التحاق العلماء بالرفيق الأعلى خسارة عندما لا يتجه التفكير في تعويضهم

12289 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة في 16 ماي 2012،  لبى نداء ربه العالم الجليل والوقور فضيلة العلامة الشيخ الغازي الحسيني  رحمه الله عز وجل الذي كان علما شامخا من أعلام العلم في العاصمة العلمية فاس. وهذا الشيخ الجليل هو نموذج لعلماء جامعة القرويين  أقدم جامعة في العالم ظلت تطرد دياجير الجهل لقرون يوم كان الناس تائهين في ظلماته . ولقد ندب هذا العالم نفسه لخدمة الإسلام بأسلوب السلف الصالح في  الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والتيسير والترغيب .

فما كان رحمة الله عليه يشق على أحد إذا ما استفتاه في أمر دينه  أو دنياه ، وكان يأخذ الناس باللين والرفق والرحمة والعطف . ولا زلت أذكر خطبه المتميزة بمسجد تونس بفاس وأنا طالب بكلية الآداب. ولقد كان الطلبة أمثالي يقصدون مسجد تونس من أجل الاستماع والإنصات إلى هذا العالم الجليل الذي كان على دراية كبيرة بمشاكل الأمة وهمومها. وكانت تحدث أحداث مختلفة في وطننا الغالي ، وكنا نترقب الجمعة لنتابع رأي عالمها الجليل فيها  على منبر الجمعة .

فكم من تصورات خاطئة صححها هذا العالم الجليل  بتوجيهاته النيرة الكابحة لنزق الشباب واندفاعه . ولا يمكن أن ينسى المغاربة برنامج ” ركن المفتي ”  لفضيلة العلامة المرحوم الغازي الحسيني  ، وفضيلة العلامة المرحوم محمد الداودي،  الذي كان  يذلل الصعوبات الفقهية للشعب المغربي  من خلال الإفتاء عبر الشاشة . ومع شديد الأسف  وبالغ الحسرة توقف هذا البرنامج الرائد  فجأة دون أن يعرف الشعب الأسباب الكامنة وراء توقفه .

فكم  دل فضيلة العلامة الشيخ الغازي الحسيني الناس على أبواب الخير ، وكم ساهم في توبتهم ، وكم أصلح ذات بينهم ، وكم فرج كربهم وهم يواجهون المتاعب  في حياتهم .ولقد كان رحمة الله عليه طبيبا نفسانيا بامتياز يعالج الحالات المرضية  المستعصية  بفضل ما أتاه الله عز وجل من حكمة وسداد وتوفيق . وكان رحمة الله عليه يسدد ويقارب ، ولا ينتهر أحدا ، ولا يستخف  بأحد ، بل كان ينطلق من أسئلة الشعب البسيطة ليروي غلة مختلف الفئات حسب مستوياتهم في القضية المسؤول عنها  فينهل الجميع من منهله  الغزير.

وكانت له طريقة متميزة في  إعادة طرح الأسئلة حيث كان يتمثل حال السائلين بطريقة ذكية من أجل الإجابة الميسرة والمحفزة ، والمرغبة في تقوى الله عز وجل . وكان رحمه الله باختصار يكد ويسعى لتحبيب دين الله عز وجل للناس، وتحبيب الله تعالى لخلقه . فكم من تائب تاب على يد هذا الرجل الفاضل  بعد أن كاد اليأس يبطش به ، ويلقي به في  متهات الرذائل . وفي الوقت الذي كان فضيلة العلامة السيد الغازي الحسيني يواصل مشوارر الدعوة إلى الله عز وجل عبر منبر الجمعة والوعظ في بيوت الله  ، وعبر التدريس في كلية الشريعة ، وفي المعاهد الدينية ، وعبر برنامج ركن المفتي كان بعض السفهاء يسخرون من برنامجه عمدا لصرف الناس عنه حتى بلغ الأمر ببعضهم اتخاذه  مادة للتهريج البخس الرخيص في برامج منحطة  كان وراءها الحاقدون على الإسلام وعلى الدعاة إليه من أفاضل العلماء. ولم يهدأ لهؤلاء السفهاء بال حتى توقف هذا البرنامج في حين لم تتوقف البرامج التافهة والعابثة والمفسدة لفطرة الشعب المغربي . وعلى الوزارة الوصية عن الشأن الديني أن تحيي برنامج ركن المفتي وفاء لروح الفقيدين العلامة الغازي الحسيني والعلامة محمد الداودي واعترافا لما قدماه من خدمة لهذا الدين .

وبقي أن نقول إن أفضل ما نعزي به أنفسنا في فقدان علماء الأمة الربانيين  هو أن  نطمئن إلى أن خيار الناس وأكياسهم  في وطننا يفكرون بجد في تعويض هؤلاء بمن يحمل مشعلهم في الأمة لينيروا طريقها الذي لا يزداد إلا حلكة  في مستقبل الأيام . ولن نستطيع تعويض الخسارة الناجمة عن فقدان هؤلاء العلماء ، ولكن العزاء في بروز من يسد مسدهم  في العلم والدعوة إلى الله عز وجل ، والله تعالى قد تعهد  بحفظ كتابه ، ومن حفظ الله تعالى لكتابه إعداد من يبلغه من أهل العلم . ونسأل الله تعالى أن يتغمد عالمنا الجليل بواسع رحمته وشامل عفوه ، ويسكنه فسيح جنانه بجوار سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم  ، ويجازيه عن المسلمين  خير الجزاء ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .

التحاق العلماء  بالرفيق الأعلى خسارة عندما لا يتجه  التفكير في تعويضهم
التحاق العلماء بالرفيق الأعلى خسارة عندما لا يتجه التفكير في تعويضهم

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz