الحكامة ودورها في النهوض بمنظومة التربية والتكوين

14558 مشاهدة

حسن ادويرا مفتش تربوي للتعليم الابتدائي/ وجدة البوابة : وجدة في 7 مارس 2012، لقد ظل مجال التربية والتكوين رهانا قويا في المسار التنموي ببلادنا، من منطلق اعتباره أول أسبقية بعد قضية الوحدة الترابية. فمع حلول سنة 1999، تشكلت أول لجنة للتربية والتكوين عملت على صياغة مشروع متكامل كفيل بإصلاح قطاع التعليم في شموليته، كما توجت أشغالها بتبني الميثاق الوطني للتربية والتكوين كإطار مرجعي للإصلاح. وبالرغم من أن هذا الميثاق كان قد سطر غايات وأهداف تترجم انتظارات ومطالب المجتمع المغربي، إلا أنه لم يف بالمطلوب، مما استدعى التدخل لبلورة برنامج استعجالي، يروم إعطاء نفس جديد للإصلاح من خلال 27 مشروعا يمتد تفعيلها على مدى أربع سنوات ( 2009- 2012)، ويستمد مشروعيته من الميثاق الوطني كمرجعية للإصلاح، كما تضمن مجموعة من المداخل تروم كلها جعل المتعلم في قلب المنظومة، و تسخير بقية الدعامات لخدمته، وتأسس على أربعة مجالات للتدخل تعتبر ذات أولوية تتجلى في:

– التحقيق الفعلي لإلزامية التعليم إلى غاية 15 سنة، وربط ذلك بتعميم التعليم الأولي؛

– حفز روح المبادرة والتفوق في المؤسسة الثانوية وفي الجامعة؛

– مواجهة الإشكالات الأفقية للمنظومة؛

– توفير وسائل النجاح.

ولقد ركز البرنامج الاستعجالي على الحكامة ودورها في إصلاح المنظومة، بحيث أنه خصص المشروع الرابع ضمن المجال الثالث للحديث عن الحكامة، باعتبارها نمطا تدبيريا جديدا وكفيلا بتطوير الإدارة، وترشيد الموارد المالية، والبشرية والمادية، كما اعتبر ما تم تحقيقه في مجال اللامركزية قاصرا عن بلوغ الأهداف المرجوة، ورسم خارطة لإقرار حكامة حقيقية، تعتمد مبدأ التدبير التشاركي، وإشاعة ثقافة المسؤولية، في إطار تعاقدي يحدد بشكل واضح مختلف الوظائف والمسؤوليات.

فما مفهوم الحكامة في قطاع التربية والتكوين؟ وما هي أهدافها و أسسها؟ وما خصائصها؟ وكيف يمكن للحكامة أن تساهم في إصلاح منظومة التربية والتكوين؟ تعتبر الحكامة أسلوبا جديدا في التدبير، وأداة لضبط و توجيه و تسيير التوجهات الاستراتيجية الكبرى للمؤسسات، عبر آليات تتسم بالمرونة والحوار وتحديد المسؤوليات والمهام. كما يمكن اعتبارها نهجا حديثا في إدارة المهام وتوزيع الأدوار داخل مؤسسات وهيئات التربية والتكوين، من خلال إستراتيجية تدبيرية واضحة المعالم. ومن بين ما تهدف إليه الحكامة نذكر ما يلي:

1. تذويب الحدود وتشجيع التشارك بين كافة المتدخلين في القطاع.

2. حسن التنظيم و توزيع المسؤوليات وصقل القدرات، وتشجيع المبادرات، و دعم التواصل داخليا و خارجيا .

3. تأهيل المؤسسات للوصول إلى مستوى التنافسية الوطنية والدولية و الاستجابة لمطالب الفئات المستفيدة من خدمة التربية والتكوين. ولا يمكن الحديث عن حكامة حقيقية إلا من خلال تأسيسها على مجموعة من الدعائم يمكن إجمالها في ما يلي:

ـ حسن التدبير: ويتجلى في اعتماد مجموعة من الإجراءات تتمثل في إقرار اللاتمركز و اللاتركيز، وتدبير الموارد البشرية عوض إدارة الموظفين، بالإضافة إلى اعتماد آليات حديثة في التدبير كالشفافية، تبسيط المساطر، توضيح المرجعية القانونية وجودة الخدمات، والتواصل الفعال.

ـ الإشراك: وتتمثل هذه العملية في إقحام مختلف الأطراف والمتدخلين في المنظومة كالقطاعات الحكومية، والفاعلين على المستوى المحلي و الجهوي و الوطني، بالإضافة إلى كل الأطر التربوية و الإدارية و التقنية و الطلبة وجمعيات آباء وأولياء التلاميذ في الهياكل والمجالس التي تهتم بالشأن التربوي، بهدف الارتقاء بمنظومة التربية والتكوين، و تحسين المردودية.

ـ التشارك: ومن خلال هذه العملية، يتم إنخراط القوات الحية في مسلسل إصلاح منظومة التربية والتكوين من : هيئات سياسية وهيئات تمثيلية و منظمات نقابية، ومؤسسات المجتمع المدني ( جمعيات، تعاونيات….) وكافة المرتفقين و المواطنين …. ويمكن تلخيص خصائص الحكامة في منظومة التربية والتكوين في ما يلي:

ـ الشفافية: وتتجلى الشفافية في الوضوح في المهام، وفي توزيع الأدوار وعدم تداخل الاختصاصات، كما تتجلى في التزويد بالمعلومات، وفي إقرارحقوق وواجبات المساهمين و مسؤوليات المسيرين.

ـ التوافق: نعني به التمتع بالقدرة على التفاوض و التحكيم والترافع من أجل التوصل إلى الإقناع في شأن القضايا التي تتضارب حولها المواقف و الآراء بهدف تحقيق الإجماع حولها، مع الأخذ بعين الاعتبار تنوع مصدر القرار للتمكن من تطوير مساطر التبادل و التوافق.

ـ الفعالية و جودة الخدمات و التواصل: ويمكن أن تتجسد في تنفيذ المشاريع المرتبطة بحاجيات المرتفقين وانتظاراتهم، وتوسيع الخريطة المدرسية والجامعية لتغطية جميع الجهات، وكذا تحسين الأوضاع الاجتماعية والمادية لكافة الفاعلين بقطاع التربية والتكوين، بالإضافة إلى تنفيذ ما نص عليه الميثاق الوطني للتربية والتكوين من:

– مبادئ الاستقلالية و اللامركزية و اللاتمركز.

– الارتقاء بجودة التعليم بمختلف الأسلاك وإلزامية التمدرس .

– الرفع من المردودية و حسن التدبير.

ـ الرؤية الاستراتيجية: وتتجلى هذه الرؤية في تقييم واقعي للمنجزات بقطاع التربية والتكوين من بتحليل مختلف المعطيات و رصد الإمكانات، وكذا كافة الاختلالات من أجل رسم سياسة تنموية للمنظومة التربوية، هذا بالإضافة إلى إنجاز الدراسات و التقارير، والاهتمام بالدراسات والتوقعات المستقبلية واليقظة التكنولوجية، و تنظيم حملات تحسيسية بجدوى الإصلاح، ودوره في التنمية الشاملة. من خلال ما سبقت الإشارة إليه، يتجلى أن الحكامة نهج متطور وحديث يمكن من تحسين قدرات الإدارة والمؤسسات بقطاع التربية والتكوين، ويتيح الرفع من مؤشرات نجاح إصلاح المنظومة، وذلك باعتبار أنه اتتأسس على التدبير التشاركي للوظائف والمهام، وحسن استثمار الموارد البشرية والممتلكات، من خلال الاعتماد على مبادئ الاستقلالية، والتعاقد بين مختلف فئات ومكونات الجسم التربوي، في إطار من الشفافية والمصداقية في تحديد المهام وإسناد المسؤوليات، كما يمكن اعتبار الحكامة في قطاع التربية والتكوين آلية لا يمكن تجاوزها في رسم معالم الإصلاح الحقيقي للمنظومة التربوية، وبالتالي المساهمة في مسلسل التنمية الشاملة ببلادنا.

الحكامة ودورها في النهوض بمنظومة التربية والتكوين
الحكامة ودورها في النهوض بمنظومة التربية والتكوين

بقلم: حسن ادويرا

مفتش تربوي للتعليم الابتدائي

كرامة إقليم ميدلت

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz