التطرف الديني رد فعل على غياب تحكيم الدين في الحياة العامة/ وجدة: محمد شركي

191447 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “التطرف الديني رد فعل على غياب تحكيم الدين في الحياة العامة”

اطلعت  على  فحوى  الحوار  الذي  أجراه موقع هسبريس مع  المدعو  يونس السريفي الموصوف  بأنه مختص في الجماعات الاجتماعية والدينية بمناسبة  حلول ذكرى أحداث 16 ماي  الإرهابية،  وهو حوار تركز  حول  ظاهرة التدين في المغرب  من خلال ممارسات بعض  الجماعات  المختلفة  المرجعيات   من  سلفية  وطرقية  وشيعية  وحركية… ، ومن خلال  وصاية  الدولة  على  الدين . والذي أثار  انتباهي  في  هذا الحوار أنه تناول هذه  الجماعات المحسوبة على الدين بعيدا وبمعزل عن  غيرها  من الشرائح الاجتماعية بغض الطرف عن طبيعة علاقتها  بالدين قربا أو بعدا  . ويبدو  من خلال  تصريح السريفي  أن  وصاية  الدولة المغربية  على  الدين  تتأثر بعوامل  خارجية  من قبيل  الثورة الإيرانية  وأحداث الحادي عشر من شتنبر … ، وأحيانا بعوامل  داخلية  من قبيل  أحداث 16 ماي . وهذا المختص  أو  الخبير ـ علما بأن  الاختصاص  أو  الخبرة  تحيل على  العلم  بما خفي  ، فهل  اختصاص  هذا الرجل  يعني تغلغله داخل  الجماعات الإسلامية أم أنه يكتفي  بالانطلاق من تنظير زعمائها  ، وهو تنظير قد لا  يصرح  بالأهداف  الحقيقية  ويعتمد  نوعا من  التقية  كما هو حال الاتجاه  الشيعي مثلا  ـ  لم يتناول الأسباب  الحقيقية  وراء  ظهور  وتنامي  ما يسمى  التطرف  الديني  خصوصا  لدى  الجماعات  التي  تراهن  على  العنف كوسيلة للتغيير، والتي تورطت في  أحداث 16 ماي  وغيرها  من أحداث  العنف . فمن  المعلوم أن  طبيعة  التدين  تقتضي  من  المتدينين الحرص على  التزام ضوابط الدين  الذي يدينون  به  ، وكلما  حدث  تجاوز لهذه  الضوابط  تولدت لدى  هؤلاء المتدينين  ردود  أفعال  تختلف  من حيث  حدتها . ولنضرب  على ذلك  بعض الأمثلة . فالدين  الإسلامي  يحرص على  استقامة  الإنسان  من خلال  بعض السلوكات  من قبيل المحافظة  على  سلامة  العقل ،  وسلامة  العرض ، وسلامة المال، لهذا  يحرم  الخمر  باعتبارها  مهددة للعقل  ، ويحرم الزنا باعتباره  مهددا للعرض  ، ويحرم السرقة  باعتبارها  مهددة للمال  ، وشرع  عقوبات  لهذه المهددات  تتراوح  بين  الجلد  والرجم  وقطع  اليد . وعندما  يلاحظ المتدين  شيوع  هذه  المهددات في مجتمعه  مع غياب  العقوبات  التي حددها  الدين  أو مع  وجود عقوبات  وضعية  بديلة  عنها  ينتشأ لديه  رد فعل  إما أن يقتصر على مجرد الامتعاض والشعور بالصخط   أو  يتعدى  ذلك  إلى شدة  الانفعال  والتفكير  في  التدخل  العشوائي لتصحيح  ما يعتبر  انحرافات دينية  أو شرعية . وتأتي ردود الأفعال  على تغييب شرع الإسلام  متباينة  بين أوساط  المتدينين  حسب  حظهم من الاطلاع  النظري  على الدين . والملاحظ   أن  أصحاب  الحظ  المتواضع من هذا الاطلاع هم  الذين  يميلون  نحو  التدخل  العشوائي لتصحيح ما يرونه  خروجا عن  الشرع  ، والغالب  أن يكون هذا  التدخل  عنيفا  . وغالبية المتورطين  في  العنف  أو  الإرهاب  باسم  الدين  مستوياتهم  الدراسية  جد متواضعة  ، لهذا   حمل  المنظرون لهم  مسؤولية  تورط  هؤلاء في  العنف. فعندما  يقدم  التنظير الديني  تعاطي الخمر  والزنا  والسرقة  كمعاص أو كبائر تستوجب  إقامة  حدود  معينة ، ولا  يجد المتدينون  من أصحاب  المستويات  المتواضعة  أثرا  لهذه  الحدود  في  المجتمع  بل يجدون  حدودا  وضعية  مختلفة عما يوجد في  التنظير يصابون  بالإحباط  ، ويبدأ  التفكير عندهم  في  ما يعتقدونه  تصحيحا  للانحراف  عن طريق  ممارسة  العنف  الذي  يلتبس  لديهم  بالجهاد  ويضفون عليه  الشرعية  الدينية خصوصا  إذا  كان  المنظرون لا يحذرون  أتباعهم  من  مغبة  هذا التصرف  ، ويكتفون  في تنظيرهم  بإدانة  ما يخالف  الشرع  دون  التعرض  لطرق  التصحيح  الشرعية  ، وتحديد  الجهة المؤهلة  لممارسة   هذا التصحيح . ومن  التنظير   ما يشعر  أصحاب  المستويات  التعليمية  المتواضعة  أنهم  مسؤولون عن  تغيير أوضاع  العالم  الإسلامي ، لهذا  يفكر  هؤلاء في  الرحيل إلى  المناطق  الساخنة  من هذا العالم  من أجل  تبرئة  الذمم  ولقاء الله  عز وجل دون غضبه  كما  يلقنون ذلك نظريا. والغائب  في  حوار المختص السريفي  هو  دراسة  الشرائح الاجتماعية  الأخرى  التي  لا تلتزم بالتدين  على  الوجه  الصحيح  ، والتي  تعتبر ممارساتها  استفزازات  للمتدينين خصوصا  المندفعين  عاطفيا  والذين   تكون  لهم ردود  أفعال عنيفة  على هذه  الاستفزازات . فعندما   تضمن  حرية  التعبير على سبيل المثال لا الحصر للبعض  النيل من الشرع  الإسلامي  من قبيل  انتقاد أنصبة  الميراث  ، والتعدد …. دون وجود ما يمنع  من  التعريض  بالشرع  لدى الجهات  الرسمية، فإن ذلك  يفتح  الباب  على  مصراعيه  لردود الأفعال  التي  توصف  بالتطرف  الديني  دون  أن توصف الأفعال  المثيرة أو  المسبب لها  بالتطرف  بل   تدرج ضمن  حرية  التعبير  ، وفي هذا  استفزاز  واضح للفئات  المتدينة  التي  تشعر  بالغبن . وبناء على هذا  لا بد من  الاعتراف بأن  ما يسمى  التطرف  الديني لدى بعض  الجماعات  المحسوبة  على  التدين هو عبارة عن  ردود  أفعال  على أفعال  متطرفة أيضا لدى  فئات  اجتماعية  أخرى  لا تراعي  المشاعر  الدينية  لغيرها من  الفئات  المتدينة . ويمكن  فهم  ميل  بعض  الشرائح الاجتماعية إلى نوع من  التدين  عن  طريق  فهم  ما تعانيه  من  مركبات  نقص . فالميل  إلى التشيع  لدى  شريحة  من  الجالية المغربية  سببه  الشعور  بالظلم   لأنها  شريحة  اضطرت  لمغادرة  أرض  الوطن  بسبب  الحاجة  ، واستغلت  في   مهجرها ، وهو  نوع  آخر من  الشعور بالظلم  ، ثم  عندما  تعود إلى أرض  الوطن  تجد نفسها  تعاني  نوعا  آخر من الظلم  يتمثل  في استغلالها  اقتصاديا واعتبارها  مجرد مصدر  لجلب  العملة  الصعبة ، لهذا  تجد  في عقيدة  التشيع  السلوى ، وهي  عقيدة  الشعور بالظلم  والنياحة   والتفكير  في  الانتقام   عندما  تحين الفرص ، والتقية  قبل  أن تحين  هذه  الفرص . كما أن  الميل  إلى  السلفية  لدى شريحة  أخرى ، وهي  في الغالب   شريحة  تعاني  الفاقة  والتهميش ومحدودية  المستوى التعليمي سببه انتشار مظاهر  التفسخ الأخلاقي  خصوصا  لدى  الفئات  الاجتماعية  الموسرة  التي  لا يعنيها التدين  في شيء  ، ولهذا  تفكر  شريحة  السلفية  في الانتقام من  غيرها  عن  طريق استهداف  أماكن  الفئات  الموسرة  بالعنف  الأعمى  الذي  يقوده  الحقد الطبقي . ويعتبر الميل  إلى الطرقية  لدى فئات  أخرى  تعبيرا  عن رد فعل  على  حياة  الطرف  لدى  الطبقات  الموسرة  بطريقة  مخالفة  لطريقة  الفئات  السلفية  العنيفة  حيث  تلجأ  الفئات  الطرقية  إلى  عالمها  الطوباوي  الغارق  في  الأحلام  والخيال  والوهم ، ولهذا  تتجنب  منهج  العنف  ،  ومن ثم تتجنب  سخط  الدولة  عليها بل تحظى  بعطفها لأنها تنأى بنفسها عن  مشاكسة  هذه الدولة  وإثارة  المشاكل لها  بسبب  انتقادها  للأوضاع السياسية  والاقتصادية والاجتماعية  كما تفعل  الفئات  المتدينة الأخرى  السلفية  والحركية  والشيعية . وأخيرا  لا بد  من الإشارة إلى  أن  وصاية  الدولة على الدين  يجب  أن تراعي  ضوابط  هذا  الدين  وشرعه  من أجل  منع  كل ردود  الأفعال  السلبية  على  غيابه   أو سوء  تطبيقه لدى  مختلف  الجماعات المحسوبة  على  الإسلام  من خلال  شكل  من أشكال الممارسة  الخاصة  التي تكون وراءها خلفيات  ودوافع   سياسية  واقتصادية واجتماعية .  وجدة: محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz