الأقدام التي داس عليها الملك في مالي / رمضان مصباح الإدريسي

235160 مشاهدة

 رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: ” الأقدام التي داس عليها الملك في مالي / رمضان مصباح الإدريسي”

المغرب وفرنسا:

                         وما هند إلا مهرة عربية   ***  سليلة أفراس  تحللها      بغلُ

                         فان تلِد مُهرا فلله دَرُّها    ***  وان تلد بغلا فقد جاء به البغلُ

                                                            (هند في هجاء زوجها الحجاج بن يوسف)

نعم تحللتنا فرنسا الكولونيالية عشرات السنين ،ليس لقوتها فقط وإنما،أيضا، لعدم جرأتنا في تحديد نقط ضعفنا-بل مصارعنا- والانتباه المبكر الى أن سفينة الوطن تتخللها شقوق تُغري بها أعماق البحرين.

لقد عشنا قرونا من العزة والمنعة ،في ظروف تاريخية وعلمية غير هذه التي فكت أوروبا الاستعمارية من عقالها القروسطي وألقت بها ،بكامل قوتها التي ولدتها الأنوار، في أتون الهيمنة على الموارد الإفريقية بمسمى التمدين.

ومن الثابت تاريخيا أنه لم يكن مستحيلا على المغرب أن يذيق فرنسا من نفس الكأس التي سقى بها الأتراك ،حينما بدا لهم أن يُكملوا الغزو غربا ،الى أن تغوص حوافر خيولهم في مياه المحيط ،ويقسموا قسم عقبة الشهير.

بل لم تفكر فرنسا أبدا في احتلال “الإمبراطورية الشريفة”  إلى أن كشفت معركتا اسلي وتطوان المخبوء من هذه الأرض المسماة” جوهرة الأطلنتيد”.وحتى بعد اسلي ظل أمر الاحتلال مستبعدا إلى أن طرأت طوارئ قبلية متكررة على الحدود بين المغرب والجزار،إضافة الى فتن مغامرين أضعفوا المخزن.

وقبل هذا صال الأسطول المغربي صولات في أعالي البحار ،وراقب الأوروبيون بتوجس “مظاهر يقظة المغرب الحديث”  على حد عنوان المرحوم محمد المنوني .  وفي نفس الوقت – ويا للمفارقة- توجست  البيوتات المغربية  من هؤلاء الشباب الذين لا يعودون من دراستهم في فرنسا إلا مطربشين ،بعد أن قصدوها مجلببين ومعممين.

خيف على دينهم من عِلمهم ،وما خيف على الوطن من جهلهم وجهل غيرهم من الشباب.  توقفت البعثات نهائيا – كما تفرق الأسطول قبلا-ولم يخرج المغاربة بعدها إلا حُجَّاجا.

وقبل كل هذه المآلات  التي تتأتى دوما من حركة داخلية،آلية، للتاريخ ،لا تأتمر بغير التراكمات الفاعلة في الارتقاء كما في الانحطاط؛  وصل المغاربة ،ضمن جيوش عبد الرحمن الغافقي ،الى “بواتيي” ،وكانوا قاب قوسين من رسم هلال إسلامي يحيط بكل مناطق النفوذ البابوية ،لولا  تحالف التضاريس مع أضراس الداهية العسكري “شارل مارتل”، فكانت بلاط الشهداء .يوم لك ويوم عليك ؛وهما يومان ولادان لما بعدهما.

كل هذا التاريخ المغربي ،لا يمكن أن  يُدخِّنه عساكر “الغولوا” هكذا في عشرات السنين، ثم يطفئون جمر سجائرهم في أجساد مرافقاتهم من بني جلدتهم اللاتي يعرفن كيف يثرن الجانب الوحشي فيهم.

هند تعرف أنها ذات حسب ونسب أصيلين وقديمين ،ولم تكن لترضى بالحجاج (البغل) زوجا فقط ،ولو واليا شرسا،من قبل الخليفة ؛فكيف ترضى به والدا لجنينها؟

لا أحد ينكر أن الإدارة المغربية الحديثة مولود فرنسي، تبنته الدولة المغربية الضاربة في القدم ؛وقد شب اليوم عن طوق الأم الفرنسية مُفضلا الجدة المغربية التي تعرف كيف تحدثه لغة كان يا ما كان التي تكرهها الأم .

الذين يتحدثون عن العشيقات لا يفقهون شيئا في تاريخ المغرب ؛وهم لا ينتسبون حتى الى “ليوطي” الذي عرف منذ البداية أنه يطأ أرضا حراما ،ولهذا سار بحذر شديد، مخففا الوطء لأن أديم الأرض من عيون تتقد شررا.

يمتح العشاق من ثقافة العشق الرئاسي الفرنسي، الذي يصوت عليه الفرنسيون حينما يصوتون على رئيسهم. ولهذا يفاخرون العالم براكب الدراجة الذي ينتظر – كعمر بن أبي ربيعة-غياب القُمير عن سماء الاليزي ليسري الى جارته نُعْم.

رئيس فوق دراجة وبين فخذيه دستور الجمهورية ،لتنزيله حيث نزله السابقون من “ميتران الى شيراك “.

وأذن في مالي بالحل:

لم يكن منتظرا أن تستمع فرنسا الى قول جلالة الملك:”إفريقيا غير محتاجة الى مساعدات ،إنها بحاجة إلى شراكات…” دون أن تشعر بأن الأرض تهتز تحت أقدام سياستها الانتهازية القديمة  في القارة الإفريقية ،خصوصا مستعمرات الأمس: علاقة رابح خاسر.1 أورو مساعدة= 5 أورو ربح. لقد جربنا في المغرب هذه السياسة التي فرضتها علينا فرنسا بعد أن سلمت لنا –ضمن الاستقلال- بنية اقتصادية لا تفضي إلا إلى باريز.

لم نقو على أن نعيث إسقاطا في هذه البنية كما عثنا فسادا في نظيرتها التربوية ؛ولا تزال فرنسا الى اليوم “شريكنا” الاقتصادي الأول برقم معاملات يصل الى 8 ملايير أورو (2012). ولازلنا في رأس قائمة البلدان التي ترتبط بها كل النخب الفرنسية ارتباطا قويا،حسب ما يراه المؤرخ الفرنسي “بيار فبرمارانPIERRE VERMEREN “.

لقد تتبع العالم تفعيلا ملكيا حقيقيا لسياسة جنوب جنوب،حسب ما نظر له منذ مدة الدكتور المهدي المنجرة شافاه الله. شاهد العالم دولة تنتزع من براثن الإرهاب العقدي والسياسي ،وتجلس بأطقمها الوزارية المدنية مع نظرائها القادمين من الجوار ليس الا .الجوار الذي أراد له الغرب ،عموما، أن يقاس بالسنين الضوئية.  فجأة صدح الشاعر محدثا انقلابا

جيوسياسيا غير مسبوق:

   أجارتنا إن الخطوب تنوب  ***  واني مقيم ما أقام عسيب

   أجارتنا إنا غريبان هاهنا  ***  وكل غريب للغريب نسيب

إفريقيا بحاجة الى شراكات يجلس لتوقيعها المتكافئون قامة ،وليس الذين يشعرون أنهم مع عشيقات للنزو وإطفاء أعقاب السجائر.

طبعا لم يصل الأمر بعد الى اقتصاد مغربي قوي لا يحتاج الى سند في ثورته الإفريقية؛وحتى فرنسا نفسها تظل قريبة من كل الطموحات المغربية لكن ليس الى حد هذا الذي حدث في مالي. 

وتظل اليد التي آلمت فرنسا كثيرا ،بعد أن آلمتها أقدامها ، هي “بيعة ” ملك المغرب الروحية ،وامتداد نفوذ إمارة المؤمنين – الأشعرية،المالكية،الجنيدية- الى  دول الساحل. عود على بدء ،واستعادة آذان الزمان لِحُداء القوافل وهي تمضي  جنوبا جنوبا ،مُحمَّلة  بهذا الذي أكد الله تعالى أنه حافظه ،أكثر مما كانت تحمل بالتمر والملح والذهب…

في هذه لا يفهم صقور “الاليزيه” شيئا ،وحتى أرشيفهم الحربي يشهد أنهم ما اكتشفوا صحاري المغرب-وضمنها تندوف- إلا سنة 1928؛وقد كتبت في هذا كثيرا.

فرنا التي لا تتحكم حتى في مسجد باريز كيف لها أن تقرأ التصوف التيجاني والقادري وأوراد كل الزوايا.

ورغم أزيز الطائرات  في شمال مالي فان الصوت الذي لا يُعلى عليه في منطقة الساحل كلها هو  حفيف الأبابيل الروحية التي تحقق بِوِرد واحد ما لا تحققه أسراب الميراج.

كيف؟ بعد بيعة الأزواد هذه مالي كلها تبايع. أية أوراق يحرك هذا الملك الشاب؟

هذا ما يفسر أن يُخل بلد الأنوار بكل الأعراف الدبلوماسية وهو يطرق باب المغرب في باريز  طالبا مثوله أمام العدالة  بموجب وشاية تاجر مخدرات.

 أن يتجاوز المغرب مسألة التعذيب الجسدي  هو ما يؤلم فرنسا العميقة ،أكثر من ممارسته. المغرب الديمقراطي،القوي بمواطنيه ،ألكاملي المواطنة  والحقوق هو ما يزعج وليس العكس.

لم تقف فرنسا أبدا في صف المستضعفين من مواطني مستعمراتها السابقة،وليس بعيدا ما عبرت عنه للهارب التونسي الكبير ،من استعدادها للتدخل لقمع ثورة البوعزيزي.وقد جربنا في المغرب أن يعيرنا البصري بالكوميرا ،ثم تستقبله باريز –بعد أن دار الزمان على دارا-  استقبال لاجئ مظلوم.

و فتشوا عن الجزائر:

فبعد فشل إشاعة توقع حدوث عملية تفجيرية في باماكو،تزامنا مع الزيارة الملكية ؛وهي الإشاعة التي تجاوبت معها السفارة الفرنسية فحذرت رعاياها ؛بل وأغلقت حتى مدارسها في العاصمة؛لا بد أن تحرك قنواتها ،ومجاري الذهب الأسود لتعرقل طريق سيارات ملكية  تسير ببركة الله فقط،،لأن المغرب لم يعثر بعد على البترول.

دِيست أقدام الجزائر أكثر من مرة في مالي ،والساحل عموما،مما يجعلها معذورة في سياستها المخابراتية. حتى الأقلام الجزائرية ما انفكت تطالب الدولة بأن ترد على ما يحدث في جنوبها ؛بدءا من تندوف ،ومملكة “تنهنان” ،ووصولا إلى عمق الساحل . 

 مهلا أيها السادة لم نتجه خليجيا –وقد عُرض علينا- إلا إكراما لاتحاد مغاربي تكرهونه؛وحينما ذكرناكم بذكراه العزيزة على الشعبين أجبتم برصاص طائش ،وكأن السلاح مِلكُ يمينكم أنتم فقط؛وكأن قدر  جنودنا أن يتحملوا عبث جنودكم وهم يطلقون الرصاص حتى تحية لبعضهم البعض؛وهذا بشهادة  بعض مهربي وجدة .

لم يبق إذن إلا أن نتجه جنوبا لنوف البيعة الرمزية حقها؛ولنصحح وضعا جيوسياسيا مختلا لأنكم لم ترغبوا في حماية المنطقة من إرهاب ذقتم عشرية مرارته. لن يتصرف المغرب أبدا كما تصرفتم في عين أميناس ،وأخيرا في “آيت جرمان”.

نحن ننجز ثورة ملك وشعب أخرى ،لكن هذه المرة في جنوب الصحراء؛ومن الممكن دائما أن تنضموا إلينا ؛شريطة ألا تستشيروا فرنسا لأنها في وضعية افريقية هشة لأن هند الكريمة الأصل والمحتد ولدت مهرا،ولله دَرُّها.

Ramdane3@gmail.com

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz