التطرف والإرهاب نتيجة حتمية لحكم الأنظمة الشمولية في البلاد العربية

65730 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “التطرف والإرهاب نتيجة حتمية لحكم الأنظمة الشمولية  في البلاد العربية”

تعقد الأنظمة  العربية  بين  الحين والآخر مؤتمرات  من أجل  تدارس  سبل محاربة  ما يسمى  التطرف والإرهاب. والمقصود  بالتطرف  تحديدا  هو خروج أفراد أو فرادأ في مجموعات  متدينة  عن  التدين  الرسمي  الذي تتبناه هذه الأنظمة العربية ، كما  يقصد بالإرهاب خروج  بعض الأفراد أو المجموعات عن أنظمتهم  و حملهم السلاح  ضدها . وعند  البحث  في  المعاني  اللغوية  لكلمتي  تطرف  وإرهاب  نلاحظ  أن التطرف  هو مصدر فعل  تطرف الشيء  إذا صار طرفا، وهو منتهى كل شيء. والمتطرف  من  البشر  هو من جاوز حد الاعتدال ، ولهذا تعتبر  الأنظمة العربية  ما تتبناه  من  عقائد  اعتدالا ، ومن  تجاوزها  كان  متطرفا  في نظرها . أما الإرهاب  فهو مصدر  فعل أرهب  بمعنى  خوف ـ بتضعيف الواو ـ  ويقال  : ” فلان أرهب عنه  الناس بأسه  ونجدته ”  أي أن  بأسه  ونجدته  حملا الناس على  الخوف  منه . وفي الذكر الحكيم  يقول  الله  تعالى : ((  وإياي فارهبون ))  كما  يقول : (( والذين هم لربهم  يرهبون ))  أي يخافون الله  عز وجل . وشتان  بين هذا المعنى  والمعنى  الرائج اليوم  في العالم  عموما  والعالم  العربي  خصوصا  حيث  صار الإرهاب  يطلق  على ممارسة الإجرام والعداون و العنف  بدوافع  سياسية  تتذرع بالدين . ومعلوم  أن فعل أرهب  في اللغة العربية  يعني  التخويف فقط ، ولا يعني ممارسة  العنف  أو القتل . وكثيرا ما يخطىء  بعض  المنتسبين  للدين في  تأويل قول الله  عز وجل : ((  وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله  وعدوكم  وآخرين  من دونهم لا تعلمونهم الله  يعلمهم )) ، فالمقصود  بهذا الخطاب  هو إعداد القوة عددا  وعدة بغرض التخويف  فقط ، لا بغرض العدوان ، لأن العدو  لا يجرؤ على  التفكير  في  غزو  المسلمين  وهو  يرى  ما أعدوه من قوة  عددا  وعدة ، ويكفى   إعداد القوة  ليحصل  الإرهاب  أي التخويف الرادع للعدوان  ، وليس  العدوان الفعلي  . والملاحظ في زماننا أن الدول  الخمسة  الكبرى التي  تملك قوة نووية  ترهب  غيرها  أي  تخوفه فلا  يجرؤ  على  مهاجمتها ، ولا يجرؤ على  العدوان  على من  تحميه ، ومع ذلك  لا يقال  عنها  أنها دول  إرهابية أي تخوف  غيرها  من الدول . ومن أمثلة  إرهاب  الدول حماية  النظام  الدموي  السوري  من طرف  روسيا  والصين  بسبب  مصالحهما  بحيث  لم  تجرؤ  دول  مثلهما  على  الإجهاز عليه  لأن إرهاب  الروس  والصين  يحول  دون ذلك . وتسعى  دولة  إيران  لتكون  دولة  إرهابية من خلال  امتلاك قوة  نووية لترهب  أعداءها وخصومها على  غرار  الكيان  الصهيوني  الذي  يملك  قوة  نووية  يخوف  بها  أعداءه  العرب  والمسلمين . وعند التحليل  العميق   نجد أن  استعمال لفظتي  تطرف  وإرهاب  تستعملان  بشكل  مائع  أو فضفاض ، ذلك  أن  مفهوم  التطرف  إنما يكون  باعتبار اعتدال  العقائد  التي  تتبناها الأنظمة  العربية ، وهو اعتدال  صوري فقط  إذ  كيف   تكون  العقائد المختلفة  من  سنية  وشيعية  ،وسلفية ،و وهابية و إباضية  وإمامية  و طرقية  … إلى غير ذلك   مما تتبناه الأنظمة  العربية من هذه  العقائد حسب التصنيفات  المختلفة  كلها معتدلة . فما هو معيار  الاعتدال ؟ أهو  مجرد تبني  نظام من الأنظمة  لعقيدة  من العقائد  ؟  ولهذا  نجد تهمة  التطرف تلصق  بكل من لم  يلتزم  العقيدة  التي يختارها نظام البلد  الذي  يعيش فيه . أما مفهوم الإرهاب  فقد أشارنا  إلى  أنه  يطلق  على حمل  السلاح  ضد الأنظمة ، وعلى ممارسة  العنف  والإجرام بغض  النظر  عن الذرائع  وراء  ذلك . والحقيقة  أن  التطرف  والإهاب  إنما  هما  نتيجة  حكم  الأنظمة  العربية  الشمولية  ،ذلك  أن  هذه  الأنظمة  تمارس  التطرف  على طريقتها من خلال  اختيار  عقائد  معينة  تضفي  عليها  صبغة  الشرعية ، وتعتبرها  اعتدالا  لا يجوز  الميل عنه أو تجاوز حده ، ولا  تسمح  بهوامش  حرية  الاعتقاد، الشيء  الذي  يحمل  أفرادا  وجماعات  على  تجاوز  العقائد الرسمية  التي  تتبناها هذه الأنظمة . وإلى جانب ذلك  تغيب الحريات العامة  في ظل الأنظمة  العربية  الشمولية،  الشيء الذي  يحول دون  ممارسة  بعض  الأفراد  والجماعات  حقوقهم السياسية ، فيفضلون ممارسة  المعارضة المسلحة  في غياب السماح  لهم  بالمعارضة  السياسية  والفكرية ، وبحملهم  السلاح  واستعماله ضد  أنظمتهم  يدخلون في دائرة الإرهاب بمعنى  العنف والإجرام لا بمعنى  التخويف  فقط . والواقع  أن  الأنظمة العربية  الشمولية  التي  تضيق  على  الحريات  العامة  باستعمال  القوة  تمارس  هي الأخرى  الإرهاب  بمعنى  العنف  والإجرام لا بمعنى  التخويف فقط ،الشيء  الذي  يتخذ منه  بعض  الأفراد  وبعض الجماعات  ذريعة  لتبرير  ممارستهم  للعنف والإجرام . وتوظف  الأنظمة  العربية  الشمولية  تهمتي  التطرف  والإرهاب  من أجل  تصفية  خصومها  السياسيين  والمعارضين  لسياستها ، وهو  أمر  تلقفته  عن  الدول الغربية الكبرى التي  توظف  التهمتين  معا  لنفس الغرض  خصوصا  مع تأييدها للكيان  الصهيوني  ومساندته  بلا حدود على حساب  أصحاب  الحقوق  الضائعة  الذين  صاروا  تحت  طائلة  تهمتي  التطرف  والإرهاب . وتقصر  الدول  العربية  الشمولية  حلولها  لمعالجة مشاكل الخارجين  عما تفرضه  من معتقدات  ، والمتمردين  عليها بواسطة  العنف  على  المقاربات  الأمنية  وبحث  التحالفات  في  إطارها  ، وهو إطار  ضيق  لا يمكن  أن  يفضي  إلى  معالجة  حقيقية  لهذه المشاكل. وعلى رأس المقاربات الناجعة التخلص  من  الاستبداد  ومن نماذج  الحكم  الشمولي لأن ذلك  سيوفر هوامش عريضة  لممارسة  الحريات  العامة  ، ويقضي  على  التطرف  ، وعلى  العنف  المتولد  عنه .  وكثيرا  ما  يستهوي التطرف  والعنف  الطبقات  المعوزة التي تعيش  مهمشة  اقتصاديا ، ولهذا لا مندوحة  عن التفكير في  المقاربات  الاقتصادية  الناجعة أيضا، و التي  تقلص  من  الفوارق  الاجتماعية  ، وتجفف  بالفعل  منابع  التطرف  والعنف . أما  اعتماد  المقاربات  الأمنية  والعسكرية  وحدها  فهي الينابيع الأساسية للتطرف  والعنف اللذين يراد تجفيفهما كما يقال . ولن تفيد الأنظمة العربية  الشمولية كثرة  المؤتمرات  التي  تراهن  على  المقاربات الأمنية  وحدها . ولقد عرت ثورات الربيع  العربي  أنظمة شمولية  لم  تفدها مقارباتها  الأمنية  شيئا  أمام هذه  الثورات  العارمة . ومع سقوط نماذج من هذه  الأنظمة  بسبب  هذه الثورات  لا  زالت  أنظمة  أخرى  تسير على  نفس النهج الذي  كانت  تسير  عليه  مثيلاتها  التي  زالت ، بل  حاولت  بعض  الأنظمة  الزائلة  العودة  من جديد  كما هو  الحال  في مصر ، وحاول  البعض الآخر أن  يصمد في وجه  الثورة  كما هو الحال  في سوريا ، علما بأن  النظامين  الحاليين  في مصر وسوريا  ومن  ينهج نهجهما لن  يزيدا  إلا بلة في طين  التطرف  والعنف . ولا شك  أن  الأنظمة  التي  أقرت  عودة  النظام  الزائل  في مصر  تساهم  في  تفجير  منابع  التطرف  والعنف  مع أنها  ترغب  في القضاء  عليهما  ، وهي   تعلم  علم اليقين  أن المقاربات  الأمنية  لن  تجديها نفعا  ، وأنه  لا بد لها  من ممارسة  الديمقراطية  الحقيقة ، وليست  الديمقراطية الصورية أو ديمقراطية  الواجهات  كما تسمى . ولن  يفيد الأنظمة العربية  أن تساير الطروحات الأمنية  الغربية  بخصوص  ما  يسمى  التطرف  والإرهاب لأن  سياسة الدول الغربية  تجاه  القضية  الفلسطينية هي  صانعة  هذا التطرف، وهذا الإرهاب  من خلال  تحيزها الكامل  للكيان  الصهيوني  على حساب  الحق  الفلسطيني  والحق  العربي . وتجفيف  التطرف  والإرهاب في  منطقة  الشرق  الأوسط  رهين  بتغيير  السياسة  الغربية  المتحيزة  للكيان  الصهيوني كلية . ولو كانت  المقاربة  العسكرية  مجدية  لنفعت  الكيان  الصهيوني  الذي  وجد عن  طريق  القوة والعنف ، وهو  يواجه  على الدوام عنفا  مضادا  لا سبيل  للتخلص منه  سوى  رد  الحقوق  المسلوبة  إلى  أصحابها . ولا مندوحة  للأنظمة  العربية  من مراجعة  مواقفها  من  أساليب  المقاربات  الأمنية وحدها  بعيدا  عن  مقاربات  سياسية  واقتصادية  وفكرية  وثقافية  لتجفيف  ما  تسميه  التطرف  والإرهاب .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz