الإعلام العربي ينهج أسلوب نيرون في التعامل مع محاوريه

181768 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 15 أكتوبر 2013، تتجذر في العقلية العربية ” الطبيعة النيرونية ” ونقصد بها طبع الطغيان والاستبداد . و”النيرونية” نسبة إلى الإمبراطور الروماني نيرون وهو ولد الإمبراطور الروماني كلوديوس بالتبني . وقد تربى على يد الفيلسوف الروماني الرواقي النزعة وكان مستشارا له ولكنه لم يفد شيئا من تربيته ومن نصحه ومن استشارته بل كان المربي الفيلسوف والمستشار أول ضحايا نيرون حيث أمره بقتل نفسه من أجل أن يرضي ظمأه الشديد للدماء البشرية ، وهو الذي قتل أمه وقتل زوجته أيضا ، واستباح دماء المسيحيين بعد اتهامهم بإحراق روما ، واشتهر بفظائعه المخزية حيث كان يقدم حبال المشانق على مداولات المحاكم ، وتعرف محاكمه بالظلم الشنيع . والمتتبع للعقلية العربية يلمس النزعة النيرونية لدى شعوبنا وحكامنا على حد سواء ، والذين من طبعهم تقديم الأحكام على المحاكمات أو التلويح بحبال المشانق قبل ثبوت الإدانة . ولما كانت العقلية النيرونية من مميزات الشخصية العربية ،فإن الإعلام العربي لا يشذ عن هذه العقلية حيث يقدم الإعلاميون في حواراتهم مع من يحاورونهم المشانق على الشواهد . ومع أن الحرفية في الإعلام تقتضي أن يتميز الإعلاميون بالحياد والتجرد والموضوعية ، ويحاورون محاوريهم دون خلفيات ودون نتائج سابقة على التحليلات . ومن الحرفية الإعلامية أن يلعب الإعلاميون دور الوسطاء بين أصحاب الآراء المختلفة والمتعارضة بحيث ينقلون هذه الآراء ويستفسرون عنها مع نسبتها لأصحابها دون أن يصدر عنهم ما يوحي تصريحا أو تلميحا أو من قريب أو وبعيد أو بطريقة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة بأنهم مع هذا الطرف أو ذاك . والمفروض في الإعلاميين أن يديروا الحوارات والمقابلات ويتركوا للرأي العام قضية الأحكام . ولا زال الإعلام العربي أبعد ما يكون عن هذه الحرفية لأن الإعلاميين عندنا قد صاغتهم أيضا العقلية النيرونية بسبب طغيان الاستبداد فينا ، والذي تشربناه في كل مجالات حياتنا . فالملاحظ في كل الحوارات الإعلامية وفي كل الفضائيات أو المواقع العنكبويتة أو الصحف والجرائد أنها تبدأ بإصدار الأحكام المسبقة قبل أن تتبين الخيوط البيضاء من الخيوط السوداء في القضايا المطروحة للحوار الإعلامي . ويستحيل أن تتضمن حوارات الإعلام العربي تعايشا بين ذكر الإيجابيات والسلبيات والموازنة بينهما . فإعلامنا العربي الرسمي لا يتضمن سوى سرد الإيجابيات للأنظمة ما صح منها وما لم يصح ، وفي الغالب تكون هذه الإيجابيات محض افتراءات . ومقابل هذا الإعلام الرسمي يوجد إعلام آخر لا أسميه شعبي وهو لا يتضمن سوى سلبيات الأنظمة ما صح منها وما لم يصح أيضا، وتكون في الغالب محض افتراءات أيضا . والذي جعل إعلامنا ينفرد بهذه الآفة هو سيادة العقلية النيرونية فينا . وتلتقي طبيعة إعلامنا العربي المستبد مع طبيعة شخصية نيرون . فكما أن نيرون كان ابنا بالتبني ، ولم يكتسب الشرعية القيصرية من حيث يجب ، فإن إعلامنا ابن بالتبني للإعلام الغربي ، ولم يكتسب شرعيته الإعلامية من حيث يجب أيضا . وكما ثار نيرون على من رباه وكان مستشارا له ، فقد ثار أيضا إعلامنا على مرجعيتنا الإسلامية التي تضبط الحقل الإعلامي بأخلاق معينة ، فانتقال الإعلام العربي من الأخلاق والقيم الإسلامية إلى الأخلاق والقيم الغربية اللادينية جعله إعلاما مهزوز الشخصية على غرار شخصية نيرون المهزوزة سيكولوجيا . وكما قتل نيرون الأم والزوجة ، فإن إعلامنا قد قتل هويتنا وشخصيتنا وثقافتنا العربية الإسلامية . وكما اشتهر نيرون بالفظائع حيث قتل خلقا كثيرا دون وجه حق لأن خلفيته كانت هي عشق الظلم ولذلك كانت مشانقه تسبق محاكماته فإن إعلامنا العربي أيضا و مع شديد الأسف والحسرة قد ارتكب الفظائع في حق الأمة العربية والإسلامية من خلال نصب المشانق لها قبل المحاكمات . ولقد تلاعبت مشانق إعلامنا العربي بالعقول العربية واستخفت بها ، وحالت دونها ودون الوصول إلى الحقائق . وبات الرأي العام العربي مجرد صناعة إعلامية نيرونية مبتذلة ومتهافتة. و صارت القرارات المصيرية للأمة العربية مع شديد الأسف والحسرة تتخذ انطلاقا من خلفية الصناعة الإعلامية الفجة. والدليل على فجاجة خلفية هذه الصناعة الإعلامية هو قلب الحقائق وقلب الموازين بحيث يصير الجلاد ضحية ، وتصير الضحية جلادا كما هو واقع الحال ، ويصير اللئيم شريفا والشريف لئيما ، وتحل المتناقضات محل بعضها البعض دون أن تنتبه العقول العربية إلى هذا الاختلال المنطقي المكشوف لأنها جبلت وطبعت على العقلية النيرونية ، ولهذا فهي ترى تقديم المشانق على المحاكمات منطقا مقبولا ومستساغا في ثقافة الاستبداد والطغيان ، ولهذا أيضا تبدو الفظائع في العالم العربي والإسلامي أمرا طبيعيا ، وقد احتار الأغيار في فهم عقليتنا الغريبة الأطوار الشيء الذي اضطرهم للتعامل مع ظاهرة قلبنا للمفاهيم والحقائق من أجل تأمين مصالحهم بين ظهرانينا . وإلى أن يوجد الإعلام غير اللقيط في مجتمعاتنا العربية وغير المستبد وغير النيروني علينا أن نتنخل ما يدقه أو ما يطحنه حتى نحصل على ما يشبه العجين وإلا فإن لإعلامنا في الغالب جعجة بلا طحن .

الإعلام العربي ينهج  أسلوب  نيرون  في التعامل مع محاوريه
الإعلام العربي ينهج أسلوب نيرون في التعامل مع محاوريه

اترك تعليق

1 تعليق على "الإعلام العربي ينهج أسلوب نيرون في التعامل مع محاوريه"

نبّهني عن
avatar
ولد الكبيرة
ضيف

اخونا في الله ،الشركي محمد، نسب النزعة النيرونية إلى الصحافة المستقلة واتهمها بكونها تنتمي إلى الصحافة الغربية بالتبني و فرض على الصحافة ان تصطيغ القيم الإسلامية. ولا يسعني إلا ان استغرب لهذه المقاربات الرعناء ،
لبتك تشاهد برنامج ” الاقوال و الافعال” في القناة الثانية الفرنسية لتلحظ كيف ان الصحافة تحرج السياسين” ديال بصح” باسئلة لا تجامل، قائمة على الارقام و التفاصيل التي يتهرب منها صاحبك بنكيران.
فينك افرنسوا لونكلي الاصلع تعلّم بنكيران اش كتسوا الصحافة؟

‫wpDiscuz