التواصل وعلم الاجتماع

40382 مشاهدة

د. الجناتي محمد باحث العلوم القانونية والإدارية والسياسية/ وجدة البوابة : وجدة في 16 أبريل 2012،

“يتأثر الإنسان بكل ما يحيط  به من مؤثرات ولكنه في الوقت نفسه يؤثر فيها”. “فالمجتمع المغربي – بعاداته وتقاليده وموقعه الجغرافي- يختلف عن المجتمع الفرنسي الذي ينتمي إلى أوربا التي شهدت عدة ثورات صناعية وثقافية وسياسية. مما يجعلنا نستخلص بأن المشاكل والمواضيع الاجتماعية القابلة للدراسة والتحليل في كلا البلدين مختلفة”. و لما كان علم الاجتماع هو العلم الذي يدرس المجتمع بما يضمه من جماعات وطبقات وعلاقات وتفاعلات واتصال، كان عليه أن  يتخذ موقفا تحليليا مقارنا نقديا للعلاقات التواصلية بين مختلف مكونات المجتمع، وذلك باعتماد طرق ومهارات علمية تساعد على معرفة بناء المجتمع ونظمه وفهم المشكلات والمعضلات الاجتماعية والوقوف على أسبابها والمشاركة في التصدي لها والإسهام في نهضة ورقي المجتمع.

في هذا الموضوع سنحاول التطرق إلى الإشكال التالي: كيف يدرس علم الاجتماع الظاهرة التواصلية داخل المجتمعات ؟

هذا الإشكال المركزي يدفعنا إلى إثارة بعض الإشكالات الفرعية:

ما هو علم الاجتماع ؟ و ماهي الموضوعات التي يدرسها  والأغراض التي يسعى إلى تحقيقها؟ ماهو المنهج العلمي المتبع في دراسة العلاقات التواصلية داخل المجتمعات وفي دراسة الظواهر الاجتماعية؟ ماهي خطوات المنهج العلمي في دراسة المجتمعات؟ كيف يَدْرُسُ علمُ الاجتماع العلاقات التواصلية السياسية والثقافية والاقتصادية داخل المجتمعات؟

       للإجابة على هذه الإشكاليات سيتم تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين. المبحث الأول يتعلق بعلم الاجتماع بين الأفكار النظرية والإجراءات التطبيقية، والمبحث الثاني يتعلق بعلم الاجتماع ودراسة العلاقات التواصلية داخل المجتمع.

  1. 1.     علم الاجتماع بين الأفكار النظرية والإجراءات التطبيقية

1.1.          ظهور وتأسيس علم الاجتماع

1.1.1.  تأسيس علم الاجتماع و رواده

أ‌.        تعريف علم الاجتماع 

علم الاجتماع هو ذلك العالم الذي يدرس الحقائق الاجتماعية في كليتها وفي وقتها. لذلك فهو يدرس الجماعات والمؤسسات التي نشأت بفعل عيش الإنسان داخل مجتمعه. إن علم الاجتماع يركز على دراسة بنية الجماعات وعلاقاتها وتحليل تصرفاتها الجماعية، إضافة إلى التركيز على التداخلات الجماعية التي تنشأ داخل المجتمعات.

        ويرى المفكر الفرنسي إيميل دوركايم (1858م ـ 1917م)، الذي يعتبر المؤسس الفعلي لعلم الاجتماع، أن هذا العلم يدرس نشاط الإنسان داخل محيطه الاجتماعي، من خلال علاقاته مع باقي مكونات المجتمع. لذلك فعلم الاجتماع يدرس سلوك الأفراد وتمثلاتهم وقنوات التواصل بينهم داخل المجتمع.

إن علم الاجتماع يهتم بدراسة الحياة الواقعية  للمجتمعات وما يتفاعل داخلها من ظواهر. فعلم الاجتماع ليس مجرد لعبة يتسلى  بها المفكرون، بل هو علم يهتم بدراسة الواقع الاجتماعي ليصل إلى نتائج تساعد الناس على الحياة السهلة في مجتمعاتهم، و ذلك من أجل مساعدتهم على فهم أنفسهم، وفهم مجتمعاتهم وعلى التخلص بقدر الإمكان من الشكوك والصراعات والخلافات التي تعوق تقدم العلمي والاجتماعي. ويدرس علم  الاجتماع الظاهرة الاجتماعية  المتعلقة بسلوك الجماعة والتي تعني: أنماط السلوك والنظم والعلاقات الاجتماعية وطرق التفكير، التي تنتشر بين قطاع عريض من المجتمع ولها صفة الإلزام والاستمرار، ويمكن ملاحظتها في تفاعل الناس فيما بينهم.

     والظاهرة الاجتماعية قد تنشأ تلقائيا من خلال الحياة الاجتماعية: مثل التنافس والصراع، وأشكال الأسرة (الأسرة الكبيرة الممتدة والأسرة الصغيرة النووية والهجرة والزواج والطلاق والجريمة، وبعض النظم الاقتصادية والسياسية، وقد تكون الظاهرة مرسخة بواسطة الدين كالصلاة والصوم واحترام الكبير والبر بالوالدين، وغيرها.

     ولا يقصد بالظواهر الاجتماعية، أنها أشياء مادية، ولكنها كالأشياء المادية سواء بسواء، تدرس بطريقة العلوم الطبيعية الأخرى، وإن كانت من طبيعة  أخرى. وهذا يعني أن الظواهر الاجتماعية أشياء يمكن دراستها من الخارج ويمكن ملاحظتها ومشاهدتها. إن دراسة صراع الأجيال عند الشباب مثلا، أو دراسة سلوك أعضاء الجماعة السلفية للدعوة والقتال في المغرب الإسلامي، أو الهجرة من القرية إلى المدينة عند الفلاح المغربي أو أثر النظام القبلي على تحديث الدولة أو اللامبالاة عند العمال في القطاع العام، كلها تقدم لنا نتائج عامة، قد تشكل نزعات وحركات عالمية أو إقليمية واسعة. ولكن من الناحية العملية المباشرة علينا أن نكشف الأسباب التي شكلت سلوك أعضاء جماعة الدعوة والقتال، والمؤثرات التي أدت إلى تعارض القيم وتباينها بين جيل الآباء وجيل الأبناء، كما يجب علينا أيضا أن نفهم الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أدت إلى السلبية عند الفلاح في المغرب.

    وإذا كان غرض الحكومات اتخاذ إجراءات لوضع نهاية لتصرفات المراهقين والشبان والسلبية. فهذه الإجراءات ليست من مهمة عالم الاجتماع، ولا في قدرته، وكل ما في قدرته أن يقرر الوقائع ويستخلص النتائج، ويسهم في تخطيط  الإصلاح الاجتماعي.

ب‌.    رواد ومؤسسو علم الاجتماع

     إن  تفكير الإنسان في العيش داخل المجتمع بدأ منذ أمد بعيد، منذ ظهور المجتمعات نفسها، إلا أن التفكير في وضع علم لدراسة المجتمعات  أملته ضرورة الانتقال من الأفكار ذات الطبيعة الفلسفية المجردة إلى وضع أسس وضوابط وقواعد علمية لدراسة الظواهر الاجتماعية. لذلك فعلم الاجتماع يعد علما حديث النشأة. ففي فرنسا مثلا لم يتم إحداث شهادة للإجازة في علم الاجتماع خارج شعبة الفلسفة إلا في سنة 1958م. وإذا رجعنا شيئا ما إلى التاريخ القديم، نجد أن الفيلسوف أفلاطون (428-347 ق.م) وأرسطو (322-384 ق.م) قاما بوصف تطور المجتمعات والأنشطة السياسية ضمن أبحاثهما.

كما يعد العلامة عبد الرحمان بن خلدون (732هـ ـ 808هـ ) أحد أهم المؤسسين لعلم الاجتماع، حيث أكد أن الوقائع الاجتماعية لا تحدث بطريقة عشوائية، وإنما تسير وفق سنن وقوانين تحكمها. وقد اهتدى إلى ذلك من خلال مشاهداته وملاحظاته للتجمعات البشرية أثناء ترحاله في بلدان العالم العربي والإسلامي. وكانت كتاباته تعبر عن الإعجاب والحب للمجتمع والجنس البشري. و من القوانين الأساسية التي توصل إليها ابن خلدون في علم الاجتماع: قانون الأطوار الثلاثة الذي يحكم حركة المجتمعات البشرية، حيث بين أن المجتمعات البشرية تمر بثلاثة مراحل : مرحلة النشأة والتكوين، مرحلة النضج والاكتمال، ومرحلة الشيخوخة والهرم.

وقد عرف  القرن السابع عشر نهضة للفكر العلمي الذي  طبق على دراسات الظواهر الاجتماعية في أوربا. وقد برع في ذلك القاضي الفرنسيMontesquieu  (1689م-1755م) والفيلسوف J.J.Rousseau ، صاحب نظرية العقد الاجتماعي. إلا أن أعلم الاجتماع بمعناه الحديث لم يتأسس إلا في القرن 19م، تحت ضغط الأزمات السياسية والاجتماعية، حيث تطلبت دراسة حالة العمال القيام  ببحث ميداني. ففي فرنسا قام العالمان VILLERME  وLEPLAY بإجراء دراسات اجتماعية لأحوال العمال لمعرفة تأثير الظروف الاجتماعية للعمال على عملية الإنتاج الصناعي، وفي انجلترا أجرى M.Booth   دراسات مشابهة. ولقد كان أبرز الأوائل في علم الاجتماع مصلحين اجتماعيين ومنظريين سياسيين كالمفكرين  Karl Marx وSaint Simon. كما اهتم الفيلسوف الفرنسي أوﯕست كونت (1789م ـ 1857م) بدراسة حركة المجتمع

والتغيرات التي طرأت عليه إبان الثورة الفرنسية، حيث قسم حالة المجتمع في دراسته إلى فرعين أساسيين هما:

ـ الاستقرار الاجتماعي:  ويعني دراسة المجتمعات والظواهر الاجتماعية في حالة استقرارها وسكونها، مثل دراسة حجم ظاهرة الطلاق في مجتمع ما في الوضع الحالي.

ـ التطور الاجتماعي: ويعني دراسة المجتمعات والظواهر الاجتماعية في حالة تغيرها وتحولها وتطورها، وذلك من أجل معرفة القوانين التي تضبط حركة الحياة الاجتماعية. فإذا أخذنا ظاهرة الطلاق بمجتمع ما بالدراسة، فإننا سوف نتتبع تطورها التاريخي، سعيا لمعرفة التحولات التي أصابت هذه الظاهرة ومعرفة العوامل التي أسهمت في ارتفاع معدلات الطلاق أو انخفاضها.

       إلا أن المفكر الفرنسي إيميل دوركايم (1858م ـ 1917م)، هو أول من قام بتقعيد مناهج علم الاجتماع، حيث حدد موضوع هذا العلم، وذكر بأنه دراسة الظواهر الاجتماعية، ثم أخد على عاتقه تحديد خصائص الظواهر الاجتماعية ومنهج دراستها. ومن بين دراسات دوركايم البارزة في علم الاجتماع دراسته حول تقسيم العمل والتضامن الاجتماعي.

لقد كانت مهمة “كونت” أن يعلمن الأفكار ويهيئ الأذهان لتقبل الفكر الوضعي، أما دوركايم فقد كانت مهمته أن يخلق الجهاز التنفيذي نفسه الذي يقوم على ترجمة  أفكار أستاذه ليراها واقعا في حياة الناس.

2.1.1. الأسس المنهجية وخصائص علم الاجتماع

أ. الأسس المنهجية لعلم الاجتماع

  • ·        اعتبار الحس وحده مصدرا للمعرفة  الاجتماعية

 يقول دوركايم إن العالم لا يستطيع أن ينهج  منهجا آخر غير اعتبار الحس نقطة بدء  لدراسته. ولن يستطيع أن يتحرر من الأفكار  الشائعة والألفاظ التي تعبر عن المعاني إلا إذا جعل الحس هو المادة الأولية التي لا بد منها في نشأة كل معنى كلي.

  • اعتبار النموذج الطبيعي سلطة مرجعية للعلوم الإنسانية

 إن نموذج العلوم الطبيعية  أو الفزيائية يتردد كثيرا في عبارات علماء الاجتماع، وقد حاولوا استخدام مناهج  العلوم الطبيعية القائمة على الملاحظة والتجربة لتأكيد  وحدة العلم، وهذا  يفرض تطبيق المنهج التجريبي على أجزاء الكون في جانبيه المادي والمعنوي.

       إن المفكر “كونت” قد أكد باستمرار، أننا مادمنا نفكر بشكل وضعي في مادة علم الفلك أو الفيزياء، لم يعد بإمكاننا أن نفكر بطريقة مغايرة في مادة السياسة أو الدين. فالمنهج الوضعي الذي نجح في علوم الطبيعة غير العضوية يجب أن يمتد إلى كل أبعاد التفكير. لقد قامت الوضعية في أساسها على تأكيدها وحدة المنهج في التفكير بغض النظر عن الموضوع  المدروس. وهي حينما  تفعل ذلك تعتقد أنها تسد  الطريق أمام ذلك الانفصام الذي كان يعاني منه جيل ما قبل الوضعية، الذي كان يستخدم المنهج الوضعي في معالجة  العلوم الطبيعية والمنهج اللاهوتي في العلوم  الإنسانية. إن  علماء الاجتماع أنفسهم يرون في علم الفيزياء  بصورة مباشرة أو غير مباشرة  النموذج الذي يجب أن يحذو حذوه علم الاجتماع، ويتطلعون إلى جعله علما تصاغ له القوانين ويقوم على تنبؤات دقيقة وصادقة. وهذا بدوره سيؤدي إلى التوصل إلى نظريات مثل نظرية الميكانيكا الفلكية.

  • إخضاع الظواهر الاجتماعية للتجريب

 بالطبع فإن من مستلزمات المنهج الطبيعي إخضاع الظواهر الطبيعية للتجريب وتلك إحدى الخصائص الأساسية فيه. والهدف من هذه النزعة التجريبية واحدة : تحقيق العلمية في العلوم الإنسانية، وعدم التأثر بالنزاعات الفلسفية التي ظلت  خاضعة لافتراضات مسبقة. فالمنهج التجريبي في العلوم الاجتماعية يهدف بالدرجة الأولى إلى إقصاء التجريدات والتأملات ويستعيض عن الخيال بالملاحظة والتسجيل الدقيق للوقائع.

  • ·        شيئية الظواهر الاجتماعية

يجب على الجهود التي تبذل لفهم القوى التي تؤثر في مجتمع معين وموقف معين أن تتبع القاعدة  الأولى للمنهج الاجتماعي وهي : “يجب ملاحظة الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء”. لقد جسد دوركايم مفاهيم علم الاجتماع وعمل على صياغتها في قوالب علمية وقواعد منهجية  تكون مقياسا لكل معرفة اجتماعية صحيحة. وتتلخص جهود دوركايم في كتابة “قواعد المنهج في علم الاجتماع” الذي نشره  سنة 1895م، وقدم فيه صورة مركزة ودقيقة حول الوضعية التي تقوم على اعتبار علم الاجتماع علما وضعيا على غرار نموذج العلوم الطبيعية. وتتلخص الأسس المنهجية التي تقوم عليها نظريته في المسلمات الآتية:

– أن هناك وحدة في الطبيعة.

– أن الظواهر الاجتماعية جزء من العالم  الموضوعي.

– أن الظواهر الاجتماعية تخضع لقوانين ومبادئ خاصة، ومن ثم تخضع للبحث  العلمي الذي يجب بدوره أن يسترشد بمجموعة قواعد متعددة.

ومعنى  أن تعتبر الظواهر الاجتماعية على أنها أشياء هو دراستها بنفس الطريقة التي تدرس بها الظواهر الطبيعية، بمعنى أن نتحرر من كل فكرة سابقة حول هذه الظواهر، وأن تأتي معرفتنا بها من الخارج عن طريق الملاحظة والمشاهدة وليس من الداخل عن طريق التأمل والاستبطان. وليس معنى أننا نعالج طائفة خاصة من الظواهر على أنها أشياء هو أننا ندخل هذه الظواهر في طائفة خاصة من الكائنات الطبيعية، بل معنى ذلك أننا نسلك حيالها مسلكا عقليا خاصا، أي أن نأخذ في دراستها التمسك المبدأ الآتي، وهو “أننا نجهل كل شيء عن حقيقتها، وأننا لا نستطيع الكشف عن خواصها الذاتية وعن الأسباب المجهولة التي تخضع  لها عن طريق الملاحظة الداخلية مهما بلغت هذه الطريقة مبلغا كبيرا من الدقة”.

ب. خصائص علم الاجتماع

  • هو علم حديث

لقد أبان الإنسان منذ فجر التاريخ عن ميولاته  الاجتماعية وحاجته إلى العيش داخل الجماعة، لكن التفكير العلمي حول هذه الظاهرة لم يظهر إلا خلال القرن التاسع عشر.

وهذا التوجب العلمي لدراسة المجتمعات ساهمت في ظهوره عدة عوامل من بينها:

– التطور العلمي الذي حصل خلال هذه الفترة في عدة ميادين وما صاحبه من تعميم للطرق العلمية التجريبية.

– تراجع مد الفلسفات المثالية التي كانت قائمة على ازدواجية  الروح والمادة وتناقضها. حيث كانت تجزم أن الاستبصار هو الطريقة الوحيدة لمعرفة الروح البشرية.

– إضافة إلى أن الأزمات والتحولات الاجتماعية التي عرفها القرن 19 و20 قد ساهمت في نقد  المجتمع وتقسيماته الطبقية، مع محاولة تقعيد علم يعتمد أسسا منهجية في ذلك. لذلك فقد اعتبر علم الاجتماع ثورة هزت أركان المجتمعات الغربية.

  • ·        هو علم ذو خصوصيات منفردة

– إن مناهج علم الاجتماع وتقنياته التطبيقية وتوجهات وأهداف أبحاثه، تميزه  أكثر عن موضوعه، الذي قد يعرف بطرق عامة، أو عن نتائجه التي قد تكون موضوع نقاش واختلاف.

– إن تطور علم الاجتماع لا يرجع إلى تقدم الوسائل المادية، وإنما إلى تقدم الطرق العلمية كالرياضيات والفكر النقدي وعلم التاريخ والجغرافيا.

– كما أن الخاصية العلمية في علم الاجتماع لا تعني تقليد العلوم الفزيائية، ذلك إن خصوصية موضوع الدراسة الذي هو الإنسان تستوجب طرقا علمية خاصة في تغيير النتائج المحصل عليها.

إن العلوم الاجتماعية لا تعتمد طرقا نمطية تتبع آليات ميكانيكية. لذلك فهي موضوعية وذاتية، لأن الإنسان في المحصلة هو موضوع دراستها وهو في نفس الوقت المشرف على هذه الدراسة. إن التفرقة بين مفهوم علم الاجتماع العلوم والعلوم الإنسانية المتخصصة في دراسة جانب واحد من جوانب المجتمع، موضوع أكده عالم الاجتماع الفرنسي دوركايم، وأيضا عالم الاجتماع البريطاني هوبز، الذي يعتبر أول من شغل كرسي علم الاجتماع في انجلترا.

–         لقد برهن علماء الاجتماع على أن علم الاجتماع علم متخصص مادام يبحث، مثل العلوم الاجتماعية الأخرى، عن الصلة بين الظواهر ليصل إلى نتائج عامة  تخص العلاقات الاجتماعية، كما يستخدم مناهجه الخاصة به.

–         لا يهتم علم الاجتماع مطلقا بالقيم المطلقة أو القيم المجردة، بل يهتم بالقيم الاجتماعية، دارسا معناها ومضمونها كما يدرس عملية اكتساب القيم، مؤكدا نسبية القيم وتأثرها بالتغير الاجتماعي وكونها عنصر اجتماعي مشترك في تركيب البناء الاجتماعي وبناء الشخصية الاجتماعية، كما أنه لا معنى للقيم ولا أهمية لها إلا في المجتمع الذي توجد فيه. وعالم الاجتماع في دراسته للقيم لا يشرع، وليس من وظيفته صنع قيم جديدة، بل وظيفته أن يتناول القيم الموجودة بالتحليل والتفسير.

–         ينشد علم الاجتماع تأكيد الحقيقة أو الافتراضات التي تضعها العلوم الأخرى .

–         يحاول علم الاجتماع أن يرى المجتمع ككل وأن يلاحظ الظواهر الاجتماعية، ويقدر أهميتها بالنسبة إلى العلاقة الاجتماعية والحياة الإنسانية ككل.

في هذا الصدد يتبادر إلى الذهن التساؤل التالي : هل يعتبر علم الاجتماع علم فلسفة اجتماعية؟ تلك  قضية محيرة: هل يتحول علم الاجتماع إلى فلسفة اجتماعية إذا ما قام علماء الاجتماع بصياغة نظريات عامة؟

سواء أكان علم الاجتماع أكثر من بحث شامل عن الأخلاق والعادات، أو مجموعة من الدراسات المستفيضة عن الجماعات فإنه يتعين عليه أن يستند على فلسفة معينة، تقدم للباحثين بعض النصح، أو الترشيد للقيم السائدة في المجتمع.

ويتعين علينا أن نفرق بين الفلسفة الاجتماعية وعلم الاجتماع، وذلك راجع إلى:

–         تهتم الفلسفة الاجتماعية بالغايات بينما يهتم علم الاجتماع بالوسائل .

–         يتعين أن تخضع هذه الغايات للضبط الاجتماعي إذا ما أريد أن يكون لدراسة الوسائل معنى، فمثلا يجب أن يحدد ما إذا كان الحراك الطبقي غاية في ذاته، وإذا كان كذلك، فما الوسائل اللازمة لتحقيقه.

–         تهتم الفلسفة الاجتماعية بالقيم المجردة، أما عالم الاجتماع فيتقيد بحدود الواقع الذي يعيش فيه.

2.1.          مناهج وخطوات البحث في علم الاجتماع

1.2.1. مناهج ومعيقات البحث في علم الاجتماع

أ. مناهج البحث في علم الاجتماع

إن طرق البحث المستخدمة في علم الاجتماع لا تختلف اختلافا ملحوظا عن الطرق المستخدمة في العلوم الإنسانية والسلوكية الأخرى. وتهدف طرق البحث الاجتماعي المختلفة إلى جمع المعلومات والبيانات وتفسيرها وتقييمها، وتلك مهمة أساسية لعلم الاجتماع. فعلم الاجتماع يقوم على وصف الظواهر الاجتماعية ثم إجراء المقارنات بينها وأخيرا تفسيرها. أما إصدار أحكام قيمية على النتائج التي جمعها عالم الاجتماع،   فتلك مهمة الفيلسوف الاجتماعي.

والمنهج العلمي هو المنهج المستخدم في الدراسات السوسيولوجية. ويتماشى منهج البحث في علم الاجتماع مع المبادئ التي تحدد نظرتنا إلى المعلومات وما نبحث عنه فيها وطبيعة هذه المعلومات. وهناك مناهج متعددة يستخدمها علم الاجتماع في دراسة الظواهر الاجتماعية من أهمها: منهج المسح الاجتماعي، ومنهج دراسة الحالة، والمنهج التاريخي.

  • ·        منهج المسح  الاجتماعي

منهج المسح الاجتماعي هو الطريقة المنظمة في جمع البيانات والمعلومات من المبحوثين حول مسألة معينة. يستخدم منهج المسح الاجتماعي في الدراسات الاجتماعية الوصفية والتحليلية التي تقوم على دراسة أعداد كبيرة من الناس، لا يمكن دراستهم بالملاحظة المباشرة أو عن طريق التجربة. ويعتمد المسح  الاجتماعي على اختيار عينة ممثلة لأفراد مجتمع الدراسة. ويقوم المسح الاجتماعي على جمع البيانات والمعلومات من المبحوثين، عن طريق الاستمارة التي توزع مباشرة على المبحوثين، أو عن طريق البريد أو عن طريق المقابلة المباشرة أو بواسطة الهاتف. ويتناول منهج المسح الاجتماعي موضوعات كثيرة  تشمل معظم الظواهر الاجتماعية ودراسة  أحوال أفراد  المجتمع. ويعد منهج المسح الاجتماعي من أفضل  الطرق في استجلاء البيانات الوصفية،  مثل: دراسة الخصائص السكانية، حجم الأسرة في المجتمع، نسبة كل من الذكور والإناث، نسبة المتزوجين وغير المتزوجين، معدلات الطلاق، معرفة اتجاهات السكان حول ظاهرة العمالة المنزلية، العلاقة التواصلية بين الإدارة العمومية والمواطن، إلخ.

يتميز منهج البحث الاجتماعي بكونه شاملا لجميع جوانب  الحياة الاجتماعية، وأنه أكثر تعمقا وتركيزا، بينما  يميل منهج المسح الاجتماعي إلى تناول موضوعات وظواهر  اجتماعية محددة.

  • ·        استطلاعات الرأي

إن مصطلح  استطلاع رأي يعني ملاحظة تعتمد طرق علمية تجرى على عينة محددة من المواضيع (جغرافية، اقتصادية، سياسية أو اجتماعية). ويعتمد استطلاع للرأي  على تحليل وثائق  وجرد إحصائيات واستعمال خرائط وغيرها من التقنيات، ويهدف إلى معرفة أفكار عينة تكميلية من الناس في لحظة معينة حول موضوع معين.

ولقد اهتم الدارسون بالرأي العام لأنه يلعب دورا أساسيا في الحياة السياسية والاقتصادية، كما قال فولتر: الرأي هو ملكة العالم.  فعلى المستوى السياسي، فإن الرأي العام يعتبر عاملا مهما لكل النظم السياسية الديمقراطية. هذه الأخيرة يتم تعريفها بكونها أنظمة الحكم الموافقة لتوجيهات الرأي العام.

كما أن الأنظمة الديكتاتورية تعتمد هي الأخرى على استطلاعات الرأي للترويج لإيديولوجيتها، حتى تتمكن من معرفة العوامل التي تحرك الرأي العام، وبالتالي تفادي المواجهة المباشرة مع الجماهير. أما على المستوى الاقتصادي، فيَعْتَبِرُ النظامُ الراسماليُّ الزبونَ ملكًا. لذلك فهو  يتقرب إليه عن طريق الخطابات الإشهارية، كما يلجأ إلى استطلاعات الرأي لمعرفة آراء الزبناء: (مثلا إشهار مسحوق الغسيل تيد في القنوات التلفزية المغربية يأتي على الشكل التالي: سألنا عدة سيدات في المغرب كله هل تغيرن تيد بمسحوق آخر..).

  • ·        منهج دراسة الحالة

هو منهج اجتماعي يعنى بدراسة الحياة الاجتماعية لوحدة اجتماعية كما هي في حالتها الطبيعية للجماعات الصغيرة مثل الأسرة أو القبيلة أو الجماعة وغيرها. وتعتمد دراسة الحالة على الملاحظة المباشرة لأنشطة وسلوك الجماعة بهدف الوصول إلى معرفة شاملة ومتعمقة في جوانب الحياة الاجتماعية للمبحوثين.

كذلك تفيد دراسة الحالة في دراسة السلوك الاجتماعي أثناء حدوثه، مثل دراسة الأنشطة المختلفة لطلاب الإسكان الجامعي ودراسة مدى الترابط بين أهل الحي الواحد إلخ.

  • ·        المنهج التاريخي

التاريخ بالنسبة لعلم الاجتماع هو ميدان لملاحظة الظواهر الاجتماعية والحوادث التي وقعت في الماضي. والمنهج  التاريخي يستمد مادته من سجل الخبرات الماضية، والتي تسهم في معرفة وفهم الحاضر. لذلك فالمنهج التاريخي يهدف إلى الوصول إلى الحقائق والأسباب والقوانين العامة التي تحكم  الظواهر الاجتماعية من خلال البحث في أحداثها الماضية.

ويفيد استخدام  المنهج التاريخي في دراسته للظواهر الاجتماعية في الكشف عن نشأتها ومراحل تطورها عبر الزمن، وكمثال على ذلك، لو أردنا تتبع ظاهرة توطين البادية في المجتمع المغربي، فلا بد من معرفة بداية التوطين، والأشكال التي مرت بها عملية التوطين والأسباب والعوامل التي أسهمت في نجاحها.

ب. معيقات البحث الاجتماعي

إن الطرق التجريبية في علم الاجتماع تعتد على الملاحظة الدقيقة التي ترمي إلى دراسة بعض  الظواهر التي قد تمر بطريقة مستترة. ذلك أن الملاحظة العلمية تختلف عن الملاحظة الاجتماعية غير المرئية. هذه الأخيرة تعتمد على مبدأ التعاون، ويعتبر موضوع دراستها هو الإنسان، و هو أيضا صاحب هذه الدراسة.

تعاني الدراسات العلمية الاجتماعية من الصعوبات التالية :

  • قيام علاقة خاصة بين المُلاَحِظِ والمُلاَحَظُ ، وهذا يجعل من الصعب في بعض الأحيان توفير الحياد العلمي المطلوب أثناء التعاطي مع النصوص والوثائق. ذلك أن الملاحظة  العلمية الهادفة إلى دراسة سلوك إنساني  ما داخل مجتمع ما  قد تتأثر بالعامل الشخصي الذي يتدخل في هذه الملاحظة. إن الأحاسيس، سواء الذاتية أو التعاطفية أو اللامبالية، قد تَحِيدُ بالملاحظة العلمية الاجتماعية عن مبتغاها. وهذا ما توضح بجلاء أثناء إجابات عينات من الدراسات التي قام بها باحثون، نظرا لكون هذه الإجابات  قد اختلفت حسب جنس المستجوب وثقافته وأصله. وكمثال على ذلك فللقيام باستطلاع رأي حول تفشي العنصرية في الولايات المتحدة فإنه من المستحسن  أن يستجوب الأبيض السكان البيض، ويستجوب شخص أسود السكان السود. كمثال على ذلك، السؤال التالي تم طرحه على مواطنين أمريكيين سود سنة 1942 خلال الحرب العالمية الثانية: هل تعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية مطالبة بتركيز جهودها من أجل الانتصار على دول المحور، أم يجب أن تركز على إحداث إصلاحات ديمقراطية؟ فكانت النتائج كالتالي:

                الإجابات التي قُدِّمَتْ

    لِمُسْتَجْوِبِينَ سود

    لِمُسْتَجْوِبِينَ  بيض

الانتصار على دول المحور

39 %

62 %

القيام بإصلاحات ديمقراطية

35 %

26 %

            بدون رأي

26 %

12 %

• الصعوبة الثانية التي يعاني منها علم الاجتماع تتمثل في كونه، على غرار باقي الطرق التجريبية، ليس محايدا، شأنه شأن أي علم يهدف إلى دراسة الأفكار والمعتقدات والآراء المتعلقة بموضوع ما، حيث يواجه مشكلة إثارة اختلالات مهمة. ذلك أن موضوعَ الدراسة قد يُغَيِّرُ سلوكَهُ اللاحق بمجردِ معرفةِ هدفِ الدراسةِ الحاليةِ. لذلك وحتى تَحُدَّ من هذه السلبيات المحتملة فإن العلوم الاجتماعية تعتد طرق تقصي صارمة، كاستطلاعات الرأ ي. 2.2.1. خطوات المنهج الاجتماعي أ. اختيار الباحث وتحديد موضوع البحث • اختيار الباحث الاجتماعي المناسب إن مسألة تدريب الباحث الاجتماعي على أساليب البحث الاجتماعي تحضى بأهمية كبرى. فعالم الاجتماع هو: – أولا هو ذلك الشخص المدرب الخبير الذي يمتلك مهارات معينة، ابتداء من المهارات العقلية التي تساعد على صياغة المشكلة وتحديد الفروق الضرورية بين المفاهيم، وأدوات جمع البيانات مرورا بصياغة القضايا صياغة دقيقة تسمح بالتحليل الملائم، وانتهاء بإثارة الحوار حول المشكلة من أجل إلقاء الضوء عليها. – ثانيا : يترتب على ذلك أن مشروعات أبحاث كثيرة تتطلب من عالم الاجتماع أن يستفيد من مهارته وخبراته المهنية لتساعده على طرح المشكلة موضوع البحث، وإلقاء الضوء عليها بشكل يسمح له بتطبيق الاختيارات. كما ينبغي أن تحدد فرضياته تحديدا إجرائيا لكي يتمكن من تطبيق الاختيارات التجريبية والأساليب الكمية. وفي هذا الصدد تتطلب أبحاث اجتماعية كثيرة معرفة كيفية تصميم البحث الاجتماعي وكيفية قياس النتائج في إطار الطرق الإحصائية. بيد أن معرفة المتخصص في علم الاجتماع للرياضيات لا تزيد عن معرفة طالب المدرسة الثانوية، وليس من الضروري أن يلم عالم الاجتماع إلماما مستفيضا ومكثفا بالإحصاء، ولكن الإحصاء جزء من أدواته التي يتعين أن يلم بها ويعرفها، مثلما يعرف كيفية صياغة السؤال أو تنظيم المقابلة أو تفريغ البيانات وترميزها واستخدام البيانات وكيفية تحليلها. إن دراسة أية ظاهرة اجتماعية لا بد من أن تنطلق من مراجعة التراث العلمي حول موضوع الدراسة، فالباحث ينبغي أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، وذلك يستلزم الوقوف على النظريات التي حاولت تفسير هذه الظاهرة، واستعرض الدراسات السابقة التي تناولت هذه الظاهرة بالبحث والتحليل، والتأكيد على أن هذه الدراسة ليست تكرارا لدراسات سابقة. ومن خلال النظريات والدراسات السابقة نستطيع اشتقاق الفروض وتحديد المتغيرات، وكذلك نستطيع تفسير نتائج الدراسة ومقارنتها بالدراسات الأخرى. • تحديد موضوع البحث وأهدافه قبل القيام بسبر الآراء عن طريق الاستمارة، لابد من القيام بدراسة ميدانية للتعرف على المشاكل الممكنة. إن أحسن طريقة للقيام بذلك هي إجراء مقابلات عفوية مع شخصيات مهتمة بالموضوع المراد دراسته، ومن خلال إفاداتهم سوف يتم تحديد فرضيات العمل التي تتمكن من إنجاز الاستمارة. إن تحديد موضوع الدراسة أو البحث بصورة دقيقة يعد أهم خطوات الدراسات العملية للظواهر الاجتماعية. فلا يمكن لأي باحث أن يجري دراسته دون أن يضع حدودا لموضع بحثه. والمقصود بحدود الدراسة هو أن يحدد المتغيرات التي سيتناولها بالدراسة، كمثال على ذلك، لو أردنا دراسة مسألة إدمان المخدرات في المجتمع بشكل عام، فإنه يعد موضوعا عائما وغير محدد، ولكن عندما نحدد موضوع الدراسة بفئة المراهقين، يصبح الموضوع أكثر تحديدا، ولكنه مازال واسعا، ولكن عندما نحدد موضع الدراسة بأثر الصحبة السيئة على إدمان المخدرات لدى فئة المراهقين، يصبح الموضوع واضحا ودقيقا. يتضح من هذا الموضوع أن هدف الدراسة هو معرفة أثر المتغير المستقل (الصحبة السيئة) على المتغير التابع (إدمان المخدرات لدى فئة المراهقين). كما يعد توضيح المفاهيم والمصطلحات المستخدمة في بداية إجراء الدراسات من الخطوات المفيدة والمهمة، لأنه يبعد أي التباس في فهم المقصود الذي يرمي إليه الباحث أثناء بحثه. إضافة إلى ذلك فإن طبيعة موضوع البحث هي التي تحدد المنهج الملائم للدراسة. فالمنهج هو الذي يزود الباحث بالطريقة المناسبة في كيفية دراسة وتناول موضوع بحثه. ب. انتقاء عينة البحث ووضع الاستمارة • تحديد العينة العينة جزء يمثل الكل. ويُسَهِّلُ استخدامُ العيناتِ الحصولَ على المعلومات وتحليلها تحليلا سريعا. كما أن تكاليف الحصول عن البيانات من أفراد العينة أقل وأسرع مما لو جمعنا البيانات من المجتمع كله. ويمكن أن يحدد الخطأ المتوقع عند تحديد العينة، كما يمكن إعادة البحث لو كان الخطأ كبيرا. وأهم شروط العينة: – أن تكون ممثلة للمجتمع الأصلي. – أن يكون لوحدات المجتمع فرص متساوية في الاختيار. – أن تكون العينة عشوائية. والعينة العشوائية هي تلك العينة التي لا تتقيد بنظام خاص أو ترتيب معين مقصود في الاختيار، وبذلك تضمن لجميع أفراد العينة فرصا متساوية. وفي هذه الحالة توصف العينة بأنها غير متحيزة. ويتم اختيار العينة على مرحلتين: مرحلة تحليل المجتمع الأصلي، ومرحلة الاختيار العشوائي في حدود صفات المجتمع الأصلي. والطريقة العشوائية يمكن أن تتم بوضع أرقام لمفردات الدراسة في إناء، ثم اختيار مجموعة من الأرقام بشكل عشوائي. كما أن النتائج التي نتوصل إليها عن طريق العينة الممثلة يمكن تعميمها على جميع مفردات الدراسة؛ خاصة إذا كان مجتمع الدراسة متجانسا. وكمثال على أهمية انتقاء العينة بشكل دقيق ما حدث مع معهدGALLUP للدراسات الاجتماعية بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي قدم تنبؤا صحيحا حول نجاح الرئيس ROOSEVELT في الانتخابات الرئاسية، بعد سبر آ راء عينة مكونة من 3000 أمريكي بطريقة قانون الصدفة، في حين أن بعض المجلات قامت باستطلاع عدة ملايين من الآراء وتنبأت بسقوطه في الانتخابات، لكنها أخلفت الموعد. إن العينة المدروسة بجب أن تمثل المجموعة الحقيقية بكل جوانبها (السن، الجنس، المهنة، الحالة العائلية، إلخ)، ذلك أن جودة العينة تعكس جودة الدراسة والبحث: De la qualité de l’échantillon dépend la qualité de l’enquête • وضع الأسئلة في البداية يجب اختيار الأسئلة بدقة مع احترام قاعدة طرح أقل عدد من الأسئلة على أكبر عدد من الناس. ويعتبر عدد 30 سؤالا كافيا خلال مدة نصف ساعة. الأسئلة يجب أن تكون مختصرة وواضحة، لذلك يجب اعتماد الطرق التالية: ـ كل سؤال يجب أن يحتوي فكرة واحدة لتجنب الخلط . مثلا طرح سؤال: هل تؤيد الحرب على العراق و على صربيا (يمكن أن تؤيد الحرب على صربيا وتعارضها في العراق). ـ السؤال يجب أن يكون واضحا ويستدعي إجابة دقيقة. بصفة عامة يتمكن اعتماد طريقة القِمْعِ، والتي تنطلق من الأسئلة العامة المفتوحة للوصول إلى الأسئلة الخاصة الحرجة.

التواصل وعلم الاجتماع
التواصل وعلم الاجتماع

ويجب تضمين الاستمارة أسئلة مفتوحة وأخرى مغلقة (الجواب فيها بنعم أو لا).

      إن أهم خصائص البحث الاجتماعي عن طريق الإستمارة السرعة والسرية، حتى يتم تفادي الإجابات النمطية المعدة سلفا.

– ينبغي ألا يكون السؤال غامضا أو مبهما، بل يتعين أن يفهمه المَبْحُوثُ بسهولة. أي يكون السؤال واضحا ليقدم لنا إجابة واضحة، فمثلا إذا سألنا الطالب هل تذهب إلى السينما (عادة –دائما – باستمرار- نادرا) فإننا نجد لبسا كبيرا بين الكلمات الثلاث الأوائل. كذلك إذا ما سألنا المبحوثَ هل تصلي؟ (عادة –دائما) فثمة غموض في فهم الكلمتين.

ـ من الضروري أن نتجنب التحيز عند صياغة الأسئلة، كمثال على ذلك، من الأفضل أن نسأل: “هل تتجنب مشاهدة الأفلام التي يعلن بأنها ممنوعة على أقل من 16 سنة”، بدلا من السؤال: “هل تشاهد أفلام الجنس؟”، “هل تحب أفلام الجنس؟”

ـ ينبغي أن نتجنب الأسئلة التي ترتبط بالأحكام الخُلُقِيَّةِ وأفعال الضمير. فإذا سألنا المبحوث: “هل توافق على حكم الإعدام؟”، فإن  هذا السؤال لا يعرف حدا أو قيدا، ويتضمن إجابات متعددة، يصعب أن نجيب عليها بنعم، إذ أنه يتطلب تفكيرا عميقا، وتبريرا قويا.

وإذا ما وجهنا استمارة إلى الأميين، فإنه  يتعين على الباحث أن يعي تماما الأحكام الخاطئة وعدم فهم المقصود من الأسئلة ومحاولة المجيبين  إعطاء إجابات غير دقيقة.

ج. جمع البيانات والمعلومات  Collection des informations

فبعد تحديد موضوع الدراسة والأهداف والمفاهيم ومنهج الدراسة وعينة  البحث، تأتي  الخطوة العملية التالية، وهي تحديد الأدوات  المستخدمة في جميع البيانات والمعلومات من مفردات الدراسات. وهناك عدة  أدوات يستخدمها الباحث في جمع البيانات والمعلومات من ميدان الدراسة،  ومنها :

  • ·        الملاحظة :  L’observation، ونقصد بها الملاحظةَ العلميةَ الدقيقةَ المُنَظَّمَةَ والقائمة على المشاهدة وعلى تسجيل الأمور وضبطها وتنظيمها وتصنيفها. ويشترط في هذه الطريقة توافر عنصر الموضوعية (عدم التأثر بالأهواء أو بالأفكار  المسبقة عن الموضوع  المبحوث). والباحث في النظم الاجتماعية قد يذهب إلى الجمعية التعاونية، ويقف في طوابير الشراء أو يذهب  إلى السوق باعتباره مشتريا، كما يلتحق بالمصنع ليلاحظ سلوك العمال. والملاحظة كطريقة من طرق جمع البيانات طريقة قديمة. وتتميز الملاحظة عن غيرها من طرق جمع البيانات الأخرى أنها تُسجِّلُ السلوكَ بما يتضمنه من مختلف العوامل وقت حدوثه. وقد يلجأ الباحثون إلى الملاحظة كطريقة من طرق البحث، نظرا لأن الكثير من صور السلوك اليومي، مثل طرق تربية الأولاد وأساليب تبادل التحية، ومثل الاحتفال بالأعياد والمواليد كما يحدث في الكثير من الدول، لا يَشْعُرُ بها الأفرادُ موضعَ الملاحظةِ، لأنها من الأمور المألوفة لديهم، ولكنها تسترعى انتباه الباحثِ المدرَّب، خاصة إذا كان غريبا عن الثقافة القائمة.

      وتزداد قيمة الملاحظة كطريقة من طرق البحث، خاصة في الحالات التي تزداد احتمال مقاومة الأفراد لما يُوَجَّهُ إليهم من أسئلة، أو عدم تعاونهم مع الباحث أثناء المقابلة. كما تزداد قيمة الملاحظة في الحالات التي يعتذر فيها استخدام غيرها من طرق القياس، مثل ملاحظة سلوك الأطفال. وأهم عقبة تواجه الملاحِظَ هي تحديد موضوع الملاحظة، لأنه لن يستطيع ملاحظة كل شيء، وقد لا تتطلب الدراسة ذلك، بالإضافة إلى كيفية تسجيل الملاحظة وتحديد الغرض منها.

  • ·        -المقابلة Enquête par interview

وتعني قيام  الباحثِ بمقابلة المبحوثين. فعن طريق المقابلة تطرح  أسئلة على المبحوث يحصلُ الباحثُ  منها على بيانات ومعلومات تحقق أهداف الدراسة. وتعد المقابلة الأداة  المناسبة التي يمكن  تطبيقها على المثال السابق الخاص بدراسة علم الاجتماع لأثر الصحبة السيئة على إدمان المراهق للمخدرات. فبعد اختيار عينة المبحوثين يمكن إجراء مقابلة معهم، وأخذ إفادتهم عن تأثير الصحبة السيئة على إدمانهم للمخدرات.

  • ·        -الاستمارة      Enquête par questionnaire

وتعني مجموعة الأسئلة المكتوبة التي تقدم مباشرة للمبحوثين للإجابة عنها، أو ترسل إليهم عن طريق البريد أو الإيميل، من أجل  الحصول على البيانات والمعلومات المطلوبة. ويتم وضع لائحة تعريفية في أعلى الاستمارة مع عدم ذكر الأسماء. هذه اللائحة تضم السن، الجنس، المستوى الدراسي، العنوان إلخ .

د. تحليل البيانات و كتابة التقرير

تعد مرحلة البيانات والمعلومات التي تم جمعها وترتيبها وتصنيفها وكشف الأسباب والعوامل المرتبطة بالظاهرة المدروسة الهدف النهائي الذي يسعى إليه الباحث. ففي هذه الخطوة، يقوم الباحث بتحليل البيانات الكمية والكيفية، وتحويلها إلى مدلولات ومعان يستفاد منها في الإجابة عن الأسئلة التي طرحها عند إعداد بحثه، كذلك يؤدي تفسير البيانات والمعلومات إلى الكشف عن العلاقات السببية بين مختلف الظواهر الاجتماعية.

وتهدف مرحلة التحليل الإحصائي إلى توضيح البيانات التي يتم جمعها ووصفها وصفا دقيقا، فهي تتطلب أولا أن يجمع الباحث بياناته بطريقة يعتمد عليها، بحيث تكون على مستوى  كبير من الدقة. ويلجأ الباحث بعد جمع بياناته إلى تصنيفها إلى أنواع متميزة يسهل عليه استنتاج ما بينها من علاقات، ثم يقوم بحساب النتائج ابتداء من النسب المئوية والمتوسطات والمعلومات المختلفة وإجراء المقارنات المختلفة، وبيان ما إذا كانت الفروق ذات دلالة أم لا. ثم ينتهي الباحث بتفسير النتائج، وهي مرحلة تحتاج إلى دراية تامة بالمسائل حتى لا يندفع الباحث إلى استنتاج أو تعميم لا تؤدي إليه الطرق الإحصائية التي استخدمها. ويتطلب التحليل الإحصائي مهارة خاصة في الرياضيات وخاصة عند تحليل الأرقام.

      ويواجه عالِمُ الاجتماع عند تحليل النتائج مشكلة استخدام البراهين التي تبرز النتائج التي وصل إليها البحث، ويعتمد تحليل النتائج على الإجابة على سؤال محدد: لماذا حدثت هذه الظاهرة؟  بالإضافة إلى ربط النتائج التي حصل عليها الباحث بالنظرية التي انبثقت منها الفرضية. ومع تقديم العلوم، أصبح تحليل وتصنيف البيانات يتم  باستخدام الحاسوب الآلي، وذلك عن طريق إدخال تلك البيانات فيه ومعالجتها إحصائيا واستخراجها على شكل جداول رقمية أو أشكال بيانية.

     وبعد تحليل البيانات والمعلومات التي تم جمعها، يصل الباحث إلى الخطوة الأخيرة في دراسته البحثية، وتسمى كتابة التقرير  النهائي، تتم فيه الإجابة على كافة التساؤلات والفرضيات التي طرحها في بداية بحثه. كذلك يتضمن  التقرير النهائي، مقترحات وتوصيات لمواجهة  وعلاج  الظاهرة المدروسة.

  1. 1.     علم الاجتماع ودراسة العلاقات التواصلية داخل المجتمع

1.2.         التواصل السكاني والثقافي في علم الاجتماع

1.1.2.  علم الاجتماع والتواصل السكاني

أ‌.        ملامسة علم الاجتماع للواقع المعيش

       إذا كان  المفكر “كونت” قد أقام صرحَ علمِ الاجتماع كفلسفة لها نظرتها وتفسيرها وطريقتها في التفكير في الظواهر التواصلية الاجتماعية، فإن مهمة تلميذه دوركايم (1858-1917) كانت تتلخص أساسا في ترجمة المبادئ النظرية إلى ممارسة عملية. لقد انطلق دوركايم من حيث انتهى أستاذه، ودخل  في صراع حاد مع النظام الديني، ولكن صراعه كان صراعا عمليا أكثر منه نظريا، بحيث  ركز على ترجمة المبادئ النظرية لعلم الاجتماع إلى خطة عملية ومشروع تربوي شامل ينتهي به إلى علمنة المجتمع فردا وجماعة وفكرا وسلوكا، وهو في كل ذلك يحتمي بالعلمية والتطبيق الصارم للقوانين الاجتماعية التواصلية  التي لا تقبل النقد. فما يقرره علماء الاجتماع ليس مجرد إحساسات أو خواطر وإنما هي إثباتات علمية لها من اليقين ما للعلوم الطبيعية.

     لقد كانت قضايا الأسرة والمدرسة والأخلاق والتربية والعلاقات التواصلية فيها في صلب اهتمام علم الاجتماع. لذلك حاول إخضاعها للدراسة “الواقعية” بعيدا عن تأملات الفلاسفة والمناهج الاستبطانية. وكان يقصد إثبات أن نفس القضايا التي تخضع للتفكير الفلسفي الميتافيزيقي العقيم يمكن إخضاعها للدراسة الواقعية.

ب‌.     دراسة التواصل السكاني

      ويدرس علم الاجتماع التواصل السكاني من حيث الحجم والكثافة والتركيبة العمرية ومعدل النمو والهجرة. كما يدرس التواصل السياسي بين مكونات المجتمع وكل ما يتعلق بالسلطة الحاكمة والنظام السياسي للدولة وبالأحداث السياسية، مثل الحروب والاستعمار. فهذا الأخير يقوم بدور فاعل في إحداث التغير الاجتماعي. فمثلا أدى الاستعمار الفرنسي للجزائر إلى فرض مجموعة من القيم والأنظمة الاجتماعية التي تمثل رغبات ومصالح الدولة المُسْتَعْمِرَة.

      إن تركيز الدراسات الاجتماعية على الأدوار التواصلية لسياسات الدولة اتجاه أفراد المجتمع نابع من كون السلطة الحاكمة هي التي ترسم السياسات، وتضع خطط التنمية والإصلاح. والدولة بما تملكه من موارد مادية وبشرية تستطيع دعم التنمية الاقتصادية، و تسهيل عمليات الاستثمار، وتعمل كذلك على سن الأنظمة والقوانين التي تنظم نشاط أفراد المجتمع وتضبط سلوكهم. وبذلك تعمل الدولة على توجيه وترشيد عملية التغير الاجتماعي.

2.1.2. التواصل الثقافي و علم الاجتماع

أ. مفهوم التواصل الثقافي

         اهتم علم الاجتماع بالتواصل الثقافي بين المجتمعات. و يقصد بالتواصل الثقافي “العملية أو الطريقة التي تنتقل بها الأفكار والقيم والعادات والسمات الثقافية من مجتمع إلى آخر، سواء عن طريق الهجرة أو التجارة أو السياحة أو البعثات أو عن طريق الغزو والاستعمار، وفي الأخير عن طريق وسائل الإعلام والاتصال من تلفزة وفضائيات ومذياع وصحف ومسرح وسينما و إنترنيت وغيرها”.

         وقد ساعد التقدم العلمي في وسائل الاتصال والمواصلات بشكل فعال في تكثيف عملية التواصل بين الثقافات المختلفة، مما أسهم في تدفق الأفكار وانتشار المخترعات من مجتمع إلى آخر بشكل سريع. وهذا التواصل الثقافي قد أحدث تغيرات كبيرة في عادات الناس وأسلوب حياتهم و في طرق تفكيرهم. و يعد البث المباشر عن طريق القنوات الفضائية من أخطر وسائل التواصل الثقافي، التي أسهمت في إحداث تغيرات اجتماعية كانت محط دراسة وبحث من طرف علماء الاجتماع. حيث تمكنت الدول الكبرى من نشر قيمها وأفكارها وأنماط سلوكها في كثير من المجتمعات، خاصة بين فئات الشباب، ونرى ذلك واضحا في انتشار الزي الغربي داخل المجتمعات العربية والإسلامية، أو بعض قصات الشعر أو غيرها من السلوكات الوافدة.

ب. الدين شكل من أشكال التواصل الثقافي

      وفيما يخص التواصل الديني وعلاقته بالتغيرات الاجتماعية، فإن الأديان، بما تشتمل عليه من آداب ومعتقدات ومعايير للسلوك، تؤثر في تنظيم الحياة الاجتماعية. وقد أساهمت الأديان خلال مسيرتها التاريخية في إحداث تغيرات جذرية اجتماعية وسياسية وفكرية في حياة الشعوب. ويتضح أثر الإسلام بشكل جلي في إحداث التغير الاجتماعي من خلال بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وما أحدثته من تغيرات جذرية في قيم وعادات وتقاليد ونظم المجتمع الجاهلي. فقد أدى ظهور الإسلام إلى حدوث تغيرات عميقة اجتماعية وسياسية واقتصادية، لم يقتصر أثرها على العالم الإسلامي، بل شملت العالم بأسره، وهذا يدل على أثر عامل التواصل الديني في رسم وتوجيه الحياة الاجتماعية.

2.1.         التواصل وعملية التنشئة الاجتماعية

1.2.2. تأثير التواصل الأسري والمدرسي على عملية التنشئة الاجتماعية

أ. التواصل الأسري والتنشئة الاجتماعية

  • ·        مفهوم التنشئة الاجتماعية

       “التنشئة الاجتماعية هي سيرورة مستمرة ومتغيرة على امتداد الحياة، بحيث أنها تهدف إلى الاندماج الاجتماعي  لدى الفرد، كما تعتبر، من جهة أخرى، بمثابة وسيلة لاكتساب الشخصية، من خلال استيعاب طرائق الحركة والفعل اللازمة ( معايير وقيم وتمثلا ت اجتماعية…)، من أجل تحقيق درجة من التوافق النسبي عبر سياق الحياة الشخصية والاجتماعية للفرد داخل تلك الحياة المتغيرة باستمرار”. ويقوم المجتمع من خلال عملية التنشئة الاجتماعية بدور هام في تشجيع وتقوية بعض الأنماط السلوكية المرغوب فيها، والتي تتوافق مع قيمه وحضارته، في حين يقاوم ويحبط أنماط أخرى من السلوكات غير المرغوب فيها. وتهدف التنشئة الاجتماعية إلى إكساب الأفراد في مختلف مراحل نموهم (طفولة، مراهقة، رشد، شيخوخة) أساليب سلوكية معينة، تتفق مع معايير الجماعة وقيم المجتمع، حتى يتحقق لهؤلاء التفاعل والتوافق في الحياة الاجتماعية في المجتمع الذي يعيشون فيه.

     وعملية التنشئة الاجتماعية تتم من خلال عمليات التواصل والتفاعل الاجتماعية، فيتحول الفرد من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي، مكتسبا الكثير من الاتجاهات النفسية والاجتماعية، عن طريق التعلم والتقليد، مما يطبع سلوكه بالطابع الاجتماعي.

         ومن خصائص التنشئة الاجتماعية أنها عملية نمو وتفاعل وتواصل مستمر، حيث تنمو بنمو الطفل، من كائن بيولوجي يُتَحَكَّمُ في سلوكه وحاجياته الفسيولوجية، إلى فرد ناجح متحرر إلى حد ما من دوافعه، فيصبح متحكما في انفعالاته ونزواته، محاولا التوفيق بينها وبين مطالب البيئة الاجتماعية. كما تعتبر التنشئة الاجتماعية عملية دينامية نظرا لكونها حركة تواصل وتفاعل مستمران : تواصل بين الأفراد، وبين الأفراد والجماعات. حيث تتيح للفرد فرصة التفاعل الاجتماعي مع الآخرين من خلال مواقف وأدوار متعددة، فيكتسب الكثير من الخبرات والاتجاهات النفسية. وهي عملية مستمرة، عبارة عن سلسلة متصلة ومتتابعة من التغيرات تنطلق من الطفولة وتستمر إلى باقي مراحل الحياة الأخرى.

  • ·        التواصل الأسري والتنشئة الاجتماعية  

تعد الأسرة من أهم وأقوى مؤسسات التواصل التي تساهم في التنشئة الاجتماعية وتؤثر بشكل كبير على تشكيل شخصية الفرد. فهي أهم وأقوى الجماعات الأولية وأكثرها تأثيرا في تنشئة الطفل وفي سلوكه الاجتماعي وبناء شخصيته. فالأسرة هي التي تهذب الطفل وتجعل سلوكه مقبولا اجتماعيا، وهي التي تغرس في نفس الطفل القيم والاتجاهات التي يرتضيها المجتمع ويتقبلها. وهناك متغيرات أسرية تؤثر في التنشئة الاجتماعية للطفل كنوع العلاقة بين الوالدين، واتجاهات الوالدين نحو الطفل، والعلاقة بين الإخوة، والمكانة الاجتماعية والطبقية للأسرة، والمستوى التعليمي والثقافي للأسرة. وتساهم الأسرة في عملية التنشئة الاجتماعية من خلال الوظائف التالية:

–         تعلم الطفل الأساليب الصحيحة لإشباع حاجاته الأساسية، مثل طريقة الأكل واللبس وغيرها.

–    تشبع حاجات الطفل النفسية، مثل العطف والحنان والإحساس بالأمن والاستقرار، مما يسهم في توجيهه وحفظه من الوقوع في الانحراف.

–         يتعلم الطفل من الأسرة أنماط السلوك الصحيح وفق الآداب والقيم الاجتماعية السائدة.

       وفي العصر الحديث، أثر التغير الاجتماعي على دور الأسرة في عملية التواصل والتنشئة، حيث تقلص حجم الأسرة، مما قلل من كثافة العلاقات الاجتماعية، وقلت بذلك فرص التواصل والالتقاء والتجمع الأسري. 

ب. علاقة التواصل المدرسي بالتنشئة الاجتماعية

     إضافة إلى الأسرة تعد المدرسة مؤسسة مساهمة بشكل فعال  في عملية التواصل والتنشئة

الاجتماعية. ونظرا لتعقد الحياة الاجتماعية وتشعبها، فقد أصبحت المدرسة مؤسسة متخصصة في نقل ثقافة المجتمع وتراثه، وذلك بعد مراجعته وتنقيته من جيل إلى جيل. والثقافة هي التراث العام الذي ينحدر إلينا من أجيال سابقة ومتعاقبة، وتشمل المعتقدات والتقاليد والعرف، والقواعد الأخلاقية والدينية، والقوانين والفنون والعلوم والمعارف، والتكنولوجيا، وسلوكات ومشاعر الأفراد والجماعات وعلاقاتهم وتمثلاتهم. وتعتبر المدرسة مجتمعا مصغرا، يتدرب فيه الناشئة على قواعد النظام وممارسة الأنشطة وتكوين العلاقات الاجتماعية. وتعمل المدرسة على تنمية مهارات الطلاب و توجيه مولاتهم من خلال المناهج الدراسية والمشاركة والتفاعل والتواصل داخل المبنى المدرسي.

         إن المدرسة، كأداة تواصلية، هي  إحدى أهم مؤسسات التنشئة الاجتماعية المتخصصة، وهي تسعى إلى تحقيق نمو التلميذ جسميا وعقليا ووجدانيا واجتماعيا، وتربيته على بعض القيم والمعايير والاتجاهات الاجتماعية، وإعداده بشكل يؤهله ليندمج إيجابا في مجتمعه .

ومن بين الأساليب التربوية والنفسية والاجتماعية المساعدة على التنشئة الاجتماعية الإيجابية

للمتعلم نذكر: سيادة جو الطمأنينة والشعور بالنجاح، وتحقيق إشباع العطف والتقدير داخل المدرسة، والتوجيه والإرشاد والعطف المصحوب بالحزم، وإشاعة جو الحرية والديمقراطية والتفهم، وتعليم الأطفال الحياة الاجتماعية داخل المدرسة من خلالا حرية التعليم والتدبير الذاتي لجماعة التلاميذ، وتكوين الأندية والجمعيات، وتعلم احترام القوانين والحق والواجب والمسؤولية، وانفتاح المدرسة على محيطها الاجتماعي، وتوفير الإمكانات والوسائل التربوية والمادية والتجهيزية المدرسية (ملاعب، مكتبات، أندية، وسائل ديداكتيكية…)، وإشباع  حاجات المتعلم النفسية والاجتماعية والمعرفية.

2.2.2.  دور جماعة الأقران ووسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية

أ. التواصل داخل جماعة الأقران

         جماعة الأقران عبارة عن مجموعة من الأصدقاء المتقاربين في العمر والميول. والفرد عادة

يبدأ في الانضمام إلى جماعات خارج الأسرة في السنوات المبكرة من عمره، حيث يبدأ بجماعة اللعب في الحي، ثم يستمر في الانضمام إلى جماعات مختلفة. و تعد جماعة الأقران إحدى العوامل المهمة في نمو الأفراد نفسيا واجتماعيا، لما لها من تأثير بالغ في اتجاهاتهم وسلوكهم. ويؤدي الأقران دورا مهما في عملية التنشئة الاجتماعية، لما ينشأ بينهم من القيم والاتجاهات المشتركة، التي تصبغ سلوكهم بطابع مميز. ويكسب الأفراد من خلال المخالطة المستمرة والتقليد سلوكى متشابها، حيث يقلد بعضهم بعضا.

      وتمارس جماعة الأقران عملية الضبط الاجتماعي، من خلال مراقبة سلوك أفرادها، سواء

بالتشجيع والترحيب بالسلوك المتفق مع توجيهات وعادات الجماعة، أو بالسخرية والتحقير، أو

بالعزل والمقاطعة للذين لا يتفقون مع قيم الجماعة. وقد تكون جماعة الأقران منسجمة مع ثقافة

المجتمع وقيمه ومعاييره الاجتماعية، أو قد تكون منحرفة عنه خارجة عن آدابه و قيمه.

ب. التواصل عبر وسائل الإعلام ودوره في التنشئة الاجتماعية

     تلعب وسائل الإعلام دورا حيويا في تكوين شخصية الفرد وسلوكه، من خلال المعلومات والبرامج التي تبثها إلى الجماهير. ولوسائل الإعلام تأثير قوي لأنها واسعة الانتشار وسريعة

الاتصال، وتبث برامج متعددة لمختلف الفئات العمرية وتناسب مختلف المستويات التعليمية، وخاصة المسموعة والمرئية منها. كذلك تعمل وسائل الإعلام، من خلال ما تعرضه من معلومات

ومشاهد ومسرحيات على توعية وتوجيه الأفراد، من أجل الحفاظ على استقرار وتماسك المجتمع. ويمكن تصنيف الوظائف التي تؤديها وسائل الإعلام في التنشئة الاجتماعية في المجتمع على النحو التالي:

–         تبسيط ونقل ثقافة المجتمع، وترسيخ القيم بين أفراده.

–         تزويد الأفراد بالمعلومات والأخبار التي تحدث داخل المجتمع وخارجه.

–         إكساب الأفراد مهارات واتجاهات مفيدة تساعدهم على التكيف والاندماج في المجتمع.

–         توجيه وتشكيل الرأي العام نحو اتجاهات محددة.

–         الحفاظ على استقرار النظام الاجتماعي، من خلال البرامج التي تعالج بعض الانحرافات والأخطاء الشائعة في المجتمع.

        والإعلام في العصر الراهن أصبح سلاحا تعتمد عليه كثير من الدول في نشر أفكارها ومعتقداتها، و تسعى من خلاله إلى التأثير و الهيمنة على الشعوب الأخرى، لذلك ينبغي التعامل مع الإعلام الوافد بحيطة وحذر.

التواصل وعلم الاجتماع
التواصل وعلم الاجتماع

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz