الترجمة في الوطن العربي

36661 مشاهدة

الجناتي محمد دكتور باحث في العلوم القانونية والإدارية والسياسية/ وجدة البوابة : وجدة في 11 أبريل 2012،

—–للترجمة من وإلى اللغة العربية دور مهم في التطور والنمو المعرفي والتواصل الثقافي والحضاري بين الأمم والشعوب. كما أن الترجمة تعتبر أحد الأسس المهمة التي قامت عليها حضارتنا الإسلامية الرائدة؛ وبدون ترجمة ـ خصوصاً الترجمة العلمية ـ لا يمكن لعالمنا العربي أن يبني مجتمع المعرفة، خاصة في العصر الحالي الذي يوصف بعصر الانفجار المعرفي والثورة الرقمية.

—–إن الترجمة تعد من أهم القضايا الثقافية والفكرية الضرورية لتهيئة مجتمعاتنا العربية للدخول في مجتمع المعرفة والتعريف بنا لدى الآخرين. “ولو تتبعنا حركة الترجمة في عالمنا العربي، سوف نلاحظ للأسف التراجع الشديد فيها، حيث لم تحظ بالاهتمام والرعاية والانتشار الذي تستحقه، بالرغم من المحاولات والجهود الرسمية والفردية التي تستحق الإشادة. كما نلاحظ أن هناك تعددا في الترجمات لنفس النص، مما يهدر الجهود وخاصة في ترجمة الكتب العلمية، التي تعاني من ندرة المترجمين المتخصصين والمتمكنين من تبسيط حقائق العلم من دون إخلال بالمعنى.

—–و قد ظهرت في السنوات الماضية عدة أصوات ناقدة لواقع الترجمة في الوطن العربي، وذلك على إثر معلومات نشرت في تقرير التنمية الإنسانية العربية تقارن حال الترجمة للعربية مع مختلف لغات العالم. ورغم تشكيك البعض بصحة الأرقام التي نشرت، يبقى التأكد من صحة ما نشر من عدمه معلقاً في ظل عدم وجود قواعد معلومات دقيقة حول قطاع الترجمة للعربية، مع تأكيد الكثيرين على أن حال الترجمة من العربية وإليها يعاني الكثير من المشاكل والمعوّقات التي لا يمكن إنكارها . ولعل الحديث عن الترجمة في الوطن العربي يرتبط بشكل أو بآخر بمستوى التطور العلمي والتقني الذي تعيشه البلدان العربية، ومدى إدراك المفكرين العرب لأهمية ما ينشر باللغات الأخرى لدفع عجلة التقدم إلى الأمام، من خلال نقل المعرفة العلمية وتوطينها، وما للكتاب المترجم من وسيلة للاطلاع على ثقافات وفنون الشعوب الأخرى. الأمر الذي دفع العديد من الباحثين العرب إلى القيام بترجمة العديد من الكتب إلى العربية بمجهود فردي القصد منه تعريف القارئ العربي بالجديد من العلوم . وعلى الرغم من أهمية هذه الجهود الفردية في الترجمة، إلا أن البعض يرى أن سيطرتها على المشهد العام قلل من الأهمية المعوّل عليها من الترجمة، ذلك أن الكتاب المترجم يكون في الغالب خاضعاً لأهواء المترجم واهتماماته الفردية، في وقتٍ تحتاج فيه الأقطار العربية لعملية ترجمة ممؤسسة وممنهجة تكشف عن مجالات الفقر في المعرفة بالعربية. ولعل ظهور العديد من المشاريع والمؤسسات التي تعنى بالترجمة في مجموعة من الدول العربية خلال السنوات الماضية، يمكنه أن يلعب دوراً في سد العجز المؤسسي الذي يعاني منه قطاع الترجمة في الوطن العربي.

—–من خلال هذا المقال سنحاول التطرق إلى موضوع الترجمة في الوطن العربي، مثيرين الأسئلة التالية :

ـ ماهي مؤسسات الترجمة بالوطن العربي ؟

ـ ماهي التحديات التي تواجه أعمالها ؟

ـ ما السبيل إلى تنشيط حركة الترجمة داخل الدول العربية ؟

ـ هل تحظى عملية الترجمة بالتشجيع اللازم للنهوض بالمشهد الثقافي العربي ؟

أولا: مؤسسات الترجمة في الوطن العربي

ـ مؤسسات الترجمة في المغرب و تونس

—–توجد في الوطن العربي عدة مؤسسات تهتم بالترجمة ، ففي المغرب نجد المركز المغربي للتعريب والتوثيق في الرباط، و هو مؤسسة تابعة لوزارة الثقافة؛ واهتم في السنوات الأولى من تأسيسه بتعريب المقررات الدراسية في المغرب على مستوى جميع القطاعات التعليمية، وبعد ذلك أصبح المركز أهم جهة في المغرب للترجمة والتوثيق والنشر. كما توجد أيضا مدرسة الملك فهد العليا للترجمة في طنجة، وهي مؤسسة أكاديمية تتبع لوزارة التربية والتعليم العالي، وتهتم بتدريب المترجمين في اللغات الأوروبية. إضافة إلى مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي في الرباط ، و الذي أنشئ عام 1961 بهدف توحيد جهود الدول العربية في مجال التعريب وتوحيد المصطلح العلمي وإيجاد القواميس ثنائية وثلاثية اللغات في فروع المعرفة المختلفة. والمكتب تابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، وينشر جميع أعماله في مجلة اللسان العربي، كما يقوم بخزن المصطلحات العربية في بنك المصطلحات التابع لشركة سمينز في ميونخ بألمانيا. وأخيرا نشير إلى وجود معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط، وقد أنشئ عام 1961،وهو هيئة وطنية مغربية يسعى إلى صنع أسس منهجية عامة لمعالجة المصطلحات، ويقوم المعهد بخزن المصطلحات العربية في بنك المصطلحات التابع لوكالة الفضاء الأوروبية في فراسكاني بإيطاليا. كما أنشئت تونس منذ سنوات هيئة تسمى بيت الحكمة، وتتولى شؤون التعريب، وتضم أساتذة جامعيين في تخصصات متعددة، وتشرف على ترجمة الكتب ونشرها كما تعالج مسائل التعريب. إضافة إلى وجود المعهد العالي للتربية التابع لوزارة التربية. ويتولى هذا المعهد إيجاد المقابل العربي للمصطلحات الأجنبية وذلك لاستعمالها في مختلف مراحل التعليم في تونس.

مؤسسات الترجمة في مصر و العراق و سوريا

—–تضم مصر عددا من اللجان والإدارات والهيئات التي تهتم بالترجمة، وتتبع إلى جهات حكومية أو غير حكومية. وكل منها يركز على جانب من جوانب المعرفة و يترجمها إلى العربية أو يترجم من العربية إلى اللغات الأخرى، و نذكر منها : ـ لجنة الترجمة المنبثقة عن الهيئة العامة للكتاب، وتهتم بترجمة الأعمال الأدبية والفكرية العالمية إلى اللغة العربية.

ـ الهيئة العامة للاستعلامات، وهي إحدى هيئات وزارة الثقافة وتهتم بترجمة كل ما يصدر باللغات الأجنبية عن مصر والعالم العربي والإسلامي والإفريقي في الصحف والمجلات الأجنبية.

ـ لجنة التأليف والترجمة والنشر، وهي هيئة تابعة للمجلس الأعلى للفنون والآداب، وتهتم هذه اللجنة بترجمة الأعمال الإبداعية من اللغات العالمية.

ـ لجنة الترجمة بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتهتم بترجمة الأعمال الإسلامية العربية إلى اللغات الأوروبية والإسلامية والإفريقية.

ـ إدارة الترجمة برئاسة الجمهورية، وتهتم بالترجمات السياسية والأمنية من وسائل الإعلام المختلفة على مستوى العالم.

ـ لجنة الترجمة التابعة لمجمع اللغة العربية بالقاهرة، وتهتم بترجمة المصطلحات الفكرية والعلمية والتقنية التي تخدم الأعمال المعجمية.

ـ مركز الأهرام للترجمة العلمية، وهو مركز متخصص في الترجمة العلمية والتقنية تابع لمؤسسة الأهرام المصرية بالقاهرة، ويترجم البحوث والدراسات ووثائق الأمم المتحدة بمختلف منظماتها، وله مشاركة في معالجة قضايا الترجمة ومشاكلها ونشاط في مجال ترجمة الكتب التقنية والعلمية.

الترجمة في العراق و سوريا

—–أنشئ في العراق مجمع اللغة العراقي عام 1947م . وقد أشرفت على عملية التعريب في الجامعات العراقية هيئة عليا أنشأت مركزا للتعريب يتابع العملية مركزيا وينسق ويضع الدراسات والتقارير ويعد لوائح التشريعات في كل ما يتعلق بالتنفيذ. وألفت لهذا الغرض لجان علمية في التخصصات الرئيسية، تختار بإشراف المركز المؤلفين والمترجمين من بين مرشحي الجامعات، وتسمي كتب الترجمة وفق المناهج المقررة. كما ألفت لجان فرعية في الجامعات والمعاهد لمتابعة تنفيذ عملية الترجمة والتعريب. أما في سوريا فقد أسس المجمع العلمي العربي بدمشق، الذي سمي فيما بعد بمجمع اللغة العربية بدمشق عام 1919م. وقامت سوريا بحملة تعريب منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وألف فيها عدد كبير من الكتب النفيسة، وتدرس المواد العلمية في جامعات سوريا باللغة العربية منذ وقت طويل.

—–إن مؤسسات الترجمة هاته، في معظم الدول العربية، تهدف إلى تنشيط حركة الترجمة، وإثراء المكتبة العربية بالكتب المترجمة في مختلف مجالات الفكر والمعرفة.

ثانيا: التحديات التي تواجه عملية الترجمة في الوطن العربي

—–تواجه حركة الترجمة في الوطن العربي عدة تحديات مرتبطة بدوائر ثلاث: الأولى هي دائرة الإرادة السياسية، أي دائرة من يصنع القرار، والدائرة الثانية هي دائرة المترجم وعملية الترجمة كعملية نقدية. والدائرة الثالثة هي دائرة المتلقي، أي المجتمع الذي تتم الترجمة له. بالإضافة إلى مسألة جد مهمة وهي الذاكرة الثقافية التي نتعامل معها.

—–فالإرادة السياسية تلعب دورا مهما في تفعيل وتنشيط حركة الترجمة في الوطن العربي. ذلك أن الإرادة السياسية غير قادرة لحد الآن على التعامل مع الذاكرة الثقافية بطريقة إيجابية، حيث نجد الكثير من الجامعات العربية مازالت عبارة عن مدارس ثانوية لا أكثر ولا أقل، ويندر أن نجد جامعة عربية تهتم بالأبحاث وتدعمها. إذ تحول الأساتذة هناك إلى مجرد مدرسين وليسوا باحثين. من تم وجب تحديد موقعنا عبر عملية نقدية شاملة تضع الأصبع على مكامن الداء بغية تجاوزه. وللدلالة على الدور المركزي للإرادة السياسية في تنشيط حركة الترجمة يكفي أن نشير إلى أن تأسيس دار الحكمة من طرف الخليفة العباسي المعتصم كان له الدور الكبير في ازدهار عملية الترجمة في مختلف العلوم والفنون. لذلك ما أحوجنا إلى فاعل سياسي بحجم و بجرأة السلطان المعتصم حتى يعيد للترجمة بريقها وإشعاعها.

—–و بخصوص الدائرة الثانية التي تؤثر في عملية الترجمة في العالم العربي و هي دائرة المترجم، هناك تحد مرتبط بالجهة التي تتولى عملية الترجمة. ففي حقيقة الأمر إن من يقوم بالترجمة عليه أن يكون خريجاً من معاهد متخصصة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل كل من تخرج من جامعة متخصصة بإمكانه تولي عملية الترجمة ؟ إن واقع الحال يشير إلى أن الكثير من المترجمين يعملون في الترجمة، مع أنهم حاصلون على شهادات من روافد وجامعات أخرى بعيدة عن حقل الترجمة، وهؤلاء طورّوا مهاراتهم إلى أن أصبحوا مترجمين، في ظل وجود مشكلة هيكلية وهي أن الرافد بمعنى المعهد والجامعة، عاجز عن إمداد المجتمع بمترجمين أكفاء. حيث أثبتت التجارب أن الأعداد هائلة من الشباب خريجي هذه المعاهد والجامعات لا تصلح للعمل في الترجمة إلا بعد جهود هائلة من التدريب . لذلك فإن هذه الهيآت والمؤسسات مدعوة إلى الاقتراب أكثر وبشكل حقيقي من دورها المتمثل أساسا في تزويد المجتمع بأشخاص جاهزين فوراً للعمل في الترجمة. إن الجهود المؤسساتية المهتمة بالترجمة جد ممتازة، وتشكل رعاية للمترجم ولمشروع الترجمة، لكنها قليلة في بلادنا العربية، كما أن الجهود الفردية ليست دائما سيئةً. وهناك أمثلة لمترجمين أفراد أغنوا وأثروا الثقافة العربية بجهودهم الفردية. بل نكاد نجزم بأن الترجمة الفردية في الأعمال الإبداعية أفضل من الترجمات المؤسساتية، لهذا كان من المهم التنسيق بين المؤسسات المعنية بالترجمة في كامل ربوع الوطن العربي، و تشجيع البحث المهتم بهذا المجال. ذلك أن المثقف لم يعط بعد المكانة اللائقة به في مجتمعاتنا، حيث نجد في عالمنا العربي مترجمين ومثقفين لا يستثمر أحد في مشاريعهم الثقافية الفكرية المتعددة. إذ المثقف لا وزن له، على عكس التاجر وصاحب رأس المال. وهذا إشكال في حد ذاته يعيق عملية الترجمة، حيث أنه إذا لم نحترم الثقافة، كيف إذاً سنشجع على إنتاج فكر وإنتاج معرفة من خلال الترجمة ؟ والملاحظ اليوم أن مثقفينا العرب فقراء وهم يعانون من الفقر أكثر فأكثر. وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على عدم احترام العمل الثقافي و على رأسه عملية الترجمة.

—–وحينما نتحدث عن الدائرة الثالثة التي تواجه حركة الترجمة في العالم العربي و هي دائرة المتلقي، فلابد من العمل على تشجيع القراءة و تشجيع عقد صالونات أدبية، من أجل حفز دافعية المجتمع للاهتمام بالقراءة أكثر، لأن القراءة أكثر تعني إقبالا أكثر على اقتناء الكتب، و تعني رواجا أكثر، و نشرا أكثر، وترجمة أكثر فأكثر. و هكذا، فالحركة تبدأ والعجلة تدور.

—–ومن بين التحديات الأخرى التي تواجهها حركة الترجمة في الوطن العربي تحد الدافع. حيث غالبا ما يطرح المترجم على نفسه السؤال التالي: لماذا أترجم؟ أَ أُترجمُ لأن هنالك دافعاً للترجمة؟ إن التحدي الأساسي الذي يواجه المجتمع هو أن هذا الدافع مغيب، رغم وجود مؤسسات داعمة للترجمة ومحفزة للمترجمين، حيث يعتبر هذا الحافز في حقيقة الأمر غير كاف، لأن واقع حال الترجمة يثبت أن الذين يقومون بالجسم الأساسي لعملية الترجمة هم القطاع الخاص، هؤلاء يسعون إلى تحقيق أكبر عدد ممكن من المبيعات و جلب المزيد من الأرباح، دون إيلاء أدنى اعتبار لمسألة الجودة والمنفعة الاجتماعية والتنموية للأمة، ضاربين بشكل أساسي الحافز والدافع من وراء عملية الترجمة .

—–إضافة إلى كل ذلك، يشير العديد من المترجمين العرب إلى أن هناك تحد مهم يتعلق بدور النشر. ذلك أن العديد منها يلعب دوراً مهما في قتل نشاط الترجمة. إذ بعدما يقوم المفكر بترجمة كتاب معين ويذهب به إلى دور النشر قصد تبنيه، غالبا ما تصد هذه الأخيرة الأبواب في وجهه، مع أن الكتاب قد يكون نوعيا، و ذلك تحت ذريعة أن الكتاب نخبوي وأنه لن يستمر في السوق ولن يلق رواجا، و هذا من شأنه أن يصيب الكاتب بالكثير من الإحباط، و قد يدفعه إلى اعتزال الترجمة بالمرة. إذ كيف سيكرر التجربة بعدما بذل جهدا كبيرا و ضيع وقتا كثيرا في عمل لم يُكتب له أن يرى النور؟ لذلك وجب تشجيع المترجمين المبتدئين و تبني مشاريعهم و إصدار كتبهم.

ثالثا: سبل تنشيط حركة الترجمة في العالم العربي

—–يفتقر العالم العربي إلى وجود مشروع تنموي واضح وكامل يشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وإذا كنا نأمل في المستقبل بأن تنشط حركة الترجمة وتُفَعَّلَ، فيجب أن يكون هناك مشروع تنموي واضح ومخطط له وهادف ولديه سياساته واستراتيجياته التي يمكن أن تشق الترجمة طريقها من خلاله . لذلك وجب فك الارتباك بضغوطات السوق التجارية، ذلك أن التجربة أثبتت أننا غالبا ما نربط المعرفة بالسوق التجارية، ونترجم ما تحتاجه السوق. ولا يصح ربط المعرفة بالسوق، فالمعرفة بحد ذاتها منتوج إنساني ومن حق الإنسان التعلم واكتساب أفكار متنوعة دون وصاية و لا توجيه. ولنفترض أن السوق تحتاج اليوم إلى مجال معين من المعرفة، فتجدنا نركز فقط على ذلك، ثم نخرج أناساً أحاديي الرؤى، وهذا لا يجوز. وبالتالي لابد أن تكون المعرفة متعددة وشاملة. وقد كانت لنا مكانتنا نحن العرب في يوم من الأيام بسبب تعدد مشارب المعرفة؛ وحينما نذكر عالمين مثل الفارابي وابن سينا، نجد أنه كانت لهما اهتمامات متعددة في الطب والموسيقى والرياضيات والفلك. لكن اليوم للأسف نجد أن بعض المؤسسات ركزت على الجوانب التي لها علاقة بالإدارة والاقتصاد، وأهملت الجوانب المعرفية الأخرى، في حين يفترض أن تكون الترجمة متعددة وأن لا تقتصر على مجال واحد فقط . كما يجب مأسسة عملية الترجمة، لأن تنشيط حركة الترجمة يحتاج إلى مؤسسات للترجمة في الوطن العربي تعمل على إعداد برامج تدريب مختصة لمترجمين مختصين، ولا تكتفي فقط بتدريس نظريات الترجمة، بل لابد أن تعمل على تدريس الترجمة بشكل كامل، باللغة العربية واللغة الفرنسية والإنجليزية وغيرها، حتى تنقل النصوص المترجمة إلى اللغة العربية بطريقة إبداعية تكشف عن المعنى الأصلي وتضعه في أسلوب عربي صحيح ودقيق. كذلك وجب توحيد المصطلحات في الوطن العربي، إذ يلاحظ وجود مصطلحات كثيرة في شرق الوطن العربي وغربه، فبعض المصطلحات في المغرب العربي قد تبدو غير مألوفة في المشرق العربي، لذلك كان من الضروري التقعيد للمصطلحات والأخذ بعين الاعتبار وضع القواميس اللغوية، بحيث تتناول كافة المصطلحات الرائجة في الوطن العربي. كما يجب مراجعة القواميس و العمل على مواكبتها للغة و للتطورات الحاصلة في علم اللسانيات.

—–إن الكثير من كليات الترجمة تؤهل الطلاب إلى الترجمة العامة، بينما الترجمة المتخصصة غير موجودة، إذ ليس المفروض أن يكون هناك مترجم لكل مادة، بل يجب العمل ضمن مجموعات تخصص، وهذه النظرة إلى الترجمة ضرورية جداً من أجل الوصول إلى توحيد المصطلح، خاصة في الميادين العلمية التي تعرف نقصا حادا على مستوى الترجمة من اللغات الأخرى إلى اللغة العربية.

—–هذا ويجب على الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية ممارسة دورها في تنسيق حركة الترجمة في الوطن العربي ووضع حد لفوضى الترجمة، ذلك أن القارئ قد يفاجأ بوجود أكثر من ترجمة عربية للكتاب الواحد، ومنها ما هو رديئ. حيث تزدهر المعارض الدولية للكتاب بالدول العربية بعدد من الترجمات لنفس العمل الأدبي، من بينها مثلا مسرحيات شكسبير بطبعات وأحجام مختلفة لمترجمين مجهولين، لا يميز القارئ من بينهم إلا الترجمة المصرية لعبد القادر القط ومحمد عناني وترجمة الروائي الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا، كما توجد أكثر من ترجمة لأعمال جبران خليل جبران، وصدرت ترجمتين للجزء الأول من السيرة الذاتية للكاتب الكولومبي “غابرييل غارسيا ماركيز” الحائز على جائزة نوبل عام 1982، وتأتى الترجمتان السورية والمصرية لهذا الكتاب بعد أقل من ثلاثة أشهر على صدوره في كولومبيا. وفي الذكرى السنوية لتفجيرات 11 سبتمبر، صدرت ثلاث ترجمات لكتاب “الخدعة المرعبة” للكاتب الفرنسي تيري ميسان، اثنتان في القاهرة وواحدة في بيروت . إن تعدد الترجمات جهد ضائع، وأبرز مثال على ذلك كتاب عالم اللغويات السويسري دي سوسير “منهج في اللغويات”، الذي ترجم ثلاث مرات في ثلاث دول عربية، والأفضل أن تترجم ثلاثة كتب بدلا من هذا الجهد الضائع. كما أن رواج بعض الكتب المترجمة يغري بعض الناشرين بالسرقة، نظرا لعدم وجود مساءلة أو متابعة. ففي الستينيات لم يتردد ناشر لبناني في نشر ترجمة حرفية لمسرحية شكسبير “تاجر البندقية” التي أنجزها الشاعر المصري مختار الوكيل، ووضع على الغلاف اسما وهميا(غازي جمال)، وهذا يجعلنا لا نستبعد أن تكون بعض الترجمات المطروحة لأسماء لا وجود لها.

رابعا: تشجيع جهود الترجمة في الوطن العربي—–إن جهود ومشاريع الترجمة الكبيرة الواعدة والرائدة تستحق التقدير والإشادة، ولكنها تتطلب أيضا التعاون الجاد والتنسيق فيما بينها، حتى لا تتبدد الجهود. ولن يتم هذا إلا من خلال المراجعة الدقيقة للكتب قيد الترجمة الآن، إذ أن هناك بعض الكتب التي سبق وترجمت، من خلال مؤسسات رسمية أو أهلية أو فردية. ويمكن دعم مؤسسات الترجمة و الأفراد المترجمين للاستفادة من سلسلات الترجمة العربية واسعة الانتشار، ومن الدعم المادي الذي تقدمه مؤسسات الترجمة الرسمية في عالمنا العربي في إعادة إصدار بعض الترجمات للكتب المتميزة التي لم تحظ بالانتشار، وصدرت عن دور ومؤسسات نشر أهلية أو جهود فردية، حتى تصبح في متناول الجميع. كما أن العالم العربي مطالب بالاهتمام بواقع الترجمة ودعم المؤسسات المعنية ودعم الجهد الفردي، و تأهيل كليات الترجمة وتوفير الترجمة المتخصصة ، وذلك قصد خلق توازن في عملية الترجمة، بما يضمن إنجازها في الحقول الأدبية والعلوم الإنسانية، فضلاً عن الحقول العلمية (الفيزياء، الرياضيات إلخ)، كما يجب إعادة النظر في الكتب المترجمة إلى اللغة العربية، والاهتمام باللغة الأم وإثراؤها، وتحديد وتوحيد المصطلحات في اللغة العربية أثناء عملية الترجمة، و توفير وتطوير معاجم من الإنجليزية إلى العربية تستجيب للتطور الثقافي المُتسارع الذي يشهده العالم. ويجب كذلك الترويج إعلاميا للكتب المترجمة، حتى تأخذ جهود الترجمة ما تستحقه من العرض والنقد والتحليل الجاد في وسائل الإعلام المختلفة، من خلال إقامة الندوات الثقافية والبرامج الإذاعية والتليفزيونية، لزيادة الاهتمام بها وتحقيق الانتشار، مع استخدام الكتب المترجمة في تنظيم مسابقات للطلاب والجمهور في القراءة المنظمة أو الحرة لمعرفة وقياس مدى فهمهم واستيعابهم لها، وخاصة الكتب العلمية المترجمة التي لم تأخذ قدرها بعد من الاهتمام الذي تستحقه. وهذا لن يتم إلا من خلال إعلام متميز يسير جنباً الى جنب مع حركة الترجمة، حتى يتحقق الهدف المرجو منها. إن ضرورة تشجيع جهود الترجمة في الوطن العربي مسألة تقتضيها المرحلة الحالية التي تعرف تضاؤل حجم ما يترجم من أعمال مقارنة بدول أوروبية صغيرة كاليونان التي تترجم ضِعْفَ ما يترجم في جميع الدول العربية، و المقدر ب 350 عمل في السنة.

—–إن قضية الترجمة من والى اللغة العربية، أصبحت ضرورة عاجلة تتطلب أن تستنفر لها كافة الجهود والإمكانات العربية الرسمية والأهلية والفردية، وبخاصة في العصر الحاضر للدخول في عصر المعرفة، وللتعريف بنا ورد المزاعم التي تروج ضدنا، مع ضرورة تنسيق الجهود والتواصل وتبادل الخبرات بين مؤسسات ومشاريع الترجمة العربية، من خلال استحداث موقع الكتروني على شبكة الإنترنت تحت إشراف ورعاية جامعة الدول العربية، يضم كل أعمال الترجمة السابقة والحالية والمستقبلية التي قامت وتقوم بها مؤسسات الترجمة الرسمية والأهلية والجهود الفردية في عالمنا العربي، وذلك للرجوع إليها دائماً حتى لا تتبدد جهود الترجمة، مع وضع قاعدة بيانات تضم كل ما ترجم ومتى ترجم وأين ترجم، فضلا عن إمداد الناشرين والمترجمين بأحدث ما يصدر في العالم من كتب تستحق الترجمة، بدلا من ترك هذا الأمر للاجتهاد الشخصي أو المصادفة التي تضع كتابا مهما أمام ناشر أو مترجم، حتى تكون لدينا إحصاءات رسمية صحيحة عن نسب ومعدلات الترجمة في عالمنا العربي، لتحقيق الفائدة والثمار المرجوة من مشاريع الترجمة العربية الحالية والمستقبلية.

—–إجمالا نقول إن حركة الترجمة لا تتم في فراغ، ولا تتم بمزاجية، وإنما تتم استجابةً لنهر الحياة، ابتداءً بالمترجم الذي يترجم في المحاكم، وانتهاءً بترجمة أحدث الكتب العلمية، وبالتالي هي جزء من احتياجات المجتمع. إن التحدي الأساسي لحركة الترجمة هو أن تكون جزءاً من نهر الحياة، وأن تحل المشكلات، وأن تتعامل بشكل حاسم مع قضايا يواجهها المجتمع ولابد لها من حل . كما أن عملية الترجمة ترتبط بشكل كبير بعملية التنمية، فإذا كان نشاط الترجمة متخلفاً فإن واقع التنمية سيكون متخلفا أيضا، ذلك أن الترجمة هي جزء من حركة المجتمع ونشاطه .

الترجمة في الوطن العربي
الترجمة في الوطن العربي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz