التنمية والأمن الغذائي

23314 مشاهدة

محمد الجناتي، باحث في العلوم القانونية الإدارية والسياسية/ وجدة البوابة: وجدة في 16 أبريل 2012، 

كان هاجس الحصول على الغذاء أبرز المشكلات التي واجهت الإنسان عبر تاريخه، فمن أجل تأمين غذائه امتهن حرفة الصيد والزراعة وعانى من الارتحال وخاض الحروب وتعرض لمجاعات كان لها أثر كبير على مصيره وحضارته، ومازالت الأزمة قائمة إلى حدود الآن، حيث تشكل عملية تأمين الغذاء أبرز تحديات الوضع الاقتصادي الجديد، و تعد أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية  تفاقم العجز الغذائي وحصول فجوة غذائية حادة وانتشار ظاهرة الجوع وسوء التغذية في بعض الأقطار، في ظل فشل السياسات الاقتصادية والتنموية، حيث أصبحت العديد من الدول الفقيرة أسيرة مجموعة من البلدان المنتجة للغذاء كالولايات المتحدة والاتحاد الأوربي وأستراليا وغيرها، في حين أن معظم هذه البلدان، وخاصة البلدان العربية، هي بلدان زراعية بالدرجة الأولى، وقادرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي بل وحتى تصدير الغذاء إذا ما استغلت الإمكانات المتوافرة ووضعت الخطط التنموية المناسبة وتمت متابعة تنفيذها. ونظرا لخطورة الأزمة، لم تعد مشكلة العجز الغذائي مجرد مشكلة اقتصادية زراعية، بل تعدت ذلك لتصبح قضية سياسية استراتيجية ترتبط بالأمن الوطني والإقليمي. وأصبح الغذاء سلاحا استراتيجيا في يد الدول المنتجة والمصدرة للحبوب، تضغط به على الدول المستوردة لتحقيق أهداف سياسية، مما أدى إلى أن يكون هناك اهتماماً عالمياً بهذه المشكلة المتفاقمة، تمثل في الأهداف الإنمائية للألفية الجديدة التي كان على رأسها القضاء على الفقر المدقع، الذي يعد احد نتائج ارتفاع الأسعار ونقص الغذاء. انطلاقاً من أهمية الموضوع،  فإن هذا  المقال سيحاول الإجابة على العديد من التساؤلات، أهمها : هو مفهوم  الأمن الغذائي؟ ما هي محدداته وماهي العوامل المؤثرة فيه؟ وكيف يمكن للتنمية أن تساهم في تحقيق الأمن الغذائي ؟  وما هي السياسات اللازمة لتحقيق الأمن الغذائي ؟

  1. 1.     مقاربة مفاهيمية للأمن الغذائي

       الأمن الغذائي مفهوم قض مضاجع المجتمعات والدول عبر العصور، حيث سعت الأمم منذ القديمة إلى محاولة توفير حاجات أفرادها من الأكل والشرب، إما اعتمادا على إمكاناتها الذاتية أو بمساعدة أطراف خارجية. وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح الأمن الغذائي ظهر في المؤتمر الغذائي المنعقد سنة 1974, بعد أزمة الغداء العالمية التي حدثت  ما بين سنة 1972 و1974، حيث عُرِّفَ من طرف المؤتمرين بـ “زيادة توفر الغذاء من خلال زيادة الإنتاج وتحقيق الاستقرار الأكبر للموارد الغذائية المتاحة”. لكن سرعان ما أبدى هذا التعريف قصوره عن الوفاء بحق المفهوم، حيث يستلزم توفر الغذاء حصول الناس عليه، ومن تم كان لزاما التفكير في مدى قدرة المواطنين على اقتنائه عند حاجتهم إليه. الأمر الذي جعل المشاركين في مؤتمر قمة الغذاء في العالم سنة 1996 يعرفونه بـ “يتوفر الأمن الغذائي عندما يتمكن الجميع، في جميع الأوقات، بالقدرة المادية والاقتصادية، من الحصول على كميات كافية من الغذاء السليم والمغذي لتغطية احتياجاتهم، وتحقيق اختياراتهم الغذائية، ليعيشوا حياة فعالة وصحية”. يتضح من خلال هذا التعريف أن تحقيق الأمن الغذائي يتميز بالاستمرارية والشمولية والمعيارية والقصدية. فأما الاستمرارية فتتمثل في القدرة على توفير الغذاء غير مشروطة بزمن محدد، وأما الشمولية فتعني تغطية الغذاء لجميع أفراد المجتمع دون استثناء، والمعيارية تعني اشتراط الغذاء السليم والمغذي، أما القصدية فتتجلى في الغاية من كل ما سلف، والمتمثلة في الحياة الفعالة والصحية.

ويتأثر الأمن الغذائي بعدد من العوامل من بينها أساسا الإمدادات الغذائية والحصول على العمل وبعض الخدمات الأساسية مثل مرافق التعليم والصحة والمياه النظيفة والمسكن الآمن‏.‏ ويعتبر الفقر والظلم الاجتماعي ونقص التعليم الأسباب الرئيسية للجوع وسوء التغذية والعقبات الرئيسية أمام تحقيق الأمن الغذائي. ويعتمد التمتع بالأمن الغذائي على ثلاثة أعمدة رئيسية تتمثل في توافر الأغذية، والقدرة على الحصول عليها، واستخدامها واستهلاكها. إذ ينبغي توافر كميات كافية من الأغذية، وضرورة توافر الفرص أمام الجميع للحصول عليها، ومعرفة أفضل الطرق لاستخدامها.

 إن توافر الأغذية يعني ضرورة إنتاج كميات كافية من الأغذية السليمة والجيدة النوعية و/أو استيرادها على المستويين القطري والمحلي. وتوافر فرص الحصول على الأغذية يعنى ضرورة أن توزع وتتوافر محليا وأن تكون في متناول الجميع، مع استخدام الأغذية بأفضل طريقة ممكنة لكي يتمتع كل فرد بالصحة والتغذية الجيدة، أي يستهلك ما يكفي من حيث الكمية والنوعية والتنوع حسب احتياجات كل فرد.

  1. 2.     التنمية ورهان تحقيق الأمن الغذائي

إن علاقة التنمية بالأمن الغذائي هي علاقة سببية، ذلك أن تحقيق التنمية من شأنه المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي، كما أن هذا الأخير يعتبر أحد مقومات عملية التنمية الشاملة.

         يتأثر الأمن الغذائي بمحددات طبيعية تتعلق بقاعدة الموارد الطبيعية التي تشمل الموارد الأرضية والمائية والهواء والمناخ والمورد الوراثي والطاقة غير المتجددة، و تعتبر هذه المجموعة  المحدد الأكبر والأصعب في معالجة إشكال الأمن الغذائي. بالإضافة إلى ذلك يمكن الحديث عن العوامل المحددة للاستخدام الأمثل للموارد وأهمها: الآفات والأمراض التي تصيب النباتات والحيوانات، والتكنولوجيا المتاحة التي يمكن توليدها ونقلها وتبنيها. كما تعتبر المحددات السكانية حاسمة لربح رهان تحقيق الأمن الغذائي، وتشمل أعداد ومعدلات نمو السكان، والزيادات غير الطبيعية للسكان، وما يمثله العامل السكاني من ضغط على الموارد الطبيعية والطلب المتزايد على السلع الزراعية والغذائية. وتلعب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السائدة دورا مهما في التأثير على الأمن الغذائي للأمم،  فهي  تنعكس على التنمية الزراعية، ومتطلبات أمان الغذاء وما يترتب عليها من دعوة إلى زراعة بديلة. ويتأثر استهلاك السلع الغذائية بدخول الأفراد وانتشار الفقر وسياسات الحد منه، وأسعار السلع وسياسات الدعم الموجه إلى المستهلكين، ووجود نظام الحصص الغذائية، والعوامل الاجتماعية والتنظيمية التي تشمل الأنماط الغذائية للسكان والمستويات التعليمية والمهنية والمستويات الثقافية والوعي الغذائي والإرشاد الاستهلاكي والتوعية الغذائية، وطبيعة النشاطات الاستيرادية والتصديرية. وأخيرا، هناك محددات توزيع الغذاء، وتشمل خصائص الإنتاج والتسويق الزراعي وسياسات وبرامج إنتاج الغذاء وطرق وأساليب تجهيز وإعداد السلع الغذائية وانتشار منافذ البيع وسياسات الرقابة على الجودة والمواصفات وقوة ونشاط جمعيات حماية المستهلك.

      وينعكس غياب الأمن الغذائي سلبا على التنمية، ويتجلى ذلك في انخفاض القدرة على العمل والتعرض للأمراض ونقل سوء التغذية للأطفال وانخفاض الأداء المدرسي وعدم القدرة على الاستثمار. لذا فقد يعاني اقتصاد الدولة بأكمله نتيجة لتراكم هذه العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى انعكاسات سلبية على أداء الاقتصاد الشامل. ومن الواضح أن للتنمية انعكاس إيجابي على الأمن الغذائي ولكنها تعتمد بشكل كبير على المعنى الذي نعطيه لها. ففي الواقع يشكل النمو الاقتصادي شرطا ضروريا ولكن غير كاف للتنمية. وفي هذا الخصوص نستحضر مبدأ “دودلي سيتز” الذي كان سائدا في منتصف السبعينات والقائل “ليس هناك تنمية إذا لم يصاحب النموَّ الاقتصاديَّ تخفيضُُُ للفقر وإحقاقُ للعدالة و محاربة للبطالة”. وفي الواقع فإن الأفكار الكامنة وراء هذا المفهوم، ومع أنها ترجع إلى أربعين سنة مضت، لا تزال صالحة حتى الآن.

وقد شكلت قمة الغذاء العالمي المنعقدة في عام 1996 من طرف منظمة الأغذية والزراعة بروما إحدى العمولات الرسمية الرئيسية لتغيير توجهات المجتمع الدولي حول قضايا التنمية والأمن الغذائي، حيث وافق رؤساء الحكومات والدول على “إعلان روما حول الأمن الغذائي” ، والذي يتضمن سبعة التزامات يمكن تلخيصها بما يلي:

    –         تمكين المناخ السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي من التخلص من الفقر وتحقيق السلام الدائم.

    –         حصول الجميع، وفي جميع الأوقات، على الغذاء الكافي والمغذي والسليم واستخدامه بشكل فعال.

    –         السياسات الغذائية والزراعية وسياسات التنمية الريفية المستدامة.

    –         التجارة الغذائية والزراعية والسياسات التجارية الشاملة المؤدية إلى تحقيق الأمن الغذائي للجميع

    –         منع حدوث الحالات الطارئة والاستعداد لمواجهتها وتشجيع استعادة النشاط وإعادة التأهيل والتنمية والقدرة على تحقيق الاحتياجات المستقبلية.

    –         الاستثمارات العامة والخاصة لدعم الموارد البشرية والغذاء المستدام والنظم الزراعية والتنمية الريفية.

    –         تنفيذ ومراقبة ومتابعة خطة العمل.

      وفي هذا الخصوص نشير إلى أنه قد تمت صياغة تلك الالتزامات بمستوى عال من العمومية. ومن ذلك يمكن تقسيم كل منها  إلى سلسلة من  الأهداف والإجراءات التي تلخص مجالات التدخل وتشكل مجموعة متكاملة من الخطوط العامة  المتناسقة.

إننا نؤكد على وجود رابطة وثيقة بين الأمن الغذائي والتنمية، ذلك أن جهود التنمية قد تتعرض للمعوقات التي يسببها انعدام الأمن الغذائي. وعلى العكس من ذلك فإن التنمية تنطوي على إمكانية تخفيض انعدام الأمن الغذائي والفقر على الأقل إن لم نقل التخلص منها بشكل نهائي.

   و يمكن أن تتضمن استراتيجيات  تخفيض الفقر وانعدام الأمن الغذائي عنصرين أساسيين:

    –         زيادة الاستثمار في الموارد البشرية: التعليم- الصحة – النظافة –التنمية المجتمعية.

    –         تعزيز قدرة الفقراء ومن يعانون انعدام الأمن الغذائي على الحصول على مجموعة واسعة من الموجودات بما فيها الأرض والمياه ورأس المال.

وقد بدأت المنظمة العالمية للتغذية و الزراعة “الفاو” مؤخرا ما يسمى “منهج المنهج المشترك” كجزء من استراتيجيتها في تخفيض انعدام الأمن الغذائي ومتابعة لمؤتمر قمة الغذاء العالمي. ويربط المنهج بين تشجيع الزراعة المستدامة ذات القاعدة العريضة والتنمية الريفية  والتدخلات التغذوية المستهدفة.

ويمكن للتنمية أن تحقق الأمن الغذائي بالاعتماد على استخدام المنتجات المُحَوَّرَةِ وراثيا، حيث أن الحوار القائم على المستوى الدولي وخاصة بين الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية حول إمكانية استخدام المنتجات المحوّرة وراثيا يطغى عليه موقفان مختلفان، ذلك أن الاتحاد الأوربي يضع تحفظات كثيرة على إنتاج الغذاء المحور وراثيا بينما الولايات المتحدة الأمريكية تؤيده. إلا أن معرفة المجتمع العلمي حاليا حول سلامة الغذاء المحور وراثيا على الصحة البشرية ليست متماثلة، وليس هناك دليل شامل حول السلامة الصحية طويلة المدى لهذا النوع من الغذاء. ومع ذلك ومن الأسباب التي تثير القلق حول هذا الموضوع استخدام البذور المحوّرة وراثيا، والتي تزيد من اعتماد المزارعين على هذا النوع من البذور، حيث أنها مُهجََّنة ولا يمكن إعادة إنتاجها بل يجب استيرادها من طرف القسم الأكبر من الدول النامية .

كما يعتبر الأمن المائي مكون ضروري للأمن الغذائي، خاصة في دولة مثل المغرب التي تتعرض للظروف المناخية  المختلفة وتستخدم الري بشكل مكثف.

إن توفير كمية مناسبة من الاحتياط الغذائي على المستوى الوطني إجراء حكيم، خاصة في الظروف التي تدعو للشك. ومع ذلك فمن المهم أن تؤخذ بعين الاعتبار تكاليف احتياطات الغذاء مقارنة بطرق تحقيق الأمن الغذائي الأخرى. لذلك وجب على الحكومات أن تحكم على وسائل الأمن الغذائي بناء على الظروف المحلية والعالمية. وفي الواقع فإن الحكومات تتمتع بخيار الوصول إلى الأسواق العالمية من خلال مقارنة تكلفة ذلك الخيار كبديل للاكتفاء الذاتي أو كمكمل له فيما يتعلق بالسلع الغذائية المختلفة. إلى جانب هذا، فإن  التوزيع العادل للدخل والثروة  يؤدي عادة إلى العدالة الاجتماعية وإلى التنمية الاقتصادية والأمن الغذائي، بالرغم من أنه برأي الكثير من الاقتصاديين فإن تمركز الثروة يمكن أن يؤدي إلى استثمارات أكبر. كما أن تحقيق الأمن الغذائي من خلال التنمية الشاملة يستوجب تحقيق التوازن بين التدخل الحكومي وتدخل القطاع الخاص. وقد أكد التاريخ أنه لا يمكن لأي من القطاعين العمل بمفرده في مواجهة تحديات التنمية الاقتصادية بشكل فعال. كما نشير  إلى إمكانية  مشاركة البحث العلمي الفعالة في زيادة الأمن الغذائي. ومع ذلك فإننا نؤكد على بعض  التحفظات، نظرا لأن إمكانية البحث تتركز في الدول المتقدمة، وأن التشريعات والممارسات الحالية المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية ليست مصممة بحيث تأخذ  بعين الاعتبار مصالح الدول النامية.

أخيرا نشير إلى أن مسألة الأمن الغذائي والتنمية الزراعية استقطبت اهتماما كبيرا على كافة المستويات العالمية والعربية والوطنية، سواء من الجوانب النظرية والأكاديمية أو الجوانب التطبيقية والإجراءات العملية. وسبب هذا الاهتمام ليس فقط أن الغذاء حق لكل مواطن وهو جوهر بقاء الإنسان، بل نظا لفشل الجهود المبذولة في تجاوز المشكلة الغذائية التي تعاني منها الكثير من الدول. فقد دخلت أوضاع الزراعة والغذاء في بعض الدول ومنها العربية منذ منتصف السبعينات مرحلة حرجة وإلى حدود يومنا هذا مثلما هو عليه الأمر في الصومال، تمثلت في تنامي وتنوع الطلب على السلع الزراعية والغذائية، نتيجة الجفاف وزيادة السكان الطبيعي المتأتي من ارتفاع معدلات النمو السكاني والزيادة غير الطبيعية نتيجة الهجرات القسرية، وتحسن وزيادة الدخول الفردية. وقد نجم عن هذا الوضع تفاقم العجز الغذائي وتقلص نسب الاكتفاء الذاتي الذي كان يشكل محور الأمن الغذائي، حيث كانت السياسات الزراعية تهدف إلى زيادة نسب الاكتفاء الذاتي من السلع الغذائية الرئيسية باعتبار أن مفهوم الأمن الغذائي كان ينصب على الاكتفاء الذاتي ويقاس بتلك النسب، وبالتالي اللجوء إلى الاستيراد من الخارج لسد هذا العجز مما أدى إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية، الأمر الذي يشكل عبئاً على الموازنة العامة للدولة.

 والوطن العربي، كوحدة جغرافية أو كدول منفردة، مستورد صاف للغذاء، لذلك وجب التعاون والتشارك بين الدول العربية لتبادل السلع الغذائية وتنمية زراعاتها حسب خصوصيات كل دولة في إطار تكاملي من شأنه ضمان تحقيق الأمن الغذائي للعرب جميعا.

التنمية والأمن الغذائي
التنمية والأمن الغذائي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz