الأسطورة المؤسسة للعلمانية في البلاد العربية متهافتة لا محالة

20756 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 23 غشت 2011، من المألوف والمعروف أن الكيانات اللقيطة التي تحلم بتحقيق وجودها في أوساط لا علاقة لها بها تلجأ إلى أساطير تعتمدها لتبرير وجودها حيث لا يجوز هذا الوجود ولا يمكن . ومن أبرز الأمثلة على هذه الكيانات اللقيطة الكيان الصهيوني الذي اختلق أساطير لإيهام الرأي العام العالمي بشرعية وجوده غير المشروع فوق الأرض العربية الفلسطينية . ولقد فضح المفكر الفرنسي روجي جارودي هذه الأساطير المعتمدة من طرف الكيان الصهيوني لتبرير وجوده غير الشرعي ، وكشف تهافتها ، وهي أساطير من قبيل شعب الله المختار ، والمحرقة النازية والهيكل الموهوم ….وهلم جرا مما لا يعدو مجرد أساطير. وعلى غرار الكيان الصهيوني اللقيط يحاول الكيان العلماني اللقيط أيضا تبرير وجوده في الوطن العربي ، وهو منذ أن وجد كان بيئة إسلامية متسامحة مع حرية التدين لغير المسلمين ممن كانوا في عز الإسلام أهل ذمة ، فصاروا بعد ضعفه خارج إطار الذمة. ومعلوم أن الوطن العربي بيئة غريبة عن الكيان العلماني كغرابة فلسطين عن الكيان الصهيوني . ومعلوم أيضا أن الكيان العلماني إنما هو منتوج غربي تم تصديره إلى الوطن العربي خلال فترة الاحتلال الغربي للوطن العربي إبان القرن التاسع عشر. ويشهد التاريخ أن العرب لم يعرف عندهم شيء اسمه العلمانية ، والتي تفصل الدين عن الدنيا كما كان الحال في الغرب إبان ثورة العامة على طبقة الإكليروس المستبدة بالسياسة تحت شعار استغلال الدين . وتسويق الفكر العلماني إلى الوطن العربي الذي كانت معظم شعوبه تدين بدين الإسلام يدخل ضمن ما يسمى الغزو الفكري الموازي للاحتلال العسكري الغربي لهذا الوطن. وبعد أن تمت تصفية الحسابات داخل البيت الغربي خلال الحرب العالمية الثانية ، وهي حرب دوافعها الرغبة في التوسع الجغرافي ، وفي السيطرة على الموارد الطبيعية ، وعلى مصادر الاقتصاد في العالم . ومباشرة بعد انتهاء الحرب داخل البيت الغربي انقسم الغربيون المنتصرون في الحرب على أنفسهم بسبب اختلافهم الإيديولوجي فقسموا بموجب هذا الاختلاف العالم إلى قطبين علمانيين ، القطب العلماني السوفياتي ، والقطب العلماني الأمريكي . واختار القطبان خوض ما يسمى الحرب الباردة لتجنب الصدام المسلح بسبب المخاوف من الأسلحة النووية التي كشف استعمالها خلال الحرب العالمية الثانية عن خطورتها على الجميع في حال استعمالها مرة أخرى ، لهذا صارت الحرب الباردة بديلا عن الصراع المسلح بين المعسكرين السوفياتي والأمريكي ، وهي حرب مخابراتية ، وحرب جاسوسية . وموازاة مع الحرب الباردة المفروضة على المعسكرين معا اشتغل المعسكران معا بإشعال الحروب الساخنة في المستعمرات أو أشباه المستعمرات من خلال ركوب أنظمة دول العالم الثالث أو العالم المتخلف تكنولوجيا والتأليب والتحريش بينها ، وإرغامها على القيام بالدعاية الإيديولوجية لهذا المعسكر أو ذاك . وكان العالم العربي أكبر ضحية ضمن دول العالم المتخلف حيث تم توزيع أقطاره التي سبق تفتيتها إبان احتلاله إلى مناطق نفوذ هذا المعسكر أو ذاك . واستطاع التقسيم الإيديولوجي لأقطار الوطن العربي أن يخلق العداوة بين الأشقاء العرب ، وهي عداوة لا زالت لها تداعيات حتى بعد نهاية مسرحية المعسكرين والقطبين ، ومسرحية الحرب الباردة . ولما كان البيت الغربي علماني الصبغة سواء في نسخته السوفياتية أو في نسخته الأمريكية فإن العلمانية المصدرة إلى الوطن العربي عبر هذا النظام أو ذاك لم تعد وجهين لعملة واحدة ، وجه شيوعي ، ووجه رأسمالي. وعلى غرار صراع الحرب الباردة بين العلمانية الشيوعية ، والعلمانية الرأسمالية خاض العلمانيون العرب أو بتعبير دقيق المستلبون العرب بالعلمانية حروبا ضارية فيما بينهم قوامها تبادل تهم التخوين حيث كان العلماني العربي المستلب شيوعيا يتهم العلماني العربي المستلب رأسماليا والعكس. وبنهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين واتحاد شطري أوروبا اندمجت العلمانية الشيوعية في العلمانية الرأسمالية ، ووجد العرب المستلبون علمانيا على الطريقة الشيوعية أنفسهم في ورطة ، ولم يجدوا مع مرور الزمن بدا من الانضمام للعلمانية الرأسمالية بعد فقدان الوصي الشيوعي ، وتناسوا بسرعة الخلاف مع العلمانية الرأسمالية ، وبدلوا الجلود الإيديولوجية على طريقة الثعابين التي تبدل جلودها حسب فصول السنة . ومن المعلوم أن العلمانية الرأسمالية عندما انتهت الحرب الباردة في عقر دارها التمست عدوا آخر لتبرير وجودها ، وأطماعها فلم تجد عدوا أفضل من الدين الإسلامي الذي يناقضها . وهكذا حولت العلمانية الرأسمالية حربها من حرب داخل البيت العلماني إلى حرب في الساحة العربية والإسلامية . وتلقف المستلبون العرب علمانيا فكرة عداوة العلمانية الرأسمالية للإسلام خصوصا وأن قوام هذه العلمانية هو رفض الدين. والتحم المستلبون العرب علمانيا بشقيهم الشيوعي والرأسمالي ضد الإسلام، وضد كل من ينتسب إليه ، ووجدوا ضالتهم في الحرب الباردة الدعائية ضد الإسلام في طول الوطن العربي وعرضه . ومشكلة هؤلاء المستلبين العرب علمانيا أن الأنظمة العربية التي كشف الربيع العربي فسادها، وتبعيتها للغرب العلماني لا علاقة لها بالإسلام إلا مجرد الانتماء الشكلي له. والمؤكد أن الفساد الذي ثارت ضده الشعوب العربية إنما هو نتيجة تبني الأنظمة العربية لنموذج التدبير العلماني الرأسمالي أو الشيوعي من قبل . ونتيجة لذلك تم إقصاء الإسلام من السياسة وفق الطرح العلماني الغربي بحيث صار الإسلام يمارس على مستوى الشعوب، في حين كانت ممارسة الأنظمة العربية دائما علمانية بامتياز. ومع قناعة المستلبين العرب علمانيا بأن ممارسة الأنظمة العربية الفاسدة إنما هي علمانية ، وأنه لا يوجد نظام واحد يمكن أن يحسب على الدين الإسلامي في الوطن العربي، فإنهم لا زالوا يستهلكون بنهم شديد الحملات الدعائية ضد الإسلام وضد من له علاقة به لتبرير وجودهم ، وشرعنته في بيئة عربية إسلامية لا تنبت العلمانية أصلا . ومع اندلاع الثورات العربية في ربيع الشعوب العربية ، وهي ثورات غذاها بالدرجة الأولى الحس الديني بسبب ظلم العلمانية الرأسمالية الموالية للكيان الصهيوني والمتسببة للعرب في أكبر نكسة تاريخية ، وأكبر خسارة حضارية ، يحاول المستلبون العرب علمانيا ركوب هذه الثورات بحثا عن أسطورة من شأنها أن تؤسس للكيان العلماني الغريب عن البيئة العربية المسلمة في هذا الوطن العربي . ولهذا السبب تنشط الكيانات العلمانية في الوطن العربي في هذه الظروف بشكل غير مسبوق من أجل الاستباق لقطف ثمرة الربيع العربي ، وتحقيق ما لم تستطع العلمانية الرأسمالية تحقيقه عبر الحروب التي خاضتها ضد الإسلام سواء في الساحة العربية أم في الساحة الإسلامية بذريعة محاربة ما تسميه الإرهاب الإسلامي . وهكذا تحول المستلبون العرب علمانيا إلى طابور خامس يقوم بدور التبشير والدعاية للطرح العلماني الرأسمالي في الوطن العربي من خلال أقنعة مكشوفة . والمستلبون العرب علمانيا يريدون إقصاء الدين الإسلامي من الساحة العربية ، وهذه رغبة العلمانية الرأسمالية التي من أجلها خاضت وتخوض الحروب ضد من لهم علاقة بالإسلام . والمستلبون العرب علمانيا يبذلون كل ما في وسعهم ، ويديرون كل أنواع الدعاية ضد كل من له علاقة بالإسلام من أجل تهييء المناخ المناسب لكيانات علمانية مستنبتة في الوطن العربي عن طريق تضليل الشعوب العربية ، وعبر مسرحيات الانتخابات الهزلية التي لا تعدو أجندات مفروضة خارجيا من طرف العلمانية الرأسمالية التي لن تسمح أبدا بوقوف الإسلام إلى جانبها في هذا العالم ، ولن تسمح بوجود أنظمة سياسية إسلامية حتى على النمط التركي المعتدل الذي فرض وجوده في البيئة التركية الإسلامية التي لم تفلح العلمانية للنمو في تربتها بالرغم من القوة العسكرية التي اعتمدت من أجل ذلك . وحلم الكيانات العلمانية العربية لن يكون أفضل حالا من حلم العلمانية التركية التي لم تنفعها قوتها العسكرية مع تشبث الشعب التركي بإسلامه الرافض للعلمانية .

الأسطورة المؤسسة للعلمانية في البلاد العربية متهافتة لا محالة
الأسطورة المؤسسة للعلمانية في البلاد العربية متهافتة لا محالة

محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz