التنظيمات العلمانية في الوطن العربي لم تستسغ الخيار السياسي للشعوب العربية وتحاول جني ثمار ربيعها

9734 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 17 أكتوبر 2012، تشهد البلاد العربية التي عرفت شكلا من أشكال حراك الربيع سواء كان ساخنا أم كان باردا أو فاترا مؤخرا تحركات محمومة للتنظيمات العلمانية التي لم تستسغ الخيار السياسي للشعوب العربية خصوصا تلك التي راهنت على حكومات من تشكيل أحزاب ذات توجهات إسلامية. ومعروف عن هذه التنظيمات العلمانية في الوطن العربي أنها تضم في صفوفها خليطا من التيارات الفكرية والثقافية المختلفة والتي تجتمع حول رفضها للإسلام كنظام سياسي ، وتصر على أن تقصيه من الحياة العملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ، و تجعله حبيس طقوس تعبدية فقط ، وهي لا تعترف إلا بالدين الطقوسي ، ولهذا ترفض بل تعادي الأحزاب السياسية ذات التوجهات الدينية. وتحاول العلمانية في البلاد العربية التمويه عن موقفها الحقيقي من دين الإسلام حتى لا تتهم بإضمار العداء له ، والحقيقة غير ذلك ،لأن وجودها يتوقف بالضرورة على إقصائه من الحياة العملية . وخلافا لذلك العلمانية الغربية التي تجاهر برفض الدين علانية ، وهو ما يجعل العلمانية في الوطن العربي في حرج ، وعبارة عن ضرب من النفاق المكشوف. وإذا ما كانت العلمانية الغربية لا تشعر بحرج حين تصرح علانية برفض الدين لأن الدين المسيحي حسب تأويل أصحابه يقبل بالوضعية الطقوسية والكهنوتية التي تقصيه من الواقع ومن الحياة. والإنسان الغربي يستطيع أن يجمع بين الممارسة العلمانية للحياة ، وبين ممارسة الطقوس الدينية في أوقات محدودة لأن شعاره هو : ” ما لله لله وما لقيصر لقيصر ” . وخلاف ذلك الإنسان المسلم الذي ينطلق من خلفية مفادها أن دينه الإسلامي هو منهاج حياة ، وهو يلابسها في كل آفاقها ومجالاتها ، ولا يمكن الفصل في دين الإسلام بين ما لله و ما لقيصر لأن الإنسان المسلم ينطلق من قناعة مفادها أنه خلق من أجل أن يختبر في حياته العملية بكل ما فيها من سياسة واجتماع واقتصاد وثقافة وغير ذلك أمام خالقه الذي لا يعزب عنه من أمره شيئا مهما دق ، وشعاره هو : ” الدين المعاملة ” أي الدين ممارسة الحياة العملية ، وهنا يكمن سر الخلاف بين الأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية ، والأحزاب ذات المرجعيات العلمانية في الوطن العربي على وجه الخصوص . ولا يمكن أن يحل هذا الإشكال بالسهولة التي يتصورها كل طرف من الطرفين . وما أظن التجربة التركية السابقة زمنيا ستكون متيسرة في الوطن العربي الذي لا زالت ظروفه بعيدة زمنيا عن ظروف تركيا التي عرفت نوعا من التعايش بين الإنسان المسلم والإنسان العلماني الواضح العلمانية . ولا زال الإنسان العلماني في الوطن العربي لا يستطيع التخلي عن قناعه أو نفاقه عندما يتظاهر بالمرونة في التعايش مع الممارسين للإسلام . ومن تداعيات عدم استساغة التنظيمات العلمانية للنتائج المتمخضة عن الربيع العربي، وعلى رأسها وصول أحزاب ذات توجهات إسلامية إلى مراكز صنع القرار التحركات الأخيرة لهذه التنظيمات العلمانية ، ونذكر منها شد الحبل في تونس بين العلمانيين والإسلاميين حيث بدأت المناوشات في المجالات التي يتقاطع فيها التصور الإسلامي مع التصور العلماني ، وهي مجالات سياسية واجتماعية وثقافية. ولما كانت التنظيمات العلمانية لا تؤمن إلا بالإسلام الطقوسي الحبيس في المؤسسات الدينية ، وكانت التنظيمات الإسلامية على خلاف ذلك تؤمن بالإسلام السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي ،فإن الاحتكاك بينهما صار حتميا خصوصا وأن التنظيمات العلمانية تتوجس من وصول التنظيمات الإسلامية إلى مراكز صنع القرار الشيء الذي يعني في نظرها أن توجهها العلماني سيحاصر بالممارسة الإسلامية للحكم . وهذا ما جعل العلمانية ومنذ أول يوم وصلت فيه الأحزاب الإسلامية إلى مراكز صنع القرار تسارع إلى التشكيك في كفاءاتها وقدراتها ،لأنها تنطلق من قناعة مفادها أن الدين مجاله هو الطقوس وليس الممارسة الحياتية . والعلمانية في تونس وهي التي تربت بين أحضان النظام الفاسد المستبد الذي انهار بسبب الربيع التونسي ، وكانت تستقوي به على الإسلاميين، بل كانت راضية بسياسة التنكيل والاعتقال والنفي التي كانت تمارس ضدهم، بل كانت تشمت بهم ، وتستغل مصائبهم من أجل فوائدها ، تحاول اليوم أن تدفع في اتجاه خلق صراع بين المؤسسة العسكرية والأمنية وبين الإسلاميين من أجل إعادة سيناريو المشهد الجزائري حيث صادر الجيش نتائج انتخابات الجبهة الإسلامية للإنقاذ ، وأدخل البلاد في حرب أهلية سالت فيها الدماء مدرارا . وفي هذا الإطار تعمدت العلمانية في تونس تأويل تصريحات زعيم حزب النهضة راشد الغنوشي الذي كان يحذر السلفية التونسية من مصير الجزائر إلا أن العلمانيين تصرفوا في تصريحه من أجل تأليب الجيش والأمن عليه ، والترويج لفكرة عدائه المبطن لهما ، وهو ما جعل المؤسسة العسكرية في تونس تسارع إلى التصريح بأنها تنأى بنفسها عن الصراع السياسي بين مختلف التوجهات السياسية في البلاد ،لأنها تعي جيدا دلالة ما تمخض عنه الربيع التونسي. وغير بعيد عن تونس وفي مصر التي تسبق غيرها من بلاد الربيع العربي في المجال السياسي ظهر العلمانيون في ساحة التحرير ، ونقلوا صراعهم مع الإخوان المسلمين من مستوى التلاسن إلى مستوى العراك الدموي. وعندنا في المغرب لا تفوت التنظيمات العلمانية فرصة دون أن تختلق صراعا وخلافا مع الحكومة الإسلامية باعتبار رصيدها من أصوات الاقتراع لا باعتبار تحالفها مع غيرها. وبين الحين والآخر تختلق هذه العلمانية مواطن احتكاك من خلال إثارة قضايا سياسية واجتماعية وثقافية وفكرية من أجل أن تثبت وجودها ، وتقوم بالدعاية لإيديولوجيتها التي تقوم على أساس العلمانية البديلة عن الإسلام. ولا يخلو بلد عربي عرف الربيع بشكل من الأشكال من هذه التحركات العلمانية التي كانت تود لو أن الإنسان العربي راهن عليها عوض أن يراهن على التنظيمات الإسلامية، علما بأن الشعوب العربية المنتفضة على أنظمتها الفاسدة والمستبدة كانت تعتبرها إلى حد ما أنظمة محسوبة على العلمانية ، كما كان حال النظام التونسي والنظام المصري حيث كانا يرجحان كفة الطرح العلماني على كفة الطرح الإسلامي باعتبار تبعيتهما للغرب العلماني ومحاولة إرضائه ليس غير ،لا باعتبار قناعتهما . وحقيقة التنظيمات العلمانية في الوطن العربي هي أنها وجدت نفسها في حالة شرود مع حلول الربيع العربي ، وفوجئت بما لم تكن تتوقعه، وهو قبول الغرب العلماني والأنظمة العربية السائرة في فلكه اضطرارا وليس خيارا للأمر الواقع، وهو وصول التنظيمات الإسلامية إلى مراكز صنع القرار ، ومن سوء حظ هؤلاء أن التغيير بدأ بأرض الكنانة التي هي طليعة البلاد العربية وقلبها النابض . وفي الأخير لا بد من الإشارة إلى أن الغرب العلماني لا يدخر جهدا في مؤازرة ومساندة التنظيمات العلمانية في الوطن العربي من أجل أن يواجه هيمنة التنظيمات الإسلامية التي أوصلها الربيع العربي إلى مراكز صنع القرار. ولن تكون مفاجأة أبدا أن يصفي كل من في قلبه مثقال ذرة من هوى علماني الحساب مع التنظيمات الإسلامية بشكل من الأشكال تصريحا أو تلميحا أو حتى تمويها ، وستكثر مستقبلا نقط الاحتكاك بين المعسكرين سواء على مستوى التلاسن أم على مستوى العراك كما كان الحال في ميدان التحرير بمصر. وقد يكون الغرب قد أعد مؤامرة من أجل أن يحول مسار الربيع العربي ليصير حروبا طائفية وأهلية على غرار ما مر بالجزائر من أجل مصالحه الاستراتيجية لا قدر الله .

التنظيمات العلمانية في الوطن العربي لم تستسغ الخيار السياسي للشعوب العربية وتحاول جني ثمار ربيعها
التنظيمات العلمانية في الوطن العربي لم تستسغ الخيار السياسي للشعوب العربية وتحاول جني ثمار ربيعها

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz