الإسلام يدين الإيذاء ويعتبره جريمة ومنه المطالبة بحرية التصرف في الأجساد

10913 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 10 يوليوز 2012، الإيذاء من فعل أذي يأذى أذى وأذاة وأذية، وهو إلحاق الضرر بالغير وإصابته بالسوء . وهذا الفعل مستقبح في دين الإسلام ، وهو عبارة  جريمة يقابلها العقاب لقوله تعالى في محكم التنزيل : (( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا  والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا )) بموجب هذا النص القرآني يتبين أن الإيذاء  فعل بشري  يطال الذات الإلهية المقدسة، ويطال شخص الرسول الأعظم ، كما يطال أهل الإيمان ذكورا وإناثا .

أما إيذاء الله عز وجل فيتجلى في الخروج عن طاعته، لأنه سبحانه وتعالى قوي عزيز لا يستطيع عبيده المخاليق إيذاءه ولا يستطيعون بلوغ ذلك وما ينبغي لهم. ونفس الأمر يقال عن إيذاء رسوله صلى الله عليه وسلم ، لأنه أشرف وأقدس من أن يقدح فيه  أو عرضه، وإنما إيذاؤه يعني مخالفة سنته، وإن كان سفهاء فترته من يهود و منافقي المدينة  حاولوا إيذاءه من خلال إيذاء أزواجه أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن خصوصا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما.

وأما إيذاء المؤمنين  والمؤمنات فعبارة عن مساس بمشاعرهم الدينية عن طريق المجاهرة بالمعاصي ،إلى جانب النيل من أعراضهم. والله عز وجل جرم كل أنواع الإيذاء، ويفهم التجريم من خلال العقوبة المخصصة له وهي اللعنة في العاجل والآجل والعذاب المهين، وكذلك من خلال نعت هذا الفعل بالبهتان  والإثم المبين، وهو أقبح وأبشع وأشنع الكذب .

والله تعالى ربط بين إيذائه وإيذاء رسوله صلى الله عليه وسلم  تماما كما ربط بين طاعته وطاعة رسوله مصداقا لقوله تعالى : (( من يطع الرسول فقد أطاع الله ))  وهذا يقتضي أنه من عصى الرسول فقد عصى الله عز وجل،  لأن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم  جعله الله عز وجل نموذجا يحتذى وإسوة وقدوة للناس ، وأثنى على طاعته المثالية التي لا يمكن أن يدرك درجتها أحد من المخاليق في قوله تعالى : ((  وإنك لعلى خلق عظيم )) ، فعظمة خلقه صلى الله عليه وسلم تعني التنزيل الصحيح والدقيق  والكامل والشامل للتوجيهات الربانية المتضمنة في  رسالة الله عز وجل للبشرية.

وهذا ما يؤكده قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : ” كان خلقه القرآن ” بمعنى كان يترجم تعليمات القرآن الكريم إلى واقع ملموس، وكان ينزله في الواقع التنزيل العملي الإجرائي. ومعلوم أن  ترجمة القرآن الكريم إلى أفعال سلوكية في الواقع المعيش يعطي الإنسان المطيع لخالقه والسوي الذي يتبوأ مرتبة أحسن تقويم ، كما أن تعطيل ترجمة هذا القرآن الكريم إلى أفعال سلوكية ينحدر بالإنسان العاصي إلى أسفل سافلين .

ولما كان رسول الله صلى الله عليه  وسلم نموذجا مثاليا في ترجمة القرآن الكريم إلى أفعال سلوكية رشيدة ، فقد جعله الله عز وجل إسوة للناس كافة  فقال فيه : (( لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة )) . ولقد قطع الله تعالى الطريق على الذين يريدون التمييز بين طاعته وطاعة رسله صلواته وسلامه عليهم ، فقال في محكم التنزيل : (( إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك  هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا )) فلا وجود لمرتبة بين طاعة الله عز وجل  وطاعة رسله صلواته وسلامه عليهم ، بل التفريق بين الطاعتين هو عين الكفر. وكل إيذاء لرسل الله صلواته وسلامه عليه هو إيذاء لله تعالى ، لأنهم يطبقون ما أمرهم به التطبيق الكامل التام .

وقد يكون إيذاء الله عز وجل عن طريق إيذاء  من لهم علاقة برسوله صلى الله عليه وسلم لقول الحبيب المصطفى : ” الله الله في أصحابي لا تتخذونهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه ” . فإيذاء الصحابة  رضوان الله عليهم  كما حصل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة من طرف اليهود والمنافقين  الملاعين ، وكما حصل بعد عصره من طرف الرافضة الملاعين  هو في الحقيقة إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم هو إيذاء لله تعالى،  لأن الصحابة هم الجيل  الذي اختاره الله عز و جل عن قصد ليكون حامل دينه للبشرية ، وهو جيل المعية لقوله تعالى : (( محمد رسول الله والذين معه )) أي  جيل الترجمة العملية والإجرائية لرسالة الله عز وجل للبشرية  .

فالنيل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو في الحقيقة نيل من رسالة الله عز وجل ، لأنهم هم الذين ترجموا هذه الرسالة الترجمة الصحيحة اقتداء وتأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم . وقد يكون إيذاء الله تعالى عن طريق  انتقاد فعله  كما جاء في الحديث القدسي : ”  يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب ليله ونهاره ” ،  فالذين يسبون الدهر إنما يسبون فعل الله تعالى ،لأنهم ينسبون أفعاله سبحانه للدهر ، وينتقدونها،  علما بأن أفعال الله تعالى منزهة عن كل عيب .

وقد يكون إيذاء رسول الله صلى الله عليه  من خلال النيل من عرضه كما فعل المنافقون واليهود الملاعين  عندما طعنوا في عرض عائشة أم المؤمنين ، وهو نفس ما فعله الرافضة الملاعين بعد المنافقين واليهود ، ولا زالوا يفعلونها في بلاد العقيدة الرافضية الضالة ، وهو ما فعله الصليبيون  في عصرنا من خلال الرسوم المسيئة لشخص النبي الكريم ولشخص أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين رضوان الله عليهن .  ولقد جرم الله تعالى  الإيذاء خصوصا الذي ينال من الأعراض في قوله تعالى : (( إن الذين يرمون المحصنات الغافلات والمؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة  ولهم عذاب عظيم ))،  فنفس العقوبة الواردة في آية الإيذاء تتكرر في آية القذف . ومعلوم أن  جريمة الإيذاء عن طريق القذف تستوجب  التعزير بالجلد ثمانين جلدة . ولقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من جريمة الإيذاء عن طريق النيل من الأعراض فقال لأصحابه يوما : ”  أي الربا أربى عند الله ؟ ” قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : ” أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم ” ، فهذا الحديث يؤكد بشاعة جريمة الإيذاء عن طريق النيل من الأعراض حيث جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أربى الربا أي أقبح الربا وأشنعه  ، وهو أكبر الظلم . والأشد قبحا أن  يكون النيل من الأعراض زورا وكذبا شنيعا أو بهتانا بالتعبير القرآني .

وقول الله تعالى : (( إن الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا )) ، فقوله تعالى  واصفا المؤمنين والمؤمنات : (( بغير ما اكتسبوا )) يدل على براءتهم مما ينسب لهم كذبا وزورا ، كما أن قوله تعالى  واصفا  مرتكبي جريمة الإيذاء أو البهاتين : (( فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ))  يدل على شناعة وبشاعة هذا النوع من الإيذاء الذي هو عبارة عن كذب وزور . ولقد حذر رسول الله من هذا النوع من الإيذاء وغيره عندما  سئل عن معنى  الغيبة فقال : ” هي ذكرك أخاك بما يكره ” قيل : أرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ ، فقال : ” إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقوله فقد بهته ” فبموجب هذا الحديث  تكون جريمة إيذاء أهل الإيمان على نوعين : إيذاء الغيبة  وهو ذكر عيوب المؤمنين والمؤمنات في غيابهم حتى لو كانت هذه العيوب حقيقية، وإيذاء البهتان وهو نسبة العيوب المكذوبة للمؤمنين والمؤمنات .

فبعد استعراض جريمة الإيذاء في حق الله تعالى وفي حق رسوله صلى الله عليه وسلم ، وفي حق عباده المؤمنين وإمائه المؤمنات نتساءل عما  يروجه بعض السفهاء في مجتمعنا ، وفي المجتمعات الإسلامية الأخرى من  قالة سوء  تنال من أعراض المسلمين ، وهي جرائم إيذاء واضحة لا غبار عليها . فالذين يطالبون بحرية التصرف في أجساد صانها الله عز وجل  بالعفة  يقصدون النيل من أعراض المسلمين من خلال استباحتها عبر استباحة الأجساد بما في ذلك استباحتها جنسيا ، لأن مفهوم  حرية التصرف في الأجساد يعني فيما يعنيها ابتذالها جنسيا ، ولا يستطيع دعاة هذه الحرية إنكار  هذا الابتذال ، بل  هو ما يقصدونه بالضبط جهارا نهارا . وعندما يزعم بعض هؤلاء أنهم يعرفون المجتمع المغربي أو ما سموه ” خروب بلادهم ” وأنهم يعرفون العجب العجاب عنه، يعني أنهم يقصدون النيل من أعراض المغاربة ، ويزعمون أنها مستباحة جنسيا، وهذا هو القذف، وهذه هي جريمة الإيذاء التي توعد الله سبحانه وتعالى أصحابها باللعنة في الدارين ، وبالعذاب المهين. إن جرائم الأعراض  أو الجنس كانت منذ كانت البشرية، وهي  حالات شذوذ وانحراف موجودة في كل المجتمعات البشرية  لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات في كل عصر ومصر، ولكن بعض السفهاء  يحاولون نسبتها لمجتمعات بعينها، وهو ما لا يستقيم عقلا ومنطقا ،لأنه لا يكفي أن يعاين السفهاء  نماذج  من جرائم الزنا في مجتمع ما لتعميم هذه الجرائم على مجموع المجتمع دون تمييز أو استثناء ، علما بأن هذه الجرائم ليست أصلا في البشر السوي الفطرة  ، وإنما هي استثناء في البشر المنحرف الفطرة .

ومحاولة إشاعة الانحراف الجنسي في المجتمع المسلم هو عينه جريمة إيذاء المؤمنين والمؤمنات ، ومن ثم إيذاء الله عز وجل ورسوله ، لهذا لا بد من معاقبة أصحاب هذا الجريمة بما جاء في شرع الله  على اعتبار أنها جريمة شبيهة بقذف الأعراض أو هي القذف عينه . فالقائل للناس أنتم أحرار في أجسادكم  تفعلون بها ما تشاءون  ، لا يمكن أن ينكر أنه  لا يدعوهم إلى استباحتها جنسيا، وهو  بذلك  يعرض بأعراضهم ويستبيحها، ويقع بذلك في جريمة شبهها رسول الله صلى الله عليه وسلم  بأربى الربا عند الله عز وجل. فأعراض المسلمين صانها الله عز وجل، ومن حاول استباحتها، فإنه يؤذي الله عز وجل مباشرة.

وأخيرا آمل أن يفكر أهل الحل والعقد عندنا في التصدي لجريمة إيذاء المؤمنين والمؤمنات بدءا بما ينشر في صحف وجرائد ومواقع  إلكترونية  وفضائيات بعض السفهاء الذين  يحاولون اغتنام الظرف السياسي الراهن من أجل تمرير زبالة معتقداتهم الفاسدة التي لفظتها الأمة المغربية  المسلمة عندما راهنت على من ينتسب إلى دينها، لأنها لا تثق إلا في الإسلام  منهاج حياة  ووسيلة عزة وكرامة  مقابل ذل التبعية والانبطاح أمام العقائد الفاسدة المستوردة كما تستورد الممنوعات، أو المهربة كما تهرب مواد التهريب  المحظورة.

الإسلام يدين الإيذاء ويعتبره جريمة  ومنه المطالبة بحرية التصرف في الأجساد
الإسلام يدين الإيذاء ويعتبره جريمة ومنه المطالبة بحرية التصرف في الأجساد

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz