الآثار السلبية لعقدة الشعور بالقداسة و تزكية النفس والطهر المصحوبة بالغرور لدى بعض المحسوبين على الدين

105815 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “الآثار السلبية لعقدة الشعور بالقداسة و تزكية النفس والطهر المصحوبة بالغرور لدى بعض المحسوبين على الدين”

من عادة الإنسان  الذي ينتقل  من مرحلة رقة  الدين  أو ضعفه  إلى  مرحلة التدين أن  يقع   فريسة  عقدة  نفسية تتجلى من خلال  الشعور بتزكية  النفس  وطهرها  ،وهو شعور  يفضي في النهاية  إلى  الغرور  الذي يتولد  عنه  الاستعلاء  والكبرياء . و غالبا ما يحصل  التطرف  أو  المبالغة  في  الشعور بالطهر  وتزكية النفس  لدى  نوع  من  الناس   يمرون  بمراحل انحراف كبير  عن الفطرة  الإنسانية  السليمة  المعروفة  بالاعتدال  والوسطية  بين  شعورين  على طرفي  نقيض  شعور  بالدونية  وشعور  بالاستعلاء . وسجل  التاريخ  أحوال  بعض  الشخصيات  التي  أسرفت  في الانحراف   في فترة  من حياتها  ثم  صارت  بعد ذلك  مسرفة  في التدين  تدعي  القداسة  والطهر . وتختلف  عقدة  الشعور  بالقداسة  والطهر  وتزكية  النفس حسب   درجة تطرف   العقائد  المتبعة . فأكثر من تتجلى  لديهم عقدة  الشعور بالقداسة وتزكية  النفس المنتمون إلى الطرق  الصوفية  الموغلة في  الأمور الروحية  حيث يخلق أصحاب هذه الطرق  لأنفسهم عوالم خيالية ووهمية  خاصة بهم  لها  مواصفات غريبة،  ولهم أنواع خاص من الخطاب  الموغل في الرمزية والتعمية  . وأهل الطرق  يعيشون  حياة  ثنائية  أو بأدق  تعبير  نفصاما  عبارة عن حياة  الواجهة  أو الظاهر  ، وحياة  الخفاء  أو  الباطن ، ولهذا  يحسبون  على أهل  الباطن ، وحتى  النص  المقدس  له عندهم  باطن  وظاهر  ، وهم  يعتقدون  أنهم  يستطيعون التغلل  إلى    باطن المقدس بينما  غيرهم  مبلغه  من العلم  بهذا  المقدس  هو الظاهر فقط . والطرقيون  هم  أصحاب  ما يعرف  بالعلم اللدني  ، وهو  علم  متوهم  سببه  الشعور  بالقداسة   وتزكية  النفس، الشيء  الذي  يجعل هؤلاء  يزعمون  التواصل مع  الملأ  الأعلى  أو مع عالم  الغيب  بشكل  لا يتأتى  لغيرهم  من  عوام  الناس . ويقتسم هؤلاء الطرقيون مع عامة الناس  عالم  الشهادة  فقط ، ولكنهم  يستأثرون  بعالم  الغيب دون غيرهم ، وهذا الاستئثار  هو  الذي  يولد  لديهم  عقدة  الشعور بالقداسة  وتزكية النفس ، ويجعلهم  يركبون غرورهم . ونظرا  لما يحيطون  به  أنفسهم  من هالة  القداسة  يعتقد  فيهم  بسطاء الناس وعوامهم  هذه القداسة  ويتصرفون  معهم  تصرفات  تزيدهم  مبالغة  في  الشعور  بالقداسة  وتزكية  للنفس  ، وتزيدهم  غرورا  عندما  يقبل  هؤلاء الناس  البسطاء أيديهم  وأطرافهم  ، ويظهرون  لهم  كل أنواع  التبجيل  والتعظيم  ، ويصنعون منهم  أوثانا  بشرية  تعبد  مع  الخالق  سبحانه وتعالى  عن  الشركاء. وأكثر من الطرقيين  إصابة  بعقدة  الشعور  بالقداسة  وتزكية النفس  الذين  يدعون النسب  النبوي  الشريف  حيث  يعتقدون  في أنفسهم  ما ليس  في متناول غيرهم من خلق الله . وبسبب عقدة  الشعور بالقداسة  والطهر التي  مرجعها  ادعاء النسب  النبوي  الشريف  نشأت عقائد متطرفة  تتاجر  بآل بيت رسول الله  صلى الله عليه  وسلم  مقابل  الحصول  على  التوقير  والتبجيل  والتقديس  ، وترى فيمن لا  يحذون  حذوهم  في المتاجرة  بآل  البيت  أنهم  مخلوقات  من  درجة دنيا  ، وأنهم   يعيشون  في  ضلال  مبين  مع أنهم  يوحدون  الواحد  الذي  لا إله  معه  ، ويصدقون بما أنزل  على رسوله  صلى  الله  عليه  وسلم . ودون  عقدة  الطرقيين  والمتشيعين  تأتي  عقد  طوائف أخرى  تعتقد  أنها  وصية  على الإسلام  دون غيرها  أو أنها  الناطقة  الرسمية  باسمه  ، و أن فهمها  له هو  أصح  فهم  وممارستها  له  هي  أصوب  ممارسة ، الشيء  الذي  يولد  لديها  عقدة  الشعور بالقداسة  وتزكية  النفس ، ويجعلها  تركب غرورها أيضا . ويحتار المرء أمام  هذه  الطوائف ،  فبعضها  يدعوه  إلى سلوك الطرق  من أجل  الوصول إلى  الحقيقة  ، و يجعل  دون  ذلك الوصول  أورادا وطقوسا  وشطحات معلومة ، من لم  يقم  بها ما هو  بواصل  ولا عارف  ،  ولا  ذوق  له بل هو  عديم  الذوق ، و جاهل  لا علم له  . وبعضها يدعوه  إلى  الخروج  والسياحة  في الأرض زمنا معينا  من أجل  الوصول إلى  الحقيقة ، فإن  لم  يخرج ، ولم  يضرب في الأرض فما  هو  بمدرك  هذه  الحقيقة . وبعضها  يدعوه  إلى  جلسات  خاصة   تنعت بالروحية  بكيفيات  خاصة  إن  هو  لم يجلسها  استغلق عليه  أمر  الحقيقة استغلاقا  … إلى غير ذلك  من الهالات  التي تحيط  بها  كثير من الطوائف  نفسها   بسبب  عقدة  الشعور بالقداسة  والطهر . وما إن  ينخرط  الفرد  مع  بعض هذه  الطوائف  حتى  تصيبه  عدوى   عقدة الشعور  بالقداسة  والطهر  أو  يرى  نفسه  وصيا  على  الحقيقة  الدينية ، وأن  غيره  مجرد خابط خبط  عشواء في الدين . ومن المثير للسخرية  لدى  البعض  أنهم  يستشعرون  القداسة  والطهر  والوصاية  على  الدين  بمجرد  إطلاق  اللحى  أواتخاذ  المسبحات  أوارتداء  ألبسة  خاصة  يضفون عليها  قداسة  يتوهمونها  مع أن اللباس  لا يصنع  الراهب  كما  يقال . وبمجرد  أن  يخرج  بعض الناس  من  هيئة  عادية كباقي  الناس  إلى  هيئة  يعتقدون  أنها  توحي بالتدين يصابون  بعقدة  الشعور بالقداسة والطهر  ويغترون  بذلك . ومن  الناس   من  تركبه  عقدة  الشعور بالقداسة والطهر  بمجرد  زيارته  للأماكن  المقدسة  حيث  يقصدها  وهو  واحد  من خلق  الله  ثم يعود  و هو  يعتقد  في نفسه  أنه  قد صار مخلوقا  آخر  خرج  من  الطبيعة  الترابية  إلى  الطبيعة  النورانية ، ويغتر  بذلك ، وينظر بدونية  واحتقار إلى خلق  الله عز وجل . وممن  يصابون  بعقدة  الشعور  بالقداسة  والطهر  المشتغلون  بعلوم  الدين  من علماء  وفقهاء وخطباء  ووعاظ  حيث   يعتقدون  أنهم  هم  الأوصياء على الدين ، وأنهم وحدهم من يحق لهم أن  يتحدثون  باسمه  ، وأنهم  أقدس  وأطهر  من غيرهم  بسبب ذلك  ، ويركبون  غرورا  من  نوع خاص ، وينفخ  العوام  في  غرورهم ليزدادوا كبرياء  من خلال   المبالغة  في تقديسهم  ، فيصيرون  أوثانا أيضا  تعبد  مع الله  عز وجل  مع  أن مهمتهم هي   توجيه  الناس  إلى  عبادة  الخالق  سبحانه  والاعتقاد  بقدوسيته  دون  قداسة  غيره من خلقه  باستثناء  من  قدس  ورفع  وطهر  من  أنبيائه  الأصفياء صلواته  وسلامه  عليهم  أجمعين  . ويلج  بيوت  الله  أفراد   تتضخم  لديهم  عقدة  الشعور بالقداسة   والطهر ،فيرى  ذلك  في تصنعهم  لسمت متوهم   يوحي  أو  يشي  بهذه  العقدة من خلال  هيئات  أو ألبسة  كما سبق أن  أشرنا ، فينطق  لسان  حالهم  قبل  لسان مقالهم  بغرور  مثير  للسخرية . وإذا  ما تجاهلتهم  العيون  يحاولون  إثارة  الانتباه  إلى  معاناتهم  من عقدتهم المزمنة  عن طريق  بعض  السلوكات  المتكلفة ، فيصححون  في اعتقادهم  لبعض  رواد  بيوت  الله  طرق  تعبدهم، و يرون  في أنفسهم  الإسوة  والقدوة  والنماذج  التي يجب  أن  تحتذى ، ولا  تعدم  نظرات  الاستخفاف  بخلق  الله  في أعينهم  التي  تكتحل  بالكبرياء الفاضح .  وقد  يظهرون  الاشمئزاز  من  بعض  خلق الله  ويحوقلون  ويستغفرون  الله   ويحاولون  إثارة  الانتباه  نحوهم ، وهم  يفعلون  ذلك  ليعلم  الناس  أنهم الأوصياء  على الدين  الذين  يجب أن  يؤخذ  الدين  عنهم  وكأنهم  قد أوحي  إليهم  أوأمروا  بالتبليغ  أو  حصلوا  على  الإذن  من  الرسول  الأكرم المبلغ  عليه الصلاة و السلام  ،ومنهم  من  لا يجد  حرجا  في إدعاء هذا الإذن حقيقة   ولا يخجل  من نفسه وهو يدعي ذلك أو  يتوهمه  .  ومن الآثار  السلبية  لهذه  العقدة  أن أصحابها  لا يلتفتون  إلى عيوبهم  ، ولا يقبلون أن تقدم  إليهم  كهدايا ، فضلا  عن فقدان الناس  الثقة   فيهم  وربما في هذا  الدين  ، مع شعورهم  بالعداء للذين  يعانون  من هذه العقدة  المزمنة  ، وقد يحملون  مسؤولية  غرور  وكبرياء أصحابها  للدين  جهلا  أو  ظلما . 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz