البحرين : بلد صغيرة بمشاكل كبيرة

14449 مشاهدة

بلدكم صغيرة في مساحتها وشعبها، كبيرة في مطالبها وضجيجها”. تلك الجملة، أو مضمونها ، تسمعه من سائح عربي ، أو عامل أجنبي، أو دبلوماسي عمل في البحرين، أو صحفي أجرى تحقيق أو كتب مقالا عن البحرين، تسمعها من سائق تاكسي أو من رئيس دولة مل من كثرة الضجيج حول “البحرين”. وفي آخر التطورات أطلقت السلطات البحرينية سراح 178 من الناشطين والمدافعين عن حقوق الإنسان.

علي عبد الإمامرحب كل من مركز البحرين لحقوق الإنسان وجمعية شباب البحرين لحقوق الإنسان بمبادرة السلطات البحرينية الى اطلاق سراح 178 من الناشطين والمدافعين عن حقوق الانسان، باعتبار انها خطوة في الاتجاه الصحيح، وتمنيا أن لا يكون قد تم استثناء احد منهم. وتوجه المركز بالتهنئة والتبريك الى المواطنين المفرج عنهم والى ذويهم، وبالشكر الى كل من ساهم منذ ديسمبر 2007 وحتى الآن في التحرك لاطلاق سراح هؤلاء المعتقلين وخصوصا الجهات الدولية والاقليمية من منظمات وجهات وشخصيات، والمدافعين عن حقوق الانسان في البحرين والمحامين الذين تطوعوا بجهدهم ووقتهم، والجهات والشخصيات السياسية والدينية التي بذلت جهودا في هذا الاتجاه، والاعلاميين في الصحافة المطبوعة والالكترونية على الصعيد المحلي والدولي الذين بذلوا جهودا كبيرة لخرق التعتيم والتشويه الاعلامي الذي قام بها الاعلام الرسمي والموالي والخائف، والجهات الشعبية التي ابرزت بالطرق المختلفة احتجاجها السلمية على حملات الاعتقال والتعذيب والمحاكمات غير العادلة والتي واجهتها السلطة بالمزيد من الاعتقالات، واساليب القمع المبالغ فيها مما ادى الى تفاقم الوضع الامني ووقوع الكثير من الاضرار والاصابات.

وأضاف المركز ان الفرح باطلاق سراح المعتقلين يجب ان لا ينسينا ضرورة مواصلة السعي لتحقيق المطالب التي دأبت جهات حقوق الانسان الوطنية والدولية على رفعها وهي:

– كشف حقيقة ماحدث: وذلك بالتحقيق المستقل والنزيهه في ظروف ودوافع اعتقال هؤلاء وحقيقة الاتهامات الموجهة ضدهم والنظر في شكاواهم المتعلقة بما تعرضوا له من تعذيب.– ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات من اجهزة وافراد وعزلهم من وظائفهم وتقديمهم للقضاء النزيه المستقل– جبر اضرار الضحايا والمتضررين، سواء المعتقلين انفسهم او ذويهم وجميع من تضرر على خلفية هذه القضايا– اتخاذ جميع الاجراءات اللازمة لضمان عدم التكرار: وذلك بإصلاح أجهزة الأمن والنيابة والقضاء، وحل جهاز الأمن الوطني( المخابرات)، وإصلاح التشريعات بالغاء قانون الارهاب والاصلاح الجذري للبنود المتعلقة بأمن الدولة من قانون العقوبات والقوانين المتعلقة بالجمعيات والتجمعات، وتفعيل مؤسسات وآليات الرقابة والمحاسبة التشريعية والحقوقية، وضمان استقلالية وحرية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة بما يمنع من استخدامها لدعم الانتهاكات ويعزز دورها في كشف الحقائق وفي الرقابة.– الشروع في حل جذور الأزمة التي تسببت في كل تلك الاحتقانات من خلال فتح باب الحوار مع قوى المجتمع المختلفة.

قراءة في التاريخ والسياسة في البحرين

تفاقمت الأوضاع الأمنية خلال السنتين الأخيرتين وخصوصا خلال الثلاثة أشهر الأخيرة في هذه الجزيرة الصغيرة القابعة في الخليج العربي ، وأصبحت المناوشات الأمنية شبه ليلية، والاعتصامات شبه يومية، وأخبارهم ضمن متابعات الصحف اليومية. الجميع يحاول الحصول على مصدر يروي له ما جرى قبل أن تحصل عليها صحيفة أخرى، وفي نفس الوقت، تتجاهل قنوات الدولة الرسمية ممثلة في الإذاعة والتلفزيون كل ما يمت بصلة بما يحدث من احتجاجات في البلاد.

تكونت الدولة في البحرين في عام 1971 بعد قرار الحكومة العمالية في بريطانية تخفيض المصاريف الخارجية عبر سحب بعض قواتها من بعض الأقاليم والخليج العربي تحديدا، وفي نفس الوقت أعلن شاه إيران مطالبه باستعادة البحرين كونها تاريخيا كانت تتبع الدولة الفارسية، وأجري استفتاء برعاية الامم المتحدة في البحرين حول تحديد المصير أعلن الشعب فيه تأييده لتكون دولة عربية ذات سيادة مستقلة غير تابعة لإيران، في وقت وعدت العائلة الحاكمة القوى الشعبية عن عزمها كتابة دستور شبيه بالدستور الكويتي لتنظيم العلاقة بين السلطة والشعب، وفي عام 1972 تم انتخاب نصف المجلس التأسيسي وتعيين النصف الآخر لكتابة الدستور، وفي عام 1973 تم انتخاب المجلس الوطني، ليتم حله في عام 1975 بعد أن تقدمت الدولة بمشروع قانون أمن الدولة الذي يجيز للدولة اعتقال اي شخص لمدة 3 سنوات قابلة للتجديد بدون محاكمة او تحقيق ، تبع ذلك تعطيل بعض مواد الدستور التي تجبر السلطة على اعادة الانتخابات للمجلس الوطني، ودخلت البحرين في دوامة من الاضطرابات والهواجس الأمنية، وسيطرت الدولة خلالها على كافة القوى السياسية المعارضة وقمعتها، ابتدأت بالحركات اليسارية والقومية، وانتهت بالحركات الاسلامية في ثمانينيات القرن الماضي ، وبالرغم من أن الدولة استفادات من الطفرة النفطية في السبعينيات مما ساعدها على بناء الدولة بناءا متماسكا من الناحية الأمنية والاقتصادية، إلا أن الممارسة السياسية كانت معدومة، وواقعا كانت البلاد كلها تدار من خلال وزارة الداخلية وضباطها ، حيث تم اكتشاف اكثر من عشرين محاولة انقلاب فاشلة عبر ضباط في وزارة الداخلية، لكن كل تلك المحاولات، كانت من خارج المنظومة العسكرية، ولم تطلق فيها رصاصة واحدة، وبعضها كانت عبارة عن معسكرات تدريب لصناعة الزجاجات الحارقة إما في قرية صغيرة في البحرين لا تتجاوز الثلاثة كيلومترات مربعة، أو في منطقة الحجيرة في سوريا .

في العام 1992 قدمت عريضة نخبوية وقع عليها أكثر من 300 اكاديمي ومثقف إلى الأمير السابق عيسى بن سلمان آل خليفة مطالبة بارجاع الحياة النيابية وتفعيل دستور 1973 من اجل مشاركة حقيقية للشعب في اتخاذ قراراته، فكان رد الأمير السابق، بإنشاء مجلس شورى معين من قبله يقوم بالأمور الاستشارية فقط لما تحيله إليه الدولة، وفي العام 1994 تم تدشين عريضة شعبية وقع عليها ما يقارب 25 ألف شخص مطالبة بتفعيل دستور 73 ، وقبل موعد تقديم العريضة تم اعتقال بعض رموز التحرك، مما حول المعركة من الجانب السلمي الضاغط، إلى الشارع المنفلت، إذ استمرت المرحلة الامنية الأعنف في تاريخ البحرين منذ 1994 حتى 1999، راح ضحيتها أكثر من 60 قتيلا من الجانبين السلطة والمعارضة، وأكثر من 15 ألف معتقل ، حيث تسلم الملك حمد بن عيسى آل خليفة الحكم بعد وفاة والده بصورة مفاجأة وأعلن عزمه على إجراء إصلاحات واسعة من أجل البحرين، وفي عام 2000 تم طرح ميثاق العمل الوطني، وهو ما كان بمثابة خارطة الطريق نحو الحياة الديمقراطية وأهم ما جاء فيه من تحولات، هو تحول نظام الدولة إلى النظام الملكي ، وانشاء مجلسين أحدهما معين بثلاثين عضو والآخر منتخب بثلاثين عضو ، ولانجاح المشروع تم اطلاق سراح جميع المعتقلين ورموز المعارضة والسماح برجوع كافة المبعدين، وإلغاء قانون أمن الدولة الذي لازال العمل به جاريا، وتعهد رسمي من الأمير حمد بن عيسى – لم يتم التحول إلى نظام المملكة بعد – بأن المعين للاستشارة فقط والمنتخب للتشريع، كما أنه أقر على أن أي تعديل في الدستور لن يمر إلا من خلال آلية دستور 73 ، وعليه توافقت معظم قوى المعارضة على التصويت بنعم للميثاق ، وتم تحصيل نسبة 98.4 % بنعم للميثاق

عاشت البحرين عاما امتد من فبراير 2001 إلى فبراير 2002 لأول مرة في ظل استقرار فعلي، ولأول مرة خلت سجونها من السياسيين، وفي فبراير 2002 قام الملك باصدار دستور للبلاد مخالفا ما تم التوافق عليه بين قوى المعارضة من أن أي تغيير يجب أن يمر من خلال الآلية الدستورية، وقد سحب الدستور الجديد – كما تقول المعارضة – الكثير من الصلاحيات والحقوق المكتسبة التي كان يتمتع بها دستور 73 وأصبح الوزراء مسؤولون أمام الملك في الوقت الذي كانوا مسؤولين أمام البرلمان، وتم انشاء مجلس معين له حق التشريع مساو للمجلس المنتخب في العدد، وفي حال اجتماع المجلسين يرأس الاجتماع رئيس المجلس المعين، في حين قال الملك، أن نسبة التصويت أعطتني الحق بتغيير الدستور وأن الاستفتاء هو لتغيير الدستور وليس للرجوع لدستور 73.

أصيب الشارع بصدمة كبيرة واحباط ، وتراجعت شعبية الملك بصورة حادة بعد أن كان يقود مشروع للاصلاح في الوطن العربي، ونتيجة لمخاضات ونقاشات طويلة قررت قوى المعارضة مقاطعة الانتخابات النيابية في العام 2002 ، ولكن بعض قوى المعارضة عادت وشاركت في انتخابات 2006تلك النبذة التاريخية تعتبر أهم المحطات التاريخية التي مرت بها البحرين منذ تكونها وكان الشيء الملازم لها هو عدم الاستقرار منذ تكونها، لكن حدة التوترات الأمنية حاليا مع ما يرافقه من عسكرة للمناطق الشيعية – حيث تقبع الآليات العسكرية بصورة ليلية منعا للاحتجاجات والاضطرابات المستمرة. ومنذ ديمسبر 2007 لحد الآن يقبع أكثر من مئة شخص ضمن قضايا أمنية لها ارتباط بالمشكل السياسي، تم اختتامها باعتقال الأمين العام لحركة حق الأستاذ حسن المشيمع ورفيقه في الحركة الشيخ محمد المقداد، وتم تقديمها للمحاكمة بتهمة انشاء وتمويل منظمة من شانها اثارة الاضطرابات في البلد وارسال عناصر للتدرب في منطقة الحجيرة بسوريا على صناعة المولوتوفات .

وقد شددت الدولة من قبضتها الأمنية ممثلة بجهازيها الأمنيين، وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني، في قمع أي تحرك يظهر للعلن، وبدأت تتسرب أخبار من منظمات حقوقية محايدة حول تعرض الكثير من المعتقلين للتعذيب النفسي والجسدي ، وبقاء كثير منهم لأشهر ضمن الحبس الإنفرادي

تتلخص المشاكل في البحرين حاليا حول عدم التوافق بين قوى المعارضة والدولة على حلول للمشاكل التي تستفحل، ففي الوقت الذي تشتكي البحرين من قلة الموارد المادية والاقتصادية ، وضيق المساحة للسكن، يتم تجنيس الآلاف سنويا ، وبحسب المعارضة فإن التجنيس بقصد تغيير التركيبة الديموغرافية ذاك الاغلبية الشيعية ، وبحسب الدولة فإن التجنيس قانوني ، ومن ضمن المشاكل ما عرف بتقرير البندر الذي كتبه صلاح البندر مستشار رئيس الوزراء سابقا حول خلية من كبار افراد العائلة الحاكمة تقوم بخطة مدروسة من أجل محاربة الوجود الشيعي في البحرين، وهو ما نفته الدولة وقامت بتقديم الدكتور صلاح البندر لمحاكمة غيابية بعد طرده من البحرين بتهمة سرقة أوراق من الدولة، ويشتكي الشيعة دائما من التهميش والتمييز ضدهم، فمن أصل 22 وزيرا ، هناك 11 وزيرا من آل خليفة ، 7 وزراء سنة ، والباقي شيعة وزير واحد منهم لديه حقيبة ، كما أن الشيعة ممنوعون من العمل في أي مؤسسة أمنية او مراكز حساسة في البلد، في الوقت الذي تقول الدولة أنها لا يمكن أن تثق فيمن يتظاهر دائما ضدها، ويشتكي الشيعة أيضا من التهميش في المؤسسات الدينية والتربوية، وفي تزوير الدوائر الانتخابية والتي بحسب التوزيع العادل كان يجب أن يحصل الشيعة على ما نسبته 60 الى 70 بالمئة من مقاعد البرلمان بينما يمثلون حاليا 40 بالمئة بالرغم من أن عدد الأصوات التي استطاعوا تحصيلها خلال الانتخابات الماضية 62 بالمئة من مجموع أصوات الناخبين.

البحرين : بلد صغيرة بمشاكل كبيرة
البحرين : بلد صغيرة بمشاكل كبيرة

تعودت البحرين منذ القديم، أنها ما إن تتعرض لمشكلة سياسية حتى تفتعل مشكلة أمنية من اجل إفشال أي تحرك سياسي وتحويل المعركة إلى معركة أمنية، وفي هذا الوقت، الذي تسمع أصوات الطائرة العمودية في معظم الاوقات، وصور قوات مكافحة الشغب الأجنبية منتشرة عند مداخل القرى ، في هذا الوقت الذي تشم فيه روائح المسيلات ، ويصاب الأطفال بشظايا أسلحة تستخدم في صيد الطيور، وأصوات أنابيب غاز يتم تفجيرها، وادعاءات هنا وهناك بالتعذيب وانتهاكات حقوق الانسان، هناك أصوات عاقلة تدعو ليل نهار، من خلال كل المنابر والقنوات المفتوحة، إلى تفعيل أدوات الحوار بين السلطة والشعب بغية الخروج من الأزمة الأمنية، وحل المشكل السياسي بالحوار، عبر توافق جميع الأطراف لا عبر القوة وسياسة فرض الأمر الواقع

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz