الأخلاق أولا وأخيرا/وجدة: محمد طاقي

29184 مشاهدة
قيمة أي إنسان في خُلُقه، حيث لا أخلاق فإنه لا ذكر لمعاني الإنسان وقيمه، فالتفريق بين الإنسان والمخلوقات الأخرى ترتبط بهبة العقل وسلوك الخلق، فالخُلق يشمل كل فضيلة قيمية من عدل وشجاعة وكرم ونزاهة وصبر و صفح وغيرها، ولعل دين المسلم كله هو خُلقه، فهو في مواضع كثيرة _ أي الخلق _ يسمو على الصائم والعابد القائم، ولهذا يميل البشر نحو كل ذي خلق ويفضلونه حتى لو كان غيره يفوقه في أشياء كثيرة.. والكثير من الناس يذهب بعيدا من أجل اقتناء حاجياته على بائع متخلق بشوش يمتاز بحسن المعاملة دون أن يأخذها من آخر تاجر فض أخلاقه سيئة حتى لو كان هذا التاجر يعتبر أحد الجيران.
فالخُلق أساس الثقة وأساس الاستمرارية بل هو أساس التحضر والحضارة، لأن لا حضارة بدون خلق. ولاشك أن سوء الخلق يساوي التخلف والجهل (لا أقول الأمية) والانحدار..، ولكم أتمنى أن يقوم العالم بتجربة القرن أو الكون بأن ينتقل سكان الجنوب من مغاربة وجزائريين وسينغالين وكينيين.. إلى أوروبا ويسكن الأوربي القارة الإفريقية، لأنها في ظني ستكون تجربة الكون والتاريخ والبشرية، بل ستكون صدمة كونية تتحول فيها أوروبا للجنوب وتصير فيها أوروبا زبالة العالم تملؤها الحروب والصراعات والفقر والجوع كما هو الحال في إفريقيا. فالراجح أن هذا الافتراض هو الاحتمال المتوقع، لأن السنن الكونية لا تحابي أحدا، باعتبار ثالوث البناء والتطور من عمل وأخلاق وعدل لصيق بمنطق الازدهار والرخاء، فالمسألة ليست أمكنة أو أزمنة، وليست مرتبطة بتغيير للقارات أو تغيير عرق أو حتى لغة، بل مسألة مرتبطة بالإنسان كإنسان.ما تزخر بهما اليوم اليابان وأوروبا ما هو إلا نتيجة حتمية ومنطقية للعدل والمعرفة والخُلق. وأرض اليابان أو أرض ألمانيا لا تلد ديمقراطية ولا تلد تطورا ولا حضارة، فاليابان تنجب الزلازل وألمانيا بلد السقيع والثلوج. لهذا لا يمكن لشعب بدون أخلاقه أن يصل ما وصلت إليه الشعوب المتحضرة سواء في القدم أو في العصر الحديث. لأن التاريخ يُظهر أن أغلبها اندحروا بسبب تخليهم عن تلك القيم.ولا أحد ينكر ما قد يفعله سحر الخُلُق في التفوق على ما يتصف بالصلابة والشدة، إذ أن الأخلاق أدخلت أقواما للإسلام ما لم يصنعه جبروت السيف والغزو، وهذا يجعل المسلم متميزا عن كافة البشر بخلقه في تعاونه وتآخيه وصبره وعمله الصالح حيث يكون سلوكه موجها للحياة بدون استثناء في كل صغيرة وكبيرة. ولطالما كانت المعرفة تمد الناس بالوعي ولكن الأخلاق ترفع من قدرهم، بل إنها قد ترغم فيه الأعداء على فرض الهيبة والاحترام، مثل ما فعل صلاح الدين الأيوبي مع قلب الأسد وعمر ابن الخطاب مع أقباط مصر…أليست هذه الأخلاق العابرة للقلوب في أرجاء العالم سببا في سمعة المسلمين آنذاك، نحتاج الآن إحياءها من جديد كأقوى سلاح عرفه التاريخ.
Tagui Mohammed :: طاقي محمد
Tagui Mohammed :: طاقي محمد

اترك تعليق

2 تعليقات على "الأخلاق أولا وأخيرا/وجدة: محمد طاقي"

نبّهني عن
avatar
عبدالكريم كعداوي
ضيف
السلام عليكم ورحمة الله بارك الله فيك أخي الطاكي على هذا المقال المتميز كما باقي مقالاتك واستسمح في إضافات بسيطة تعزز موقع الأخلاق في بورصة القيم حتى يتوسع قليلا الموضوع، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق؛ وكأن رسالة الرحمة العالمين كلها ملخصة في تلك المكارم الخلقية التي بغيرها لا يمكن أن تشيع الرحمة بكل تأثيراتها وإسقاطاتها على الواقع اليومي لبني البشر. إضافة إلى ذلك، وفي نقطة حساسة، وعادة ما تختلط لدى الكثيرين، وهي التي يلخصها قوله عليه الصلاة والسلام: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه… فلا يكتفي الهدي النبوي بالرضا عنة جانب التدين لدى… قراءة المزيد ..
thouria maatallah
ضيف

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل المرسلين يسعدني اخي الكريم ان اعلق على مقالك القيم فعلا حسن الخلق ملاك الفضائل ونظام عقدها، ومحور فلكها، وأكثرها إعدادا و تأهيلا لكسب المحامد والأمجاد، ونيل المحبة والاعتزاز لدا العباد ورب العباد.ولك اخي احتؤامي وتقديري

‫wpDiscuz