على حجم إصرار هؤلاء المهاجرين السريين على الهجرة من المغرب بأي ثمن؛ لأن الانطلاق من مدن الجنوب المغربي نحو جزر الكناري ينطوي على مخاطر كثيرة ليس أقلها نفاد المؤونة قبل الوصول إلى الوجهة ومخاطر القرش والأمواج العاتية، إنها إفرازات الأزمة الحقيقية التي يكابدها الشباب المغربي، لكن لا أحد يلتفت إليها.

الهجرة السّرية ما زالت تجذبُ آلافَ الشّباب المغاربة، هل سنكون أمام نفس سيناريو السّنة الماضية؟

من غير المتوقع أن يشهد المغرب ذات الأحداث واستعراضات الهجرة السرية مثلما جرى في سنة 2018، على الأقل بنفس الحدة التي عرفتها السنة المنصرمة، لكون الحدود الشمالية حاليا تعرف تشديدا غير مسبوق في المراقبة.. بطبيعة الحال هناك ثغرات ترتبط بالسواحل غير المعبدة، لا يمكن تحصينها بما يكفي، لكن هناك بالتأكيد تعليمات عليا صدرت لتشديد المراقبة شمالا، إلا أنه، من ناحية أخرى، سيظل تدفق المهاجرين الأفارقة نحو المغرب في تزايد مضطرد، ويصعب التحكم فيه لأسباب متعددة، إلا أن ما يميز هذه السنة هو أن الكثير من الأفارقة الموجودين في المغرب منذ سنتين أو أكثر نسبة كبيرة منهم بدأت تفكر في الهجرة نحو أوروبا؛ لأن الإقامة هنا بالمغرب باتت تشكل بالنسبة إلى بعضهم قطعة من جحيم، وهنا نستحضر وضع الأفارقة قرب محطة أولاد زيان، أو بغابات وجدة والناظور أو بطنجة، لأنها أصبحت أشبه بمخيمات جبرية، تفتقر إلى أدنى شروط الكرامة والحياة الآدمية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.