الأسباب الكامنة وراء ظاهرة التدين المغشوش لدى طوائف خارجة عن جماعة المسلمين

12307 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة : وجدة في 18 مارس 2012، من المعلوم أن ظاهرة خروج فرق وطوائف عن جماعة المسلمين كانت منذ زمن الفتنة الكبرى ، حتى أنه شاع في الثقافة الإسلامية نسبة هذه الجماعة إلى لفظة الخروج ، وسمي الخارجون عن جماعة المسلمين خوارج لأن الأصل في المسلمين الوحدة لا الطائفية داخل الجماعة الكبرى. ولم تعد تقتصر تسمية الخوارج على الفرق المنشقة عن شيعة الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل صارت تطلق على كل مفارق للجماعة الإسلامية بناء على تحريم وتجريم الإسلام لذلك وحكمه بقتل المفارق للجماعة ، وهو حكم معلوم ومحسوم.

وما كان القتال بين المسلمين عبر تاريخهم الطويل إلا بسبب هذا الخروج الذي كان يحصل بين الحين والآخر. وباستقصاء أخبار هذا الخروج عبر التاريخ يلاحظ أن الأسباب الكامنة وراءه لم تكن تعدو أغراضا دنيوية سياسية ومادية محضة ، مع أن أصحاب الخروج كانوا دائما يموهون على ذلك بالانتساب إلى الدين وتكفير جماعة المسلمين ، أو من يحكمها ، وفي أحسن الأحوال تفسيقها من أجل تبرير خروجهم عنها ، والإفلات من حكم الشريعة الإسلامية في حق كل من شق عصا الطاعة ومفارقة جماعة المسلمين. وعبر التاريخ الإسلامي كانت الفرق والطوائف الخارجة عن جماعة المسلمين تحيط نفسها أولا بنوع من السرية ، والتقية ، وهي في بداية التكون والتأسيس ، وهي سرية وتقية تقوم على أساس العزف على أوتار الروحانيات من أجل جلب الأنصار والمريدين ، حتى إذا ما كثر عدد هؤلاء خرجت هذه الطوائف من السرية إلى العلن ، وجعلت جماعة المسلمين ، ومن يتولى أمرها أمام الأمر الواقع ، وربما بطشت بولاة أمور جماعة المسلمين ، ونصبت عليها قادتها لتؤكد أن تأسيسها كان مغرضا وأنه تم التخطيط له من أجل الوصول إلى مراكز صنع القرار.

وليست كل الفرق والطوائف الخارجة عن جماعة المسلمين كانت تفلح في تحقيق أهدافها ، بل كانت في الغالب تندحر ، وتستأصل شأفتها ، ويفتضح أمرها بين الناس . ولا يختلف أمر الجماعات والفرق الخارجة عن جماعة المسلمين اليوم عنه في الماضي إذ لا زال أسلوب الخروج كما كان يعتمد العزف على أوتار التدين الذي يقوم على أساس تقديس تدين الخوارج بالمعنى العام للخروج مقابل الطعن في تدين جماعة المسلمين أو تدين من يقوم على تدبير شأنها من الحكام . ولا زالت أساليب الإغراق في الروحانيات ، وفي العواطف الدينية هي أقصر طريق من أجل الوصول إلى قلوب الناس خصوصا الذين من طبعهم تعطيل العقول على حساب تقديم العواطف الجياشة والمندفعة . والغالب على رؤوس الفرق والجماعات الخارجة عن جماعة المسلمين هو كونها شخصيات مهزوزة سيكولوجيا بسبب ظروف خاصة مرة بها في حياتها . وأهم ما يميز هذه الشخصيات هو اختلال التوازن بين طموحاتها ومؤهلاتها ، وهو اختلال يجعلها تفكر في الخروج وفق قاعدة ” خالف تعرف ” .

فالفشل في تحقيق الطموحات الطويلة العريضة على اختلاف أنواعها المادية والمعنوية بسبب نقص المؤهلات يحدو بالفاشلين إلى اختصار سبيل المجد ، والوصول إليه بواسطة مخالفة من كان الحظ حليفهم في تحقيق هذا المجد . ومعلوم أن ظاهرة الزهد التي عرفها المجتمع الإسلامي مباشرة بعد تحول حياة المسلمين من البساطة التي كانت تطبع عصر النبوة وعصر الخلافة الراشدة حيث لا معنى للزهد في حياة تطبعها البساطة والتدين الصحيح ، صارت ردة فعل على حياة التعقيد التي كان وراءها اختلاط الأجناس والأعراق المعتنقة للإسلام ، والناقلة لثقافاتها ، وأنماط عيشها المعقدة ، وهو ما أفضى إلى خليط غير متجانس داخل جماعة المسلمين تتصارع فيه القيم ، والمعتقدات الضاربة في القدم ، والمتسربة إلى الإسلام بشكل خفي وخطير أحيانا .

ومن الطبيعي أن تكون العصور التي عرفت تطور الحياة ماديا كالعصر الأموي والعباسي هي العصور التي ظهر فيها الزهد ، وهو ردة فعل إما الرافضين صدقا لهذا التطور بسبب طبيعتهم الميالة إلى بساطة الحياة على نمط حياة عصر النبوة والخلافة الراشدة ،وإما الفاشلين في الحصول على حظهم من هذه الحياة المادية . ومع مرور الزمن تحول الزهد من مجرد ردة فعل سببها تطور الحياة المادية إلى فلسفة في الحياة ، أخذت أشكالا مختلفة وتسميات متعددة للتمويه على حقيقتها ،وهي فلسفة قديمة ومعروفة عند كل الأمم وفي كل الثقافات، حيث يختار زعماء مشهورون حياة الزهد بعد حياة الرفاهية بسبب الانتكاس والفشل واختلال التوازن السيكولوجي عندهم .

ومن الزهاد في تاريخنا الإسلامي نوع أقبل على ملذات الدنيا وشهواتها بنهم وإسراف حتى إذا استنفذ الشره فيها أصيب بأزمة ضمير حادة ،فتحول من الشهوة إلى الزهد وفق قاعدة تحول الأشياء إلى أضدادها بعد بلوغ أقصى حدودها . فكم من متهتك أو متهتكة تحول إلى ناسك وناسكة . والأخبار التي تقص علينا بتشويق كيف صار هؤلاء المتهتكين عبادا ونساكا كثيرة. وهذه الأخبار تجد آذانا صاغية لدى كل شخصية متهتكة تكون قد بلغت أقصى حدود التهتك لأنها تبعث الأمل في نفوسهم المهزوزة سيكولوجيا ، وقد أخذ منهم اليأس مأخذه مع تقدمهم في السن ، وقربهم من النهاية ، وخوفهم مما بعدها من محاسبة .

وإذا كان بعض هؤلاء الزهاد أو المتنسكين قد طلبوا الزهاد كعلاج لحالتهم النفسية المختلة من أجل تجاوز عقدة التهتك ، فإن البعض الآخر ربما عوض ما حرم منه من تهتك بمجد زائف التمسه في الزهد ، وفتح له هذا الزهد آفاق الطموحات العريضة من أجل العودة إلى حياة التهتك من جديد ، ولكن تحت غطاء التدين المغشوش ، وهو تدين يقوم على ادعاء القداسة والطهر . والأخبار التي تحدثنا عن مغامرات عودة بعض شيوخ الزهد والتدين إلى التهتك المشرعن ـ إن صح التعبير ـ كثيرة . فكثير من هؤلاء أسسوا الزوايا والرباطات ، وجمعوا حولهم الناس ، واستغلوهم أبشع استغلال ، وفرضوا عليهم الضرائب ، ونالوا حتى من أعراضهم باسم التدين المغشوش . وتختلف طموحات هؤلاء الشيوخ ، فمنهم من يكون همهم هو جمع المال ، واستهلاكه في الملذات فقط ، ومنهم من يحلم بالزعامة السياسية ، ومنهم من لا حدود لطموحاته .

والقاسم المشترك بين هؤلاء هو مرض اختلال الشخصية بسبب ظرف من الظروف التي مروا بها . فمنهم على سبيل المثال من أثر فيه الحرمان بشكل من الأشكال ، فضاعت منه فرصة شهوة من الشهوات ، ومنهم من ذاق مرارة الخيانة ممن كان يعشقه أو خيبة الأمل …. إلى غير ذلك مما تتداوله الأخبار بشأن نماذج من طلاب المجد عن طريق التدين المغشوش والمموه . وتوجد في مجتمعنا المغربي نماذج من هؤلاء تتكرر بين الحين والآخر .

وآخر هذه النماذج نموذج الجماعة التي ضبطت مؤخرا ، وهي ما يسمى “الجماعة المهدوية” . فهذه التسمية كانت عبر التاريخ في بلادنا وسائر بلاد المسلمين مؤشرا على نوع الطموح الذي تنشده بعض الشخصيات المهزوزة سيكولوجيا . فإذا كان بعض ركاب الدين المغشوش يكتفون بتحقيق بعض الطموحات المادية ، أو السياسية ، فإن البعض الآخر يطمح إلى ما هو فوق هذه الطموحات رغبة في درجة “المهدوية “. ويمكن قياس درجة الاهتزاز السيكولوجي لدى ركاب الدين المغشوش من خلال معرفة نوع الطموح عندهم . والغالب على طلاب درجة ” المهدوية ” أنهم أكثر المهزوزين سيكولوجيا عقدة وزمانة مرض ، لأنهم يفقدون الأمل في تحقيق الطموحات المادية المحدودة لضعف مؤهلاتهم ، فيغرقون في طلب المستحيل منها كدرجة “المهدوية “. فظاهر أن زعيم “المهدوية ” الذي ظهر في المنطقة الشرقية من الوطن غر من أغرار ركاب الدين المغشوش تربى بين أحضانهم ، و عاش الحرمان خصوصا الجنسي ، فلم يجد إلى الإشباع الجنسي سبيلا ، فركب إليه التدين المغشوش ، ولا أدل على ذلك الطقوس التي ابتدعها وعلى رأسها ما يسمى ” الحشر ” ،وهو عبارة عن تهتك يتمثل في العري والاختلاط عن طريق التمويه بالحشر.

فطقس “الحشر” عند الفئة الخارجة عن جماعة المسلمين تحت عنوان ” المهدوية ” يعكس عقدة زعيمها ، ومن استهواهم هذا الطقس . فلا شك أن هذا الزعيم الغر حرم جاذبية الشباب المتهتك في علب الليل وأوكار الرذيلة ، والتي تستميل الحسنوات من بنات الهوى بوسامة الشباب أو وجاهته أو ماله . ولما كان زعيم ” المهدوية ” مفتقرا للوسامة واضح الذمامة ، ومعدما تربت يداه ، ومغمورا ، فقد الأمل في ولوج علب الليل ، وأوكار الدعارة كما يفعل المتهتكون ، وفكر في ركوب الدين لإشباع حرمانه من التهتك تحت ستار التدين المغشوش . ولا أدل على ذلك ما نقل من أخبار عن سطوه على أزواج غيره .

وطقس ” الحشر” هو أيضا إشباع يعكس مدى حرمان زعيم الجماعة “المهدوية” من السهرات الراقصة في علب الليل حيث الاختلاط ، والاحتكاك الجنسي المباشر والأجساد العارية . فكل ما لم يتحقق لزعيم ” المهدوية ” في الواقع الإباحي أباحه لنفسه باسم التدين المغشوش . وخلاصة القول أن المبالغة في الزهد المفضي إلى التدين المغشوش والمنحرف تكون إما بسبب المبالغة في التهتك ، أو بسبب الحرمان من هذه المبالغة في التهتك . ولقد راجت أخبار عن نماذج لبعض المتهتكين الذين أفضى بهم الندم من فرط التهتك إلى درجة الانتحار أو التفكير في الانتحار، كما كان حال شاب موسر أعرفه أصاب من كل فنون التهتك ، ثم فجأة أصابه الندم ،ففكر في الانتحار بإحراق نفسه بنار في الحياة بعدما فقد الأمل قبل أن يحرق بنار الآخرة كما كان يعتقد . وهو اليوم ناسك زاهد بعدما نجا من محاولة الانتحار ، واستعاد أمله في التوبة وعفو الله عز وجل ، وهو يعتبر عند أهله في عداد المرضى سيكولوجيا .

وأذكر يوما ، ونحن في جلسة وعظ مؤثرة مبالغة أحد الشباب في البكاء ، وكان إلى جانبي أحد الفضلاء ، فقال لي بكل عفوية : ” لا شك أن هذا البكاء يعكس أحد أمرين :إما صفاء فطرة هذا الشاب وبراءته ، وإما حجم التهتك الذي مر به . فقد تصح فرضية هذا الفاضل بالنسبة لبعض المبالغين في الخشوع والبكاء ، لأنه من الطبيعي والمنطقي أن يبالغ في الندم من أسرف في الإساءة . ومن أكثر التهتك في فترة غفلته وضلاله ، أكثر الندم والبكاء بعد توبته.

أما العناصر المريضة التي يدفعها الحرمان على اختلاف أنواعه إلى التدين المغشوش ، فحالها مختلف حيث تطلب التهتك باسم الدين، لأن الظروف لم تسمح لها بهذا التهتك ،كما هو حال المهدي المنتظر الظاهر فينا مؤخرا . وعلى أهل العلم من المربين تنبيه الأمة إلى ظاهرة الخروج عن جماعة المسلمين لأسباب مغرضة أخسها طلب الملذات والشهوات . محمد شركي – وجدة البوابة

الأسباب الكامنة وراء ظاهرة التدين المغشوش لدى طوائف خارجة عن جماعة المسلمين
الأسباب الكامنة وراء ظاهرة التدين المغشوش لدى طوائف خارجة عن جماعة المسلمين

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz