الإساءة إلى مشاعر الناس الدينية عبارة عن اعتداء على أمنهم الروحي

12755 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 21 شتنبر 2012، لا يوجد إجماع بين بني آدم فوق سطح هذا الكوكب أكبر من إجماعهم  حول ضرورة صيانة أمنهم المادي أو الجسدي  الذي تتوقف عليه حياتهم  ووجودهم . وكل اعتداء على هذا الأمن المادي أو الجسدي يعتبر جريمة في حق البشرية أو ضد الإنسانية . وعلى النقيض من إجماع البشرية على إدانة الاعتداء على الأمن الجسدي للبشر، لا نجد نفس الإجماع حول إدانة الاعتداء على أمنهم الروحي، وهو  أمن لا يقل قيمة عن الأمن الجسدي. وعلى غرار إدانة  القيم الإنسانية للعنف المادي والجسدي  يجب أن تدين العنف الروحي والمعنوي . والعنف هو نقيض الرفق ، وهوالشدة والقساوة . والعنف من فعل  عنف يعنف ـ بضم النون ـ عنفا ـ بفتح العين وتسكين النون  وعنافة  بالشخص وعليه إذا لم يرفق به، وعومل بشدة وقسوة ، ويقال أيضا عنفه ـ بتضعيف النون وفتحها ـ  وأعنفه إذا عامله  بشدة وقسوة مادية  أو معنوية . ونظرا لقوة وشدة جنس الذكور يسمون الجنس العنيف المقابل لجنس الإناث اللطيف . والعنف المعنوي لا يختلف عن العنف المادي،بل بينهما علاقة جدلية بحيث  يؤثر العنف المادي الجسدي على الروح ، كما أن العنف المعنوي يؤثر على الجسد ، فتظهر عليه أعراض المعاناة الألم . ومعلوم أن الله عز وجل خالق البشر أمنهم اي أعطاهم الأمن،  وهو من فعل  أمن يأمن أمنا ـ بتسكين الميم وفتحها أيضا وأمانا وأمنة بمعنى اطمأن ، فكان أمن ـ بفتح الهمزة وكسر الميم ـ وأمينا وآمنا ، أي مطمئنا ، كما يعني أنه سلم أيضا. ويسمى الأمان طمأنينة كما يطلق الأمان على العهد والذمة والحماية. والأمنة أيضا سكون القلب واطمئنانه. والنفس لا تطمئن ولا يسكن القلب إلا إذا أمن من العنف وذاق الرفق. لهذا عندما  يمارس العنف المعنوي على الإنسان يحرم سكينة القلب وطمأنينة النفس ، ويضيع أمنه الروحي أو المعنوي ، ويعاني من الخوف ، وهو نقيض الأمن من فعل خاف  يخاف خوفا وخيفا ومخافة وخيفة ، إذا فزع وهو نقيض سكن.  والخيفة هي حالة الخائف. وكما يخاف الخائفون أو الخوف ـ بضم الخاء وتضعيف الواو مع فتحها ـ أو الخيف ـ بضم الخاء  وكسرها وتضعيف الياء وفتحها أيضا ـ على أمنهم الجسدي، يخافون أيضا على أمنهم الروحي أو المعنوي. وفي الذكر الحكيم قول الله تعالى : (( وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا )) الشيء الذي يدل على أن الأمن بنوعيه المادي والمعنوي نعمة إلهية  يهبها الخالق سبحانه لمن صحت عبوديته له ، ويحرم منها كل متورط في الظلم لقوله تعالى : (( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن )).ولا يوجد ظلم أبشع من تهديد أمن الناس المادي والمعنوي أو الروحي . ونظرا لأهمية الأمن البشري سمى الله تعالى دينه وهو الفطرة التي فطر الناس عليها إسلاما ، والإسلام من السلم  ـ بفتح السين وكسرها ـ  والسلم نقيض الحرب . وإذا كان الأخ التوأم للسلم هو الأمن ، فإن الأخ التوأم للحرب هو الخوف . ومما يميز دين الإسلام الإيمان وهو من الأمن الأمان والأمنة   ، وبه تسكن القلوب وتطمئن عندما تعتقد بوجود خالق سبحانه بيده  أمن الناس. وقول الله تعالى : (( والسلام على من اتبع الهدى )) يعني الأمن والسلم من عذابه أو من حربه المسببة للخوف  . وكثيرا ما يتحدث الناس عن الحروب الساخنة أو المادية التي تزهق تهدر الدماء ، ويغفلون عن حروب أشد خطورة منها  وهي الحروب المعنوية والتي لا تقل سخونة عن الحروب المادية حيث يضيع معها الأمن الروحي كما يضيع مع الحروب المادية الأمن الجسدي . وغالبا ما تكون الحروب المعنوية هي السبب وراء اندلاع الحروب المادية ، وذلك عندما يحصل تهديد فئة من الناس للأمن الروحي أو المعنوي  لفئة أخرى بدافع التعصب للعرق أو الجنس أو العقيدة أو غير ذلك مما يتعلق بأمور معنوية. فما يسمى جرائم الإبادة العرقية المعروفة في المجتمعات البشرية إنما السبب فيها اعتداء البشر على أمن بعضهم البعض المعنوي أو الروحي. فآخر  جرائم الإبادة في  عالم اليوم ما حدث ولا زال يحدث في بورما أو ميانمار للطائفة المسلمة التي هدد أمنها المادي  والروحي معا ، وكان سبب ذلك هو عقيدتها  بمعنى أن أمنها الروحي هو المستهدف قبل أمنها المادي. وكل أنواع الحروب العرقية في العالم ومن بينها الحرب القذرة التي يشنها الكيان الصهيوني العنصري إنما  سببها العدوان على الأمن الروحي للشعب العربي الفلسطيني. وقياسا على الحرب الصهيونية القذرة تقاس كل الحروب القذرة التي يشنها الغرب على بلاد الإسلام . وموازاة مع الحرب المادية التي يشنها الكيان الصهيوني العنصري ، والكيان الصليبي الحاقد على الإسلام  تشن حرب معنوية على المسلمين من خلال المساس بمشاعرهم الدينية ، وعن طريق الإساءة إلى شخص الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم ، وهو ما يعتبر اعتداء على أمنهم الروحي يقابل  الاعتداء على أرضهم وعلى أجسادهم ودمائهم  وممتلكاتهم المادية . وقد يكون غرض الصهاينة والصليبيين من وراء تهديد أمن المسلمين الروحي هو التأثير فيهم نظرا لكون فقدان  أمنهم الروحي يحرمهم الطمأنينة وسكينة القلوب ويحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق عندما تمس كرامتهم وهي أغلى ما يملكون . ومما يدل على ذلك  ما لقيه ضحايا المعتقلات الأمريكية الرهيبة  في كوانتنامو  وقندهارن والذين رووا حكايات مروعة عن أساليب التعذيب بهذه المعتقلات . وكان أشد التعذيب كما روى مصور قناة الجزيرة السوداني سامي الحاج هو عندما يمارس على المعتقلين التعذيب المعنوي أو الروحي من خلال   تدنيس كتاب الله عز وجل  بالتبول أو بالدوس عليه  أمام  أنظار المعتقلين من أجل النيل من كرامتهم والمساس بمشاعرهم الدينية. وهذا يعني أن المساس بالأمن الروحي أو المعنوي للإنسان أشد عليه من المساس بأمنه المادي أو الجسدي. ومعلوم أن كرامة الإنسان لها مظهران : مظهر مادي يتمثل في  جسده  أو عرضه ، وآخر معنوي أو روحي يتمثل في عقيدته ، لهذا يعتبر الاعتداء على المعتقدات كالاعتداء على الأجساد والأعراض بل أشد منه. والمعتدون على أمن الناس الروحي يدركون جيدا قيمة هذا الأمن، لذلك يستهدفونه كما هو الحال في الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث يهدد الكيان الصهيوني الشعب الفلسطيني في مقدساته من أجل النيل من معنوياته ، وكما يفعل  الاحتلال الأطلسي في الأرض العربية والإسلامية التي يحتلها ، وكما تفعل الأنظمة الطائفية الفاسدة  في الوطن العربي ،كما هو الحال مع النظام السوري الطائفي النصيري الذي يجمع بين الاعتداء  على أمن الشعب السوري الجسدي المادي  والاعتداء على أمنه الروحي والمعنوي  عندما يأمر المعتقلين بالسجود لرأس النظام القذر إمعانا في  التنكيل بهم وإهانتهم بشكل فظيع. وأخيرا لا بد أن يعلم الغرب المتبجح بما يسميه حرية التعبير، والتي  تستغل من أجل الإساءة إلى مشاعر المسلمين الدينية أنه يعتدي على أمنهم الروحي ، وهو اعتداء لا يقل بشاعة وفظاعة عن الاعتداء على أمنهم الجسدي والمادي . ولقد حان الوقت ليتبنى العالم بأسره  في محافله الدولية سواء مجلس الأمن أو الجمعية العامة ، وما يتفرع عنهما من جمعيات ومحاكم دولية  قانون تجريم الاعتداء على أمن الإنسان الروحي والمعنوي ، ومعاقبة المجرمين الذين يرتكبون جرائم المساس بمشاعر الناس الدينية ، تماما كما ترفع شعارات لإدانة وملاحقة مجرمي الحرب لأن الاعتداء على أمن الناس الروحي والمعنوي عبارة عن حرب لا تقل خطورة عن الحرب المادية. ولا بد أن يصنف المساس بالمشاعر الدينية  للناس على أنه جريمة ضد الإنسانية  تستوجب أقصى العقوبات من أجل  كبح جماح  الذين يسيئون إلى معتقدات الناس  ومشاعرهم الدينية. وطالما ظل الغرب  يتبجح بشعار حرية التعبير على حساب  أمن الناس الروحي والمعنوي ، فإنه سيظل  مجتمعا همجيا وبربريا وفاقدا للمصداقية   في اعتبار القيم الإنسانية والحضارية السوية  . ولا بد أن  يتوجه المسلمون شعوبا وأنظمة وهيئات  إلى كل  المحاكم في العالم وإحراجها من أجل مقاضاة المعتدين على مشاعرهم الدينية ، وملاحقتهم  حيثما وجدوا ، ومنع كل البلدان التي توفر لهم الحماية من  حمايتهم،  بحيث تعتبر حمايتهم مشاركة فعلية في جرائمها ضد الإنسانية من خلال المساس بأمنها الروحي والمعنوي . وإلى جانب ذلك لا بد من  محاكمات شعبية اعتبارية من أجل تحريك الضمير العالمي والتأثير فيه ليتحرك من أجل صيانة أمن البشرية الروحي والمعنوي الذي لا زال عرضة للانتهاك خصوصا في  الدول الغربية  تحت شعار  ما يسمى حرية التعبير ، وهو الغطاء المموه لتبرير الاعتداء على كرامة الناس  الروحية . فليست حرية التعبير التي يتبجح بها الغرب العلماني بأقدس من مشاعر المسلمين الدينية . ولا بد أن تنهض المؤسسات العلمية  والفكرية في العالم  بمسؤولية الدفاع عن أمن الإنسانية الروحي والمعنوي ، عوض ترويج الأفكار والفلسفات  التي  تبتذل أمن هذه الإنسانية الروحي والمعنوي . ولا بد أن يعتبر كل فكر وكل فلسفة تحرض على انتهاك أمن الإنسانية الروحي والمعنوي فكرا وفلسفة  ترفضهما القيم الإنسانية والحضارية السوية . فهل  سيفيق  ضمير العالم من سباته قبل أن  يتحول إلى عالم  تسوده الحروب بسبب  المظالم المتعلقة بأمن البشرية الروحي والمعنوي ، ويعاني من الخيفة ، أي من حالة الخوف، ويصير عبارة عن حيز مخوف يكتنفه الخوف  بسبب التفريط في  أمنه الروحي من خلال  السماح للسفهاء والمتهورين بالعبث بهذا الأمن  تحت ذريعة   حقهم في حرية التعبير  على حساب حق غيرهم في حرية الاعتقاد ؟؟؟

الإساءة إلى مشاعر الناس الدينية عبارة عن اعتداء على  أمنهم الروحي
الإساءة إلى مشاعر الناس الدينية عبارة عن اعتداء على أمنهم الروحي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz