الحاجة ملحة لمعالجة ظاهرة الفصل عن الدراسة

18127 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 4 دجنبر 2011، مع مطلع كل موسم دراسي يفتح في كل مؤسسة تربوية عندنا ملف ظاهرة  فصل التلاميذ عن الدراسة . وعبارة الفصل عن الدراسة هي التعبير العربي السليم عوض الفصل من الدراسة ، لأن  قولنا فصل المتعلمون عن الدراسة ـ بفعل مبني للمعلوم ـ يعني أنهم خرجوا منها  ، على غرار قول العرب :  فصل الرجل عن البلد، إذا خرج منه . أما إذا بني الفعل للمفعول ، فقيل فصل المتعلمون عن الدراسة  يكون المعنى أخرجوا منها . ولا بد من الإشارة في البداية  إلى الفرق بين أن  يفصل المتعلمون عن الدراسة ـ بفعل مبني للمعلوم ـ ، وبين  أن يفصلوا عنها ـ بفعل مبني للمفعول ـ . فالغالب أن المتعلمين لا يفصلون عن الدارسة  ـ بفتح ياء المضارعة ـ، بل يفصلون ـ بضم ياء المضارعة ـ .  والخروج من الدراسة قبل استكمالها  ظاهرة سلبية عند كل الأمم والشعوب ، لأنها عبارة عن  خسارة  تلحق  الرأسمال  البشري الذي هو عماد التنمية البشرية. فمن معايير قياس التنمية البشرية في المجتمعات معيار التمدرس. وقد  يقلق  بعض الناس عندما يصيب الهدر جوانب مادية  قد تعوض ، ولكنهم لا يحركون ساكنا عندما يتعلق الأمر بهدر بشري لا يعوض ، بل ربما طالبوا بهذا الهدر تحت ذرائع تبدو سخيفة قياسا مع حجم الخسارة المترتبة عنه. وفصل المتعلمين عن الدراسة  من طرف المؤسسات التربوية يدخل ضمن مناهجها الدراسية ،حيث تحدد هذه المناهج سنوات التمدرس في أسلاك التعليم ، كما تحدد البرامج ،والمقررات ،والوسائل ، وأساليب التقويم ، وكل عناصر المناهج   الأخرى من أجل تحقيق غايات ، وأهداف السياسة التربوية لكل بلد . وإذا كان فصل المتعلمين  عن الدراسة في الدول التي تتصدر طليعة التطور التربوي ،لا يعني  الفشل والهدر كما يعنيه عندنا ، لأن عدم تحقيق المتعلمين نتائج ، أو عدم  بلوغهم العتبات في شكل من أشكال التعليم ، لا يعني أنهم لا  يحققون نتائج في أشكال أخرى من التعليم . وقد حاولت سياستنا التربوية أن تحذو حذو الدول المتطورة تربويا عندما فكرت في معالجة ظاهرة فصل المتعلمين عن الدراسة في المؤسسات العامة من خلال استحداث مؤسسات التكوين المهني. والتفكير بهذا النحو يعني أن السياسة التربوية تعي  مشكلة التوجيه عندنا . فظاهرة فصل التلاميذ عن الدراسة لها أسباب شتى ، من بينها سبب التوجيه ، إذ قد يكون سوء التوجيه أحيانا هو السبب في التعثر الدراسي ، وفي الفشل ، ومن ثم في الفصل عن الدراسة. وإنه من الخطأ تحميل المسؤولية للمتعلمين وحدهم أمام ظاهرة فصلهم عن الدراسة ، ذلك أن مسؤولية هؤلاء قد تكون محصورة في جوانب سوسيولجية ، وسيكولوجية  تشاركهم فيها أسرهم ، وأوساطهم الاجتماعية ، أوتتحمل مسؤوليتها  دونهم .أما ما عدا ذلك فتعود مسؤوليته إلى المناهج الدراسية ، وإلى كيفية تنزيلها . وعليه ما كل متعلم فصل عن الدراسة يكون آثما ، ويجرم من خلال مجالس الأقسام التي تفصل في النتائج ، وفي السلوكات . وتختلف أحوال المفصولين عن الدراسة ، ما بين مفصولين بسبب التعثر الدراسي الصرف ، واستنفاذ سنوات التمدرس التي يحدد المنهاج ، وما بين مفصولين بسبب إخلالهم بالقوانين الداخلية للمؤسسات من قبيل التأخر والغياب ، وعدم الانضباط  ، وعدم إنجاز فروض المراقبة المستمرة ، والامتحانات الإشهادية . وقد تعالج ظاهرة  فصل هؤلاء بطريقة تراعي الفروق بينهم ، وقد لا تراعى هذه الفروق ، فيختلط الحابل بالنابل والدارع بالحاسر كما يقال ، ويعاملون معاملة واحدة ، سواء في قضية فصلهم عن الدراسة ، أم في قضية  ردهم إليها . والملاحظ أن سياستنا التربوية تقع في تناقض صارخ عندما تجمع بين غاية تعميم التمدرس ، وتنفق على ذلك الأموال  من خلال مشاريع مليون محفظة ، ومن خلال دعم الأسر الفقيرة في البوادي والقرى عن طريق المنح المالية المغرية لتشجيعهم على تمدرس أبنائهم ، في حين تمارس فصل المتعلمين خصوصا في أسلاك التعليم الإعدادي والتأهيلي . فبعد الإنفاق على المتعلمين  في بداية طفولتهم ،  يزهد فيهم ، وقد أوشكت ثمارهم أن  تنضج لتقطف  وهم شباب يافعون . فهذا منتهى التناقض في نظري. وكان بالإمكان أن تفكر السياسة التربوية عندنا في طرق فعالة وواقعية لمعالجة ظاهرة الفصل عن الدراسة ،على غرار طريقة إعادة  التوجيه من خلال استحداث مؤسسات تربوية خاصة من قبيل مؤسسات التكوين المهني ، أوغير المهني. وإنشاء مثل هذه المؤسسات من شأنه أن يصحح هفوات السياسة التربوية فيما يخص سوء التوجيه ، وسوء التخطيط أيضا . وإذا كانت السجون قد غيرت أسماءها من سجون إلى إصلاحيات ، وذلك لدفع الدلالة السلبية التي توحي بها لفظة السجون ، فما بال  منظومتنا التربوية لا زالت تستعمل عبارة الفصل عن الدراسة ، وهي عبارة قدحية  لما توحي به من هدر، وخسارة بشرية . فعوض هذه العبارة المخجلة حقا،كان بالإمكان استغلال عبارة موجودة ، وهي عبارة إعادة التوجيه ، مع توسيع مفهوم إعادة التوجيه ،ليشمل فئات المتعلمين المتعثرين دراسيا ،وتوجيههم إلى ما يجيدون ، عوض التفكير في التخلص منهم عن طريق فصلهم عن الدراسة  . والمؤسف حقا أنها لا توجد مشاريع تصب في هذا الاتجاه بالرغم من الضجة الإعلامية لما يسمى سياسة المشاريع  في المؤسسات التربوية ،التي لا يعدو أغلبها  أن يكون مجرد حبرعلى ورق . والأشد أسفا أن نلاحظ بين أوساط المربين سواء الإداريين أو المدرسين  أو غيرهم من يكرس ظاهرة الفصل عن الدراسة  من خلال تشنجات لا مبرر لها سوى تصفية الحساب مع بعض التلاميذ لسوء سلوكهم الذي قد يكون غير مبرر ، وقد يكون مبررا أيضا بسبب عدم الاستفادة من الدروس ، وانعدام شروط الدراسة ،لأن الشغب في المؤسسات الدراسية، وتحديدا في الفصول الدراسية غالبا ما يكون  عندما  يغيب عنصر التشويق في السير الدروس ، أو عندما تغيب الاستفادة .وتكريس ظاهرة الفصل عن الدراسة من خلال  محاولة اختزالها في  معاقبة المتعلمين المشاغبين ، أو بعبارة أدق من خلال تصفية الحساب معهم،  يعكس مدى انحراف المربين عن رسالتهم النبيلة التي قوامها محاربة الأمية والجهل والتربية  وإعادتها . ومن السخف أن يفكر البعض تحت تأثير عاطفة الانتقام ،وتصفية الحساب فيما يسمى  رد الاعتبار. فالمربون لهم اعتبارهم الذي لا يستطيع أحد سلبه منهم مهما كان ليقال بعد ذلك إنه  يجب أن يرد . وإذا فكر البعض في رد الاعتبار عن طريق إجراء فصل المتعلمين عن الدراسة ، فلماذا لا يفكر في رد الاعتبار من خلال الدعوة إلى مراجعة طرق التوجيه والتخطيط ، أو مراجعة المناهج الدراسية بما فيها من برامج ، وطرق ، وأساليب تقويم ، ومراجعة الذات ، وغير ذلك  مما يعتبر مسؤولا عن ظاهرة التعثر والفشل المفضية  إلى الفصل عن الدراسة ؟ فلماذا التفكير فقط في ما يمكن تسميته آخر الدواء ، وهو الكي ،أو الفصل ؟   وفي اعتقادي أن رد الاعتبار يكون عن طريق مراجعة أساليب التربية بما فيها كل ما يتعلق بالتعليم  من مقررات ، ووسائل ، وطرق ، وتقويم ، ويكون بالتغلب على كل السلبيات التي تسبب التعثر والفشل الدراسي. فشكاوى المربين من جنوح المتعلمين هو بمثابة من يضرب نفسه ، ويبكي . فالمتعلمون توجههم أسرهم إلى المؤسسات التربوية  ، بتربية متواضعة ، أو ناقصة  ، أوسليمة  تفسد بعد ذلك في رحاب المؤسسات التربوية نفسها . فإرسال المتعلمين إلى المؤسسات التربوية ليكون بغرض في الغالب لاستكمال تربيتهم خصوصا عندما تكون هذه الأسر فاقدة لأساليب التربية الصحيحة بسبب الأمية والجهل  وهو أمر يتجاوزها . فكيف نحاسب الجانحين من المتعلمين ، ونحن لم نبحث في سبب جنوحهم الذي قد يكون سوسيولوجيا أو سيكولوجيا  فوق ما يطيقون ، أو يكونون مجرد ضحايا له ؟  إن ما حدث  ـ كما بلغني مع شديد الأسف ـ في مؤسسة تربوية بنيابة من نيابات أكاديمية الجهة الشرقية  من تشنج بعض المربين  ـ سامحهم الله ـ بخصوص إعادة مجموعة من المتعلمين المفصولين عن الدراسة ، يفرض على المسؤولين في المركز ، وفي الجهة ، وفي الإقليم  التفكير في حلول معقولة لمعالجة ظاهرة فصل المتعلمين عن الدراسة ، من خلال مراجعة طرق المعالجة الحالية ، وهي مراجعة كفيلة بسحب البساط من تحت أقدام كل من يركب النصوص التنظيمية والتشريعية  الضابطة لهذه الظاهرة لتصفية الحساب مع ضحايا من أبنائنا عملا بقاعدة الحق الذي يراد به باطل . وربما عاقب الله عز وجل من تشنج في أمر إرجاع المفصولين عن الدراسة بفصل أبنائه ليذيقه ما أذاق غيره من مرارة الغبن . وأنا أثمن غاليا تطوع السيد نائب هذه النيابة ، وتطوع بعض موظفيه ، وبعض أطر المراقبة التربوية لإعطاء دروس لهؤلاء المتعلمين المفصولين من خلال توظيف خبراتهم الدراسية للرد على تيار التشنج ضدهم إذا ما صحت رواية هذا التطوع المحمود ، والمشكور سلفا .

الحاجة ملحة لمعالجة ظاهرة الفصل عن الدراسة
الحاجة ملحة لمعالجة ظاهرة الفصل عن الدراسة
الحاجة ملحة لمعالجة ظاهرة الفصل عن الدراسة
الحاجة ملحة لمعالجة ظاهرة الفصل عن الدراسة

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz