الثقة عملة مفقودة في تعامل المغاربة /وجدة: محمد شركي

186304 مشاهدة

الثقة  عملة مفقودة في تعامل  المغاربة/ وجدة: محمد شركي

 وثق  ـ بفتح الواو  وكسر الثاء ـ  يثق ، ثقة  ووثوقا  وموثقا الإنسان  إذا ائتمن غيره فكان هو واثقا  وغيره موثوقا به  ، ووثق  ـ بفتح الواو  وضم الثاء ـ  إذا أخذ بالوثاقة أو بالثقة في الأمر . ووثق ـ بفتح الواو والثاء مع تضعيفها ـ  إذا ظنت  في  الشخص  الثقة . وتطلق  الثقة  على  الشخص  الذي  يعتمد عليه  ويؤتمن  ، وهي صفة  تطلق  على المفرد  والجمع  والمذكر  والمؤنث  ، وقد  تجمع  على  ثقات ، وتستعمل  للمذكر  والمؤنث . والملاحظ أن  هذه  المادة اللغوية  لم  تعد  لها دلالة  في حياة  المغاربة  في الوقت  الراهن ، وأصبحت  الثقة  عملة  مفقودة  بينهم  ، ولم يعد  بالإمكان  أن  ينعتوا  بهذا النعت  لأنه لم  يعد  بعضهم  يأتمن  بعضا ، بل  صارت العملة  الرائجة  بينهم  هي التخوين . فالمتتبع  للشأن  العام  في بلادنا ، وعلى رأسه  الشأن  السياسي والحزبي  يلاحظ  فقدان  الثقة  بين  الأطراف المتنافسة  سياسيا  وحزبيا   حتى صار  شغل الإعلام الشاغل  هو الكشف يوميا  عن  فقدان هذه  الثقة  بين  الفرقاء  السياسيين والحزبيين  ،وعليهم  يصدق  الوصف  القرآني  كل حزب  بما لديهم  فرحون . وفقدان  الثقة  بين المغاربة  يعني   فقدان  ائتمان  بعضهم  بعضا أو  فقدان  الأمانة  بينهم  ، وفقدان  الأمانة  مؤشر على  فقدان  الدين   بموجب  الحديث  الشريف  :” لا دين  لمن لا أمانة  له “. ولما  صار المغاربة  ليس فيهم  واثق  ولا موثوق  به  فإن ذلك  يعني ذهاب  دينهم .  وإذا  كان تدبير الشأن   في هذا  البلد  لا بد  أن  يضطلع  به  طيف  حزبي أو سياسي وتتناوب عليه الأطياف الحزبية   بموجب  قواعد  لعبة  الديمقراطية  التي تقوم  على أساس  الفوز بأغلبية  أصوات  المصوتين كما هو الحال في كل  بلاد  العالم ، فما بال  الأحزاب عندنا  يخون  بعضها  بعضا ،  عوض أن  يثق  بعضها في بعض ، وأن   يحل  النقد  محل  التخوين  لأن  النقد هو  تمييز  الصحيح  من  الزائف  بينما  التخوين  هو اتهام  وإدانة . ومن  البديهي  أن  من  يتولى  تدبير الشأن العام  لا يخلو من  أن   يصيب   في تدبير ويخطىء في آخر  ، وهو في  عقيدة  الإسلام  ذو أجرين  إن أصاب  ، وذو أجر  واحد  إن  أخطأ  لأنه  يكافؤ على الاجتهاد في  حال الإصابة  وحال  الخطإ  على حد سواء . وبعيدا  عن  هذا  المنطق  الإسلامي يجرم  المغاربة  بعضهم بعضا في حال  الوقوع  في الخطإ  ولا  يأخذون في الاعتبار  الاجتهاد  الذي  يسبق الوقوع في الخطأ ، وهم  يعلمون  علم  اليقين  أن  كل ابن  آدم  خطاء  ، الشيء  الذي  يجعلهم  سواسية  أمام  الوقوع  في الخطإ ، ومع ذلك  لا يعذر  بعضهم  بعضا . ولما  كانت  العملة  المتداولة بين  المغاربة  هي  عملة  التخوين  ، فقد كرسوا  بينهم  تداول  عملة  الغش. فالذي  يعلم  مسبقا أنه  لن  يوثق  أو لن تظن به  الثقة يعمد  إلى  التصرف  وفق  ما  يظن به ، فلا  ينصح  في  تصرفه  بل  يغش . ولهذا  صار التعامل  بيننا   ونحن  نحسب  ـ ياحسرتاه  ـ  على  خير  أمة  أخرجت  للناس  أساسه  الريبة  والشك  وسوء الظن  ، وهي أمورإنما  نشأت  عن  فقدان  الثقة  بيننا . ففي مجال  التعامل  التجاري  على سبيل  المثال  صارت السلع المعروضة للبيع  ناطقة بالغش   وراجت  بيننا عبارة  ” توجيه  السلع ”  أي  تقديم  الجيد  منها  على الواجهة  وإخفاء  الرديء خلفه  ،وصارت  كلمة  توجيه في  قاموسنا  تعني  الغش  ، وصار  لسلعنا  وجه  وظهر  ، وقد  ينتهر  البائع المشتري  إذا ما مد  يده  إلى وجه  السلعة ، وترك  ظهرها لأن الثقة  فقدت  بينهما  ، فالبائع  موجه  يوجه  ،أي  غشاش  يغش  ، والمشتري يستهدف  الوجه  لتجنب  التوجيه  أو  الغش . ومعلوم  أن  الحديث  الشريف : ” ليس منا من غشنا ”  سببه  التوجيه  أي  الغش  حيث  مد الرسول الأكرم صلى  الله عليه  وسلم  يده  إلى  سلعة ، فوجد  بللا  في ظهرها  خلاف  ما كان  عليه  وجهها  ، وكان هذا الحديث  عبارة عن  براءته  عليه السلام  من الموجهين  أو الغاشين .  ولا  يقتصر  التوجيه  أو الغش  على  المعاملات  التجارية  وحدها ،بل يشمل  جميع  المعاملات  المادية والمعنوية . وعندما  يسود  التوجيه  أو  الغش بين  المتعاملين  ،ويترتب عنه  فقدان  الثقة  بينهم تحصل  للجميع  براءة الإسلام  منهم ، وهو دين  لم ينعته  الله  عز وجل  اعتباطا  بالعروة الوثقى ، ولفظة وثقى  هي من  نفس  المادة  اللغوية  للفظة  ثقة ، وهي  اسم تفضيل  يطلق  على  كل  شيء محكم  ، ولقد  أحكم الله عز وجل  الإسلام بالشرع  محكم   بين  المنتمين  إليه  ، وجعل  أصل  التعامل بينهم ثقة  متبادلة  ، وكلما  فقدت  انفصمت عروة الدين  الوثقى  بينهم . وأخيرا نقول  إذا ما استمر  المغاربة  في تجريم بعضهم  بعضا  وقد  فقدت  الثقة  بينهم ، فهذا يعني أنهم  جميعا ليسوا أهلا للثقة وأن  الثقة صارت عملة  مفقودة  بينهم ، ولم يعد  بينهم  وثاق  يشدهم .

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz