الأداء الحكومي بين نقد المزايدات الحزبية والنقد المحايد/ محمد شركي

22604 مشاهدة

محمد شركي/وجدة البوابة: وجدة في 3 فبراير 2013، الأداء الحكومي بين نقد المزايدات الحزبية والنقد المحايد
حل الربيع العربي بالأمة العربية، وقد وحدتها الثورة على الفساد بكل أشكاله إلا أن الفلول صانعة الفساد لم تغادر كما غادرت بعض رموزه التي أطيح بها أو فرت أو راوغت. وواجهت مشاريع الإصلاح  كل مخلفات مرحلة الفساد المستشري لعقود طويلة حتى أن هذا الفساد تجذر في المجتمعات العربية  ، ووقر في أذهان الكثير أنه قدر لا مفر منه  ، ولا مندوحة عنه . ومن مشاريع الإصلاح التي أفرزها الربيع العربي  وصول قوى سياسية  جديدة إلى مقاليد السلطة ،وتحديدا القوى السياسية المحسوبة على الإسلام أو ذات المرجعية الإسلامية . وكانت ردود الفعل على  وصول هذه القوى السياسية  إلى مراكز صنع القرار قوية في العالم عموما وفي العالم العربي على وجه الخصوص حيث لم تستسغ القوى السياسية  التي كانت تعاشر الأنظمة الفاسدة بل تشاركها في تدبيرها الفاسد والفاشل ما نتج عن الربيع العربي ، وتحديدا وصول القوى السياسية الإسلامية إلى السلطة .  ومنذ أول وهلة على اختيار الشعوب العربية هذه القوى السياسية الإسلامية ديمقراطيا وعبر صناديق الاقتراع بدأت حملة التشكيك في  كفاءتها وقدرتها على  إصلاح ما فسد من أوضاع في العالم العربي ، ثم انتقل الأمر من التشكيك  إلى  وضع الأعواد في العجلات كما يقال ، وانتهى الأمر مؤخرا إلى تجريب  أسلوب الثورات المضادة من أجل إسقاط  القوى السياسية الإسلامية  من الحكم . ولقد أكدت جهات مطلعة  عبر وسائل الإعلام أن الغرب  بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية  متورط في  تحريض فلول ورموز الأنظمة الفاسدة المنهارة  على الثوارت المضادة  مع تخصيص ميزانيات ضخمة لهذا الغرض ،لأن ما يسمى المصالح الاستراتيجية لهذا الغرب  باتت مهددة بوصول الأحزاب الإسلامية إلى مراكز صنع القرارومراكز التدبير. هذه الوضعية الحالية في الوطن العربي لا يمكن أن ينكرها منكر أو يجحدها جاحد ،والنموذج المصري خير شاهد عليها . ولا تختلف هذه الوضعية في باقي أقطار الربيع العربي مع وجود فارق على اعتبار أن مصر ظفرت فيها القوى السياسية الإسلامية حتى  بالرئاسة  خلاف ما حدث في باقي الأقطار العربية التي  نشأت فيها حكومات إسلامية فقط أو لا زالت حكوماتها  انتقالية  في انتظار نتائج اللعبة الديمقراطية  التي  تأكد أنها لعبة  غير مقبولة عند  فلول الفساد حين تفرز  نتائجها فوز القوى السياسية الإسلامية ، وكأن هذه اللعبة  قدرها الوحيد أن  تفرز نتائجها فوز غير القوى السياسية الإسلامية  بل تفرز القوى السياسية المحسوبة على فلول الفساد . ومعلوم أن الحكومات الإسلامية في بعض أقطار الربيع العربي  ـ وقولنا  أقطار الربيع العربي يستثني الأقطار التي لم تعرف حراكا شعبيا ،ولا زالت الأوضاع فيها كما كانت من قبل ـ ورثت عبئا ثقيلا بسبب الفساد  الشيء الذي جعلها تواجه  أكبر وأخطر التحديات. وتشبه  حال  هذه الحكومات الإسلامية  حال  شخص  دخل  لعبة الورق وهي في أطوارها الأخيرة معوضا  اللاعب  الذي أوشك على الخسارة المحققة والإفلاس.فعلى سبيل المثال حلت حكومة عبد الإله بنكيران محل حكومات سابقة مفلسة بامتياز ، وكانت وراء طامة الفساد الذي خرب البلاد وأهلك العباد ، وبدت حكومة بنكيران  وكأنها تريد إنقاذ لاعب الورق المفلس ، و الوشيك الخسارة من خلال الرهان على ما بقي في يده من أوراق في حكم الميتة  التي لا يمكن أن تنقذ اللعبة. ولقد كان على هذه الحكومة وقد اكتشفت موت أوراق اللاعب المفلس أن تتوجه إلى الشعب  لتخبره بالوضع الحقيقي، وتخيره بين الحلول الممكنة لإنقاذ البلاد  بما فيها  الحلول القاسية عوض ممارسة تجربة غير محمودة العواقب . وفي اعتقادي أن الجهات التي  سارعت إلى اتهام  حكومة السيد عبد الإله بنكيران  بأنها  تفتقر إلى الكفاءة  اللازمة لتدبير شؤون  بلد دمره الفساد كانت على علم بحجم الفساد  الذي لا يمكن لأية جهة أن  تقضي عليه مهما كانت . ومن المؤكد أن هذه الجهات المشككة في كفاءة حكومة بنكيران منذ يومها الأول لا تعدو ممارسة النقد بسبب المزايدات الحزبية  ، وهو نقد يفتقر إلى الموضوعية والحياد والمصداقية أيضا . وأمام تهافت نقد حكومة بنكيران بسبب المزايدات الحزبية ، يجد النقد المحايد نفسه في  ورطة  أو في مشكلة أو أمام إشكال كبير ، فهو إما أن يصنف  ضمن  نقد  المزايدات الحزبية ،والحالة أنه لا علاقة له بها بتاتا أو يتهم بالسكوت عن تعثرات أداء الحكومة ، والأمران معا كلاهما مر . وشتان بين  نقد المزايدات الحزبية  والحملات الانتخابية قبل  الأوان ، وبين نقد محايد لا ناقة ولا جمل له في  هذه المزايدات والحملات الدعائية  المغرضة والمكشوفة . فالنقد المحايد لا يهدف إلى إحراج حكومة بنكيران كما يفعل نقد المزايدات الحزبية ، بل يهدف إلى تقديم النصح لها من أجل أن تنهج النهج السليم لممارسة الإصلاح المنشود . والنقد المحايد يرى أن أو خطوة ناجحة  نحو تحقيق الإصلاح  هي الوصول إلى الجهات المسؤولة عن الفساد عوض الاكتفاء بتشخيص فسادها ،علما بأن هذه الجهات نافذة  ومستعصية على المحاسبة  والمتابعة والمساءلة حتى أنها سميت تماسيح لضرواتها ، وعفاريت  لقدرتها على سرعة الاختفاء ، وطمس معالم فسادها بسهولة ويسر . وحكومة بنكيران عندما  تحاول  الإصلاح دون قطع دابر المفسدين شأنها شأن من يعالج العضو الفاسد قبل تنظيفه حيث لا يفيده الدواء شيئا . ومعلوم أن الشعب المغربي  يعي جيدا أن  حكومة بنكيران قد ورثت  وضعا  فاسدا  ، وهو وضع أخرج الناس للاحتجاج في  الشوارع ،  وهو الذي جعلهم يراهنون على حزب بنكيران بعد الثقة في نزاهته تبعا لانتسابه إلى المرجعية الدينية  التي إن فقدت فيها الثقة ، فلا ثقة بعدها في غيرها ، و لأنهم قد يئسوا من غيره من الأحزاب التي جربت حظها  ولم يجن البلد في فترات  حكمها سوى الفساد والإفساد إلا أن الشعب  لا يقبل  أن  يضحي وحده من أجل إخراج البلد من أزمة الفساد في الوقت الذي تفلت فيه  العناصر المفسدة  من المحاسبة والمتابعة . قد يقبل الشعب التضحية مهما كانت جسيمة إذا ما رأى  تماسيح وعفاريت الفساد تطارد بجدية وتحاسب  بصرامة ، ولكنه لا يقبل أدنى تضحية ،وهذه التماسيح والعفاريت  طليقة  تستفيد من  خيراته وأمواله المنهوبة والمسروقة والمهربة  . ولا يضير الشعب أن   ترتفع أسعار الوقود التي كان من المفروض أن ترفع من قبل  عندما كانت أحزاب المزايدة في السلطة ، ولا يضيره أن يؤثر ارتفاع أسعار الوقود على ارتفاع باقي الأسعار، وهو أمر لا مندوحة عنه ، ولا يضيره أن يزداد حجم الضرائب بشكل لم يكن من قبل حتى  بلغ الأمر فرض ضرائب على أمور بعد الإعفاء منها  لعقود ، ولا يضيره  أن تمدد مدد الخدمة  بعد بلوغه سن التقاعد ، ولا يضيره أن  يجتاز المباريات النزيهة من أجل التوظيف النزيه الذي يعوض التوظيف  المباشر وهو توظيف المحسوبية …. ولا تضيره إجراءات أخرى قد تتبناها حكومة بنكيران، بل الذي يضيره هو أن يصير الشعب عبارة عن فئتين : فئة ضحية  تضحي ، وأخرى جلادة  تستفيد  علما بأن الفئة المستفيدة هي فئة التماسيح والعفاريت . ومما جاء في الأثر أن بني إسرائيل قد أهلكهم الله عز وجل  لأنهم كانوا إذا سرق  العفريت أو التمساح فيهم تركوه ، وإذا سرق الضعيف  أقاموا عليه الحد . فحكومة بنكيران تركت  العفاريت والتماسيح حرة طليقة  ، ولم تسترجع ما نهبته ، مع أنه  سبب الفساد كله ، وراهنت على  الضعفاء  تعاقبهم  على فساد التماسيح والعفاريت ، وهي بذلك  تخطو نحو هلاك من الله عز وجل يتهددها  خصوصا عندما ترفع شعار : ” عفا الله عما سلف في وجه تماسيح وعفاريت الفساد ”  وما كان الله عز وجل  ليعفو عنها  وهي ظالمة لم يقتص منها ولم يسترجع ما بحوزتها مما نهب . وأخيرا لا بد أن  نميز بين نقد محايد لسياسة حكومة بنكيران ،ونقد المزايدات الحزبية. ولا يعقل أن  تحاول بعض الجهات إخراس  النقد المحايد أو التشكيك في مصداقيته  دون تمييزه عن الطابع المغرض والمكشوف  لنقد المزايدات الحزبية الفاضح . وعلى حكومة بنكيران أن تقف وقفة نقد ذاتي  ، وتكون صريحة مع نفسها  في محطة تقييم ضرورية و موضوعية  لأدائها قبل  فوات الأوان  من أجل مراجعة  سياستها، لأن  نقد المزايدات الحزبية  بات  يشوش عليها  وعلى الشعب  أيضا الذي  لم يستسغ أن  يكون ضحية في  وقت يفلت  جلادوه من العقاب .وإذا كان السيد بنكيران  قد أعوزته الشجاعة والجرأة لمواجهة تماسيح وعفاريت الفساد ، فعليه أن يتحلى بالشجاعة  اللازمة ليلعب  بطريقة مناسبة وذكية لجعل رموز الفساد في حالة شرود مكشوف وواضح  ، ويتركهم وجها لوجه  مع الشعب  الذي يعرف كيف  يجدد ربيعه  من جديد ، وما ذلك على الشعب بعزيز.

الأداء الحكومي بين نقد المزايدات الحزبية والنقد المحايد/ محمد شركي
الأداء الحكومي بين نقد المزايدات الحزبية والنقد المحايد/ محمد شركي

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz