الإنسان بين القداسة والنجاسة أو الدناسة/ وجدة: محمد شركي

13380 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 4 مارس 2013، الإنسان بين القداسة والنجاسة أو الدناسة

من بين القضايا التي اهتم بها الإنسان منذ القديم قضية قداسته و نجاسته أو دناسته ، وهو موضوع مرتبط بالتدين ارتباطا وثيقا ، ذلك أن الإنسان كلما  كان متدينا  بغض الطرف عن  صحة تدينه أو خطئه  إلا وواجه ثنائية القداسة والنجاسة أو الدناسة .  والقداسة نوعان : مطلقة ونسبية ، أما المطلقة  فتتعلق بالذات الإلهية  حيث  تسمى الله جل جلاله  بالقدوس وهو حسب تعبير الفيلسوف أبو حامد الغزالي رحمه الله : “المنزه عن كل وصف يدركه الحس أو يتصوره الخيال أو يسبق إليه وهم  أو يختلج به ضمير  أو يقضي به  فكر،  ولست أقول منزه عن العيوب والنقائص ،لأن ذلك من سوء الأدب مع الذات الإلهية تماما كما يساء الأدب مع الذات البشرية عندما يقال على سبيل المثال : ملك البلاد ليس بحجام  ، لأن نفي الوجود يوهم بإمكانه ، وفي ذلك الإيهام نقص ، وإنما أقول القدوس هو المنزه عن كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه الخلق في نفسه ويحاول أن يقيس كمال الخالق عليه، وعن كل نقص يتصف به الخلق ويحاول أن  ينفيه عن الخالق سبجانه . فالقدوس منزه عن كل صفة تتصور للخلق أو ما يشبهها أو يماثلها ” .

وتخطىء  المعاجم عندما  تشرح القدوس بأنه المنزه عن العيوب ، والشرح الصائب هو ما جاء في كلام الإمام أبي حامد الغزالي رحمه الله في كتابه المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى . وأما القداسة النسبية فهي خاصة بالخلق ويراها أبو حامد الغزالي  متمثلة في علم الخلق وإرادته، فأما قداسة علم الخلق فالتنزه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكل ما يشارك فيه البهائم حيث  يجب أن يكون نظر الخلق وتطواف علمه حول الأمور الأزلية المنزهة عن أن تقرب فتدرك بالحس أو تبعد فتغيب عن الحس. وأما قداسة إرادته فالتنزه عن أن تدور حول الحظوظ البشرية التي ترجع إلى لذة الشهوة والغضب ومتعة الطعام والمنكح والملبس والملمس والمنظر، بل لا يريد إلا الله عز وجل ولا يبقى له حظ إلا في الله . والإدراكات الحسية والخيالية تشارك البهائم فيها البشر، لهذا يجب أن يرتقي عنها إلى ما هو من خواص الإنسانية  ويرتقي عن الحظوظ الشهوانية .

فمن خلال  كلام الإمام أبي حامد الغزالي  تتحدد قداسة الخلق من خلال نوع من السمو عما يشترك فيه مع البهائم من أكل وشرب ووقاع من أجل التفكير في الخالق سبحانه وجعله فوق مطالب الغرائز . وعند أبي حامد من كانت همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج منه ، ومن لم تكن له همة  سوى الله عز وجل فدرجته على قدر همته .وعندما نعود إلى معاجم العربية نجد فعل قدس يقدس ـ بضم الدال ـ قدسا ـ  بتسكين الدال وضمها  قداسة إذا طهر. وقولهم قدس الله فلانا إذا طهره وبارك عليه  ، وقدس الخلق الخالق إذا وصفه بالقدوس كما ورد في كلام أبي حامد الغزالي . وقولهم قدس لله  أي طهر نفسه له. ومن هنا يبدو أن القداسة في الإنسان هي نشدان الطهر أو الطهارة . والطهارة نوعان مادية حسية ، ومعنوية .  وإذا ما أمكن التقريب بين البشر في مفهوم الطهارة المادية حيث  يقع إجماع  بينهم حول مفهوم  الطهر الذي هوالخلو من الدنس أو النجس ، وهو كل ما يلطخ الجسد من قذارة ووسخ ، فإنهم يختلفون في مفهوم الطهارة المعنوية حيث  تصير القذارة والوسخ معنويين وعبارة عن معايب معنوية. وتتدخل العقائد في تحديد مفهوم القداسة، فعلى سبيل المثال الروح القدس عند المسيحيين هو الأقنوم الثالث من الأقانيم الإلهية  بينما هو الملاك جبريل عليه السلام عند المسلمين . ومن قداسة الأقنوم يلتمس المسيحيون قداسة الخلق حيث يوصف الحبر الأعظم عندهم أو البابا  بالقداسة ، فيقال  قداسة البابا إشارة إلى طهره على غرار طهر الأقنوم الثالث ، بينما لا توجد هذه القداسة عند المسلمين. وتلتبس القداسة عند المسيحيين  بين  ما هو مادي ، وما هو معنوي  حيث  يترهب الأحبار ولا يتزوجون في العقيدة الكاثوليكية ،لأن الزواج عندهم يعتبر بشكل أو بآخر مدنسا أو منجسا لطهرهم ما داموا قد انقطعوا للعبادة والتبتل . ولا يعتبر الزواج مدنسا عند المسلمين . ومشكلة المسيحيين  أنهم يتأففون في قداستهم من الزواج إلا أنهم يغضون الطرف عما يشبه الزواج مما يعد نوعا من النجاسة وهو أكل الطعام وما يترتب عنه، لهذا عندما  زعم المسيحيون أن المسيح عليه السلام هو ابن الله ـ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ـ  وصفه الله تعالى بأنه وأمه كانا يأكلان الطعام من أجل  صرف أنظارهم عن  الخلط بين  الطهر المادي والطهر المعنوي ،ذلك أن  نبوة المسيح وصديقية أمه  مريم عليهما السلام  وهما طهر معنوي لم  تغير من طبيعتهما البشرية حيث  كانا يأكلان الطعام . فالأحبار إذا ما كانوا يأكلون الطعام  ،فلا يعقل أن  يأنفوا من الزواج وهو طبيعة بشرية من طبائع البشر . وأما القداسة عند المسلمين فهي التحلي بالإيمان على الوجه الصحيح والالتزام بما يترتب عنه حيث لا ينجس المؤمن كما يعتبر الكافر والمشرك نجسا. فالطهارة إذن هي طهارة الإيمان ، والنجاسة أو الدناسة  هي نجاسة أو دناسة الكفر أو الشرك . وقد يشكل على البعض أمر  بعض النجاسة المادية التي تتطلب الطهارة المادية المقابلة لها حيث  ينقى الخبث أو القذارة بمطهر كالماء وغيره ، حيث لا تتأثر الطهارة المعنوية، وهي طهارة الإيمان بالنجاسة المادية . وإذا كانت النجاسة المادية تزول بمطهر كالماء ، فلا تزول النجاسة المعنوية إلا بطهارة الإيمان .  ولهذا يتوضأ المسلمون ويغتسلون طلبا للطهارة المادية كلما أصابتهم نجاسة ،ولكنهم يتطهرون الطهارة المعنوية مرة واحدة عندما  يؤمنون  ويستوفون شروط الإيمان بأركانه الستة .

وقد يقع بعض المسلمين في تقليد النصارى في تقديسهم لأحبارهم ، فيقدسون شيوخهم ويصفونهم بألقاب التقديس ذات الدلالة الدينية على غرار ما يستعمله النصارى  ، فمقابل  قداسة البابا نجد بعض المحسوبين على الإسلام يستعملون آية الله العظمى ، وسماحة  فلان ، والقطب الرباني  ، وإمام الزمان وما شابه، وكل ذلك تقديس  على غرار تقديس النصارى الذي مصدره الخلط بين اللاهوت والناسوت ،علما بأن الله تعالى استأثر وحده باللاهوت دون شريك .

ولا يجب الخلط بين ألقاب الاحترام والتوقير وألقاب التقديس لأن الناس يحترمون ويقدرون بعضهم البعض باعتبار مراتبهم السياسية  والعلمية ،فيصفون بعضهم بالجلالة والسمو  والفخامة والفضيلة وما شابه  ، ولا يعني ذلك التقديس بالمفهوم الديني بل الاحترام والتوقير، ذلك أن الكبير المتقدم في السن يجل لكبر سنه ويوصف بذي الجلال أو الجلالة  ، ومن ثم يطلق صاحب الجلال أو الجلالة على كبير القوم  لكبر منصبه وقدره عند قومه ، ويحترم بسب ذلك  وينزه عن عيوب العامة لمكانته . وصاحب السمو هو من سمت مرتبته بين قومه ، وصاحب الفخامة كذلك أي من عظم قدره ومنزلته بين قومه ، وصاحب الفضيلة هو صاحب الإحسان ابتداء بلا علة له ، وكلها صفات ونعوت تدل على الاحترام وليس فيها ما يدل على التقديس بالمفهوم الديني كما هو الشأن بالنسبة لقداسة فلان أو  سماحة فلتان أو آية الله الفلاني  ما دام هؤلاء يأكلون الطعام كما أكله المسيح عيسى بن مريم النبي الكريم وأمه الصديقة عليهما السلام .

الإنسان بين القداسة والنجاسة أو الدناسة/ وجدة: محمد شركي
الإنسان بين القداسة والنجاسة أو الدناسة/ وجدة: محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz