الانتهازية هي السر وراء التشبث بالمناصب والمهام بعد انتهاء مدد شغلها القانونية/ وجدة: محمد شركي

224083 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: تعرف المجتمعات العربية  ظاهرة التشبث بالمناصب والمهام بعد انتهاء مدد شغلها القانونية ،الشيء الذي يعكس تخلفا ثقافيا لدى  هذه  المجتمعات مقارنة بغيرها من المجتمعات الأخرى . والتشبث بالمناصب والمهام في البلاد العربية  يبدأ بأعلى المناصب  والمهام مرورا  بكل المناصب والمهام المختلفة دونها  إلى أدنى  منصب  أو مهمة مصنفين  في  أدنى درجات السلم الاجتماعي . ولا يشغل  الإنسان العربي منصبا  أو مهمة  ما  دون أن يتشبث بهما بعد انتهاء  مدة شغلهما  القانونية لأنه يعتبرهما في لا شعوره  ملكا خاصا له أو حكرا عليه  دون سواه . ولا معنى في المجتمعات  العربية  لشيء اسمه  التناوب  على  المناصب والمهام . فالمناصب  الرئاسية  في الوطن  العربي على سبيل المثال  لا يحترم فيها مبدأ التناوب  ، ولا تحترم مددها  القانونية ، حيث  نجد الذين يحظون بمنصب  الرئاسة للمرة الأولى  يفكرون في شغله مرة ثانية ، ثم  يفكرون بعد ذلك في  تغيير دساتير بلدانهم التي تنص على تحديد مدد الرئاسة  من أجل البقاء فيها مدى الحياة ، وهكذا  ظهرت في مجتمعاتنا  ما يعرف بالرئاسة  مدى  الحياة  أي مدى حياة  المتشبث  بالمنصب ، وهذا من خصائص  الأنظمة الديكتاتورية  المستبدة  . ولا يزيح عن  كراسي  الرئاسة في  البلاد العربية سوى  الموت  ، ذلك أنه حتى المرض العضال لا يثني  المتشبثين  بهذه  الكراسي عن تركها  كما هو  الحال  في بلاد الجزائر حيث لم يتخل  رئيس  نصف مشلول  عن كرسي  الرئاسة بسبب  حب الرئاسة والتشبث بها . وما قيل عن  المناصب  الرئاسية  يصدق  على غيرها  من  المناصب والمهام إلى أدنها ترتيبا  . وكلما  علت المناصب  والمهام إلا  وازداد  التشبث  بها ، والسر في ذلك هو  الطمع  فيما توفره  هذه  المناصب  من امتيازات مادية  ومعنوية ، الشيء الذي  يعني  وجود دافع  الانتهازية وراء  التشبث  بها إذ لا يتشبث  بالمناصب  إذا لم تكن وراءها انتهازية تروم  مصالح  وامتيازات  .  والانتهازية  من فعل انتهز  أي اغتنم  وهو  من الغنم  أو الغنيمة  ويقصد بهما  الكسب  الذي يؤخذ عنوة  ، وهو فوز بأشياء  بلا بدل .وتختلف  المناصب  والمهام  حسب  مددها  القانونية ، فبعضها  محدود في  بضع سنين  ،والبعض  الآخر قد يستمر شغله ما بعد انتقال من يشغله إلى منصب آخر أو مهمة  أخرى أو جهة أخرى  أو حتى إحالة  من يشغله  على  المعاش . وحتى  في  مثل  هذه  الحالة  الأخيرة يتشبث  في المجتمعات  العربية  بعض الذين  يحالون على  المعاش  بالمناصب والمهام  ، ويكون  السر في ذلك هو استفادتهم من امتيازات أو دافع الانتهازية . فعلى  سبيل  المثال لا الحصر  يتشبث  بعض مديري الأكاديميات  وبعض نواب وزارة  التربية  الوطنية  ، وبعض  مديري  المؤسسات  التربوية  ، وبعض  موظفي هذه الوزارة  ، وحتى الأعوان  منهم  والحراس بالمساكن  المرتبطة  بالوظائف  ، والتي من المفروض  أن ينتهي  شغلها  بمجرد  انتقال  أو  إحالة  من يشغلها  على  المعاش . ففي أكاديمية الجهة الشرقية  على سبيل المثال لا الحصر  تشبث  مدير أكاديمية  أسبق ، ولعله لا زال  يتشبث  بسكن  مجاور لمؤسسة  تربوية  طمعا  في  تفويته له  على غرار  ما فعل  بمساكن كانت في حيازة الوزارة وصارت  في حيازة  من انتقل أو أحيل  على المعاش  وفق مسطرة ما يسمى  التفويت . وظل نائب  أسبق  كذلك يتشبث  بسكن آخر  مجاور  لمقر نيابة  وجدة السابق  حتى  أخرج منه  عن طريق  القضاء  وبقوة القانون الذي  يطبق  في حالات ولا يطبق في أخرى مع شديد الأسف  . وإسوة  بمدير الأكاديمية الأسبق  والنائب  الأسبق  تشبث  رؤساء مؤسسات  تربوية  وحتى حراسها  بالمساكن  بعد انتهاء  مدة  خدمتهم إما بانتقال أو إحالة  على  المعاش . ووراء كل  حالات  التشبث  هذه يوجد دافع الانتهازية والمصلحة . والمثير  للسخرية  أن  يتحول  الانتهازيون  إلى فقهاء  يفتون  فيما  يعتبرونه  حقا مشروعا له  مصداقية  وهم يتشبثون  بما لا يحق لهم من  مناصب  ومهام ، وما يتعلق  بها من امتيازات . ولا يقتصر  الأمر  على التشبث  بالمناصب  بل  يشمل  حتى  التشبث  بالمهام حيث  لا  يجد البعض  غضاضة  في التشبث  بها  بالرغم  من كونها  تخضع  للتداول  بموجب  تعاقدات. ومما يثير الضحك  والسخرية  أن بعض المتشبثين  ببعض المهام  يغضبون من كل من ينتقد تشبثهم بها ، ويضمرون له  العداء  ، ويعتبرونه قاطعا لأرزاقهم ولا يبالون  بانتهازيتهم التي تحملهم على التشبث  بهذه  المهام  المدرة  لبعض  الامتيازات . والمجتمعات التي  تعرف ظاهرة  التشبث  بالمناصب  والمهام بعد انتهاء  مددها  القانونية  مجتمعات  متخلفة  بامتياز ، تسود فيها  العقلية التسلطية أو ما يسمى قانون الغاب ، وهو قانون  استئثار  الحيوان القوي  بالامتيازات  ، وهو قانون إذا وجد  ما يبرره في عالم الحيوان، وفلا مبرر له في  عالم  البشر  المكرم  بالعقل. فمتى  ستندثر  هذه الظاهرة  المكرسة للتخلف  في  مجتمعاتنا  العربية ؟

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz