الاتجار بمأساة الشعب السوري في مؤتمر جنيف 2

141773 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: يلاحظ كل من تابع وقائع الجلسة الافتتاحية  لما سمي مؤتمر جنيف 2 أن  الأمر يتعلق  بالاتجار بمأساة الشعب  السوري  الذي  قدم آلاف الضحايا، وسالت دماء أبنائه مدرارا ،  وقارب  عدد لاجئيه عدد لاجئي الشعب الفلسطيني . والمتتبع  لتشكيلة  الوفود التي حضرت  هذا المؤتمر  يلاحظ  وجود قطبين : قطب أمريكي  وآخر روسي ، وكل  الوفود إما  تحت  مظلة هذا  القطب  أو ذاك . والحضور السوري نفسه يخضع  لهاتين  المظلتين، ذلك  أن  وفد النظام تظلله  مظلة  الروس ، ووفد  المعارضة  تظلله  مظلة الأمريكان . و يختلف  القطبان ، ويتفقان في نفس الوقت ، أما اختلافهما  فبخصوص  بقاء أو  زوال النظام  السوري ، وأما  اتفاقهما  فبخصوص الاتجار  بمأساة الشعب  السوري مقابل  مصالحهما في منطقة الشرق  الأوسط  . ومن خلال  تتبع  كلمات القطبين  يتبين  أن  تفسير ما يحدث  في  سوريا  يختلف حسب  منظورهما . فمن  المنظور الروسي  يعتبر ما يحدث  في سوريا شأنا داخليا  تدخلت  فيه  دول أجنبية ، دون  أن تعتبر روسيا  نفسها  دولة  أجنبية  تدخلت  هي الأخرى  في الشأن السوري  بالسلاح والفيتو ، وأن  هذا التدخل  الخارجي  تولد عنه  ميلاد  الإرهاب  التكفيري ، وأن  النظام  السوري يتصدى  لهذا الإرهاب . وفي  نهاية المطاف  وحسب  التصور  الروسي  أن  النظام  السوري إنما يتعرض  لعدوان  الإرهاب،  وأنه  يمارس  حقه  الشرعي في  الدفاع  عن  النفس ، وأن  ذلك  شأنا داخليا  لا يعني غيره . أما من المنظور الأمريكي  فيعتبر  ما يحدث  في سوريا  عبارة عن قمع  النظام لحراك  شعبي  بدأ  سلميا  من أجل  مطالب  سياسية  محدودة  لم يصل  سقفها  إلى  المطالبة  بإسقاط النظام  أول  الأمر ، إلا أن  هذا  النظام  واجه  هذه  المطالب  الشعبية  السلمية  بالقمع  والقتل،  الشيء الذي  تولدت عنه  مقاومة  مسلحة  حاول  النظام  تسميمها  من خلال فسح  المجال  للعصابات  المسلحة الإرهابية  ، وذلك من أجل  تشويه  ثورة الشعب  السوري الثائر على استبداده عن  طريق  نسبتها  لتنظيم القاعدة  الذي هو  محل  إجماع المنتظم  الدولي  فيما يخص  التصدي له . والملاحظ  أن القطبين  معا يتحدثان  عن  الإرهاب  ، وكل من  النظام  والمعارضة  يتحدثان  عنه  كذلك ، ويعلنان  البراءة منه ، بل  يتراشقان  التهم  بخصوصه حيث   ينسبه  كل طرف  للآخر في ظروف  امتناع  الحقيقة  بسبب غياب  التغطية  الإعلامية  المحايدة  والنزيهة  ،وذلك  لضراوة  القتال . وكل  مجزرة  تحصل  في سوريا  يكون  لها دائما  تفسيران ، فهي  من وجهة  نظر  النظام  عمل إرهابي  للقاعدة التي  تمولها دول غربية  وعربية خليجية بدوافع طائفية سنية وهابية  ، وهي من  وجهة  نظر  المعارضة  عمل إرهابي للنظام  وشبيحته  ومن  يقاتل إلى  جانبه من  الإيرانيين واللبنانيين والعراقيين بدوافع  طائفية شيعية . والحاصل  في نهاية  كل عمل  إرهابي  هو وجود  ضحايا من  الشعب  السوري أموات وجرحى ومشردين  وسجناء  ومغتصبين  ومعذبين …وسيظل  التعاطي مع  القضية  السورية  ثنائيا  بهذا الشكل ، وعلى  طرفي نقيض مادامت للقطبين  مصالح  ، وما داما  يتاجران  بمأساة  الشعب  السوري . ومن المعلوم  أن ما يسمى  الحلول  السياسية  تكون دائما  باهظة  الثمن  حيث  تدار  حروب طاحنة حتى إذا ما أتت على  الأخضر واليابس  ولم تبق  ولم تدر  جيء  بالمتحاربين  إلى طاولة  المفاوضات  وقد  أنهكتهم الحروب  ، وحينئذ  يتاجر بهم وبمآسيهم  أصحاب  المصالح ، فيفرضون  عليهم  ما شاءوا من حلول . فلا النظام السوري جاء إلى مؤتمر  جنيف  بمحض  إرادته  ، ولا  المعارضة  جاءت  بمحض إرادتها بل الجميع  جاء مكرها . ولن يحصل  بين الطرفين تفاهم  إلا  التفاهم  الحاصل  بين  الروس والأمريكان على أساس  مصالحهما  ،لا على أساس مصلحة  الشعب  السوري البائس . ولن يساوي النظام  السوري جناح  بعوضة  أمام  مصالح الروس والأمريكان  ، ولا المعارضة  تساوي  جناحها الآخر أمام  تلك المصالح . فمتى  تم التوافق  بين  القطبين  بخصوص المصالح فإن التضحية  ستكون  بالأطراف السورية بغض الطرف  عن  جهتها . وعندما يتحدث  القطبان  عن  صعوبة  المفاوضات  في مؤتمر جنيف 2 ،فذلك  يعني  بالضرورة  صعوبة  المفاوضات  بين  هذين  القطبين  بسبب  تضارب  مصالحهما في المنطقة . ومما يلاحظ أن  القطب  الروسي  تحدث مسبقا  عن  احتمال  فشل  المؤتمر  بسبب  غياب النظام الإيراني ، علما بأن  الروس عبروا إعلاميا  عن  رفضهم  التدخل  الخارجي  في الشأن السوري دون  اعتبار التدخل  الإيراني   فيها  تدخلا  خارجيا ، بل ربط  الروس  بين  حضور  الإيرانيين  وبين نجاح  المؤتمر ، الشيء الذي  يعني  أن  الإيرانيين  متورطين  بأمر من الروس  في  سوريا  من أجل ضمان  مصالحهم في مواجهة  المصالح  الأمريكية . والملاحظ  في  افتتاح  هذا المؤتمر أنه  يركز على الحل  السياسي وحده  دون  حلول  أخرى ، الشيء  الذي  يؤكد  أن الحلول الأخرى  ومنها  التدخل العسكري  غير ممكن لأن  طرفي الصراع  عبارة  عن  قطبين نوويين  لا يمكن أن  يدخلا في  صراع مسلح  لأن ذلك  لا يخدم  مصالحهما . ويكتفي  القطبان لحد الساعة  بإدارة حرب  قذرة  بين  الأطراف السورية من أجل التمهيد للتفاهمات بخصوص مصالحهما . وتسد الحرب  القذرة  في سوريا مسد  الحرب الباردة  أو هي  بالأحرى  استمرار  للحروب  الساخنة  الهامشية  بينهما بعد  الحرب  العالمية  الثانية . ولا شك  أن طبخة  ما  قد طبخت  من وراء  مؤتمر  جنيف 2 سيكشف عنها  بعد   فصول  مسرحية هزلية  لمفاوضات محسومة  سلفا ليس  لطرفي النزاع السوري فيها  ناقة  ولا جمل بل  الناقة أمريكية والجمل روسي والعرب  وغيرهم  ممن  يقف وراء هذا القطب أو ذاك  يلتقطون  بعرهما بذل  وخزي وعار . ولا شك  أن  تاريخ  العرب  القديم قبل  أن  يأتي  الإسلام لإنقاذهم  عاد من جديد ، فنحن اليوم بصدد  قطبين جديدين  من  الأكاسرة  والقياصرة  وبصدد  مناذرة  وغساسنة جدد ، وبصدد  بكر  وتغلب وعبس  وذبيان جدد أيضا . ولن يكون  إلا ما  كان  في  الماضي من فرض  لإرادة  الأكاسرة والقياصرة حتى  يأذن  الله  عز وجل  بمن  يجدد أمر  الدعوة الإسلامية للعرب لتقهر من جديد هؤلاء  الأكاسرة والقياصرة  ، وتهدم  أوكار  المناذرة والغساسنة  ، وأوكار  عبس  وذبيان  وبكر  وتغلب . ولن  يبارح الذل والهوان  أمة  يعرب  ما دامت تحت مظلة  الأكاسرة  والقياصرة  الجدد  ، وما دام  فيها  المناذرة والغساسنة  ، وما دامت  العصبية  القبلية  وحروب  البسوس وداحس  والغبراء. وأخيرا لا بد  أن  نشير إلى  أن  الرابح  الأكبر  في  هذه  الحروب  هو  الكيان  الصهيوني  المستنبت  في قلب  الأمة  العربية ، وهو موقد  نيران  هذه  الحروب لأن  العرب  فضلوا العودة  إلى جاهليتهم  الأولى ، وتركوا وراء ظهورهم  دينا أعزهم  بعد ذل  إلا  أنهم  هانوا  وسهل  الهوان  عليهم .

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz