الآثار السلبية الخطيرة لتعاطي خطاب التجريم والتهديد والتحريض بين الفرقاء السياسيين في المغرب

18656 مشاهدة

محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 15يناير 2013، لم يعرف المغرب تنامي ظاهرة تعاطي خطاب التجريم والتهديد والتحريض كما عرفها  مباشرة بعد ربيعه الذي أفرز دستوره الجديد ، وحكومة التيار الإسلامي لأول مرة منذ استقلاله . ومن المعلوم  أن قدر التيارات الإسلامية سواء في المغرب أوفي الوطن العربي أو حتى في البلاد الإسلامية  كان هو المعاناة من خطاب التجريم والاتهام بأشنع التهم . فمعظم الأنظمة الإسلامية والعربية كانت  ولا زالت تتوجس من هذه التيارات ، وهو توجس مستوردة من بلاد الغرب العلمانية التي دخلت مرحلة جديدة مما يسمى الحروب الصليبية  بطرق وأساليب جديدة فيها من التمويه ما  تنطلي حيله على من قصر نظره،  وقلت معرفته بعلاقة الغرب مع بلاد الإسلام  والعروبة . ويذكر الجميع  جيدا كيف كانت التيارات الإسلامية تعاني من مضايقات الأنظمة السائرة في فلك الغرب بشقيه الليبرالي  والاشتراكي قبل أن ينصهر الغرب  برمته في القطب الليبرالي الذي كان ولا زال يتوق إلى  عولمة نموذجه الحضاري وفرضه على الجميع . ولم يكن يسمح للتيارات الإسلامية بممارسة الفعل السياسي على اعتبار أنها توجد  خارج اللعب السياسي  أو الديمقراطي . وظل الانتماء إلى هذه التيارات الإسلامية تهمة  تزيد خطورتها وتنقص حسب طبيعة الأنظمة من حيث البطش والاستبداد . ولا يخلو سجل المنتمين إلى التيارات الإسلامية من تجارب الاعتقال والملاحقات المريرة حتى وقر في نفوس العديد من الناس البسطاء أن  مجرد الانتماء إلى هذه التيارات يعتبر جريمة تعاقب عليها قوانين هذه الأنظمة القاسية  . ولعب التضييق على التيارات الإسلامية دورا رئيسيا في انشقاقها على نفسها إلى  تيارات  قبلت الدخول في اللعبة السياسية مع  تلك الأنظمة ، وأخرى ظلت رافضة للتعامل معها . ومن أجل مواجهة الأنظمة العربية للتيارات الإسلامية التي كانت تعتبرها متشددة ، وخارج قانونها قبلت التعامل مع  تلك التي اعتبرتها تيارات إسلامية معتدلة . وهكذا نشأت لأول مرة أحزاب  محسوبة على التيارات الإسلامية ، بل  كانت دائما  المفاوضات سرية بين تلك الأنظمة وبين بعض هذه التيارات الإسلامية حتى في عنابر وزنزانات السجون والمعقلات من أجل ترويض بعضها وحملها على العبور من ضفة التشدد إلى ضفة الاعتدال كما  كان الحال مع الجماعة الإسلامية في مصر على سبيل المثال لا الحصر . وبعد الربيع العربي وحراكاته  التي  أفرزت  قوة  التيارات الإسلامية ، لم تجد الأنظمة العربية بدا من  قبول  الأمر الواقع وهو ضرورة التعامل مع  التيارات الإسلامية  خصوصا المعتدلة منها ، والتي  شاركت في اللعبة الديمقراطية وكان الفوز حليفها. ومن سوء حظ  التيارات الإسلامية الفائزة  أنها  وجدت نفسها وجها لوجه أمام  أوضاع اقتصادية واجتماعية مزرية سببها الفساد الذي قدح شرارة حراكات الربيع العربي . وأمام توجس الغرب والأنظمة العربية التي لم تسقط بسبب الربيع العربي من التفاف الشعوب حول الأحزاب الإسلامية  رغبة في التخلص من الفساد ، نشأت ظاهرة  تداول خطاب التجريم والتهديد والتحريض بين الفرقاء السياسيين حيث أثرت صدمة فوز الأحزاب  الإسلامية على غيرها من الأحزاب التي  تعايشت مع الأنظمة الحاكمة مدة طويلة ، وكان لها دور كبير في  صنع الفساد. وتداعى هذا الخطاب بشكل غير مسبوق حتى أنه أصبح  لا يمر يوم واحد دون أن تخصص وسائل الإعلام حيزا معتبرا له . ومن المؤكد أن النفخ في هذا النوع من الخطاب مقصود له غاية وهي التشويش على ممارسة الأحزاب الإسلامية لتدبير الشأن العام خصوصا وأنها  قطعت على نفسها أمام الشعوب التي راهنت عليها عهدا بمحاربة الفساد واستئصاله من جذوره . ولما كان للفرقاء السياسيين  علاقة مباشرة بالفساد فإنه من مصلحتهم النفخ في خطاب  التجريم والتهديد والتحريض ضد الأحزاب الإسلامية الحاكمة. ويخيل لمن يتابع هذا الخطاب  أن  الأحزاب الإسلامية التي  تخوض لأول مرة تجربة تدبير الشأن العام هي المسؤولة عن  كل أنواع الفساد المستشري منذ زمن طويل ، و الذي أفرز الربيع. فكلما  همت هذه الأحزاب الإسلامية  بتحرك ما من أجل  محاصرة شكل من أشكال الفساد عن طريق إجراءات أو لنقل عن طريق عمليات جراحية ضرورية لا مندوحة عنها إلا وواجهت خطاب التجريم  ، واتهمت بأنها تكرس الفساد ولا تحاربه . ويهدف هذا الخطاب الصادر عن  خصومات حزبية مكشوفة إلى بث الشك في نفوس الشعوب بخصوص مصداقية الأحزاب الإسلامية ، ولا يختلف  في هذا الأمر حال المغرب عن حال غيره من البلاد العربية ذات نفس الوضع السياسي. ولا شك أن الفرقاء السياسيين بحرصهم على التداول اليومي لهذا الخطاب المشكك في مصداقية وكفاءة الأحزاب الإسلامية يراهنون على زعزعة الاستقرار السياسي للوطن في ظرف أزمة اقتصادية عالمية خصوصا وأن  رهان الشعوب على محاربة الفساد يتوقف أصلا على الجوانب الاقتصادية . ولقد كان من المفروض  أن تتضافر جهود كل الفرقاء السياسيين استثناء في  ظرف الأزمة الاقتصادية العالمية  من أجل  الخروج بالوطن  إلى بر الأمان  ، وتجنيبه  السقوط في هاوية عدم الاستقرار . وتداول الفرقاء السياسيين  لخطاب  التجريم والتهديد والتحريض  بشكل هستيري وغير مسبوق  من شأنه أن يخلق  وضعية التشنج  في أوساط فئات الشعب ، وهي وضعية مفضية لا محالة إلى انهياروزعزعة استقرار الوطن . وهذا الخطاب عبارة عن  تجييش وتحريض لفئات الشعب المختلفة ، واتخاذها دروعا بشرية في معارك حزبوية مكشوفة . وعلى هؤلاء الفرقاء السياسيين  العودة إلى  الرشد ، والتعقل أو تحكيم العقل ، وعدم المغامرة بالمصلحة العليا للوطن من أجل المصالح الحزبية الضيقة . والوطن اليوم أكثر من أي وقت مضى في حاجة ماسة إلى تماسك  لحمة شعبه من أجل  الخروج من أزمة اقتصادية عالمية بأقل ضرر ممكن خصوصا وأن أمثلة  بلاد الغرب المنهارة اقتصاديا بادية للعيان مع أنها تفوق  مستوى بلدنا في شتى المجالات . وعلى الفرقاء السياسيين ألا يفكروا في الرهان على قيادات شعبوية متهورة لا تجيد سوى صب الزيت على النار، واستغلال  العواطف الجياشة والهوجاء لفئات من الشعب  من أجل اتخاذها دروعا بشرية  لزعزعة استقرار الوطن . وعلى هؤلاء الفرقاء أن يراجعوا خيار القيادات الشعبوية المتهورة ، وتعويضها  بقيادات حكيمة تضع استقرار الوطن فوق كل اعتبار مع نكران للذات الحزبوية . وعلى جميع الفرقاء  اعتبار هذه الفترة انتقالية بامتياز حتى تمر عواصف أزمة اقتصادية عالمية لا زال الخبراء  يتنبئون بعواقبها الوخيمة . وعلى جميع الفرقاء السياسيين أن يدركوا جيدا أن تداول خطاب التجريم والتهديد والتحريض بينهم هو لعب بالنار وخيم العواقب. وعلى الجميع أن يترك هذا الخطاب جانبا  ويقدم البديل  المطلوب عنه وهو العمل الجاد  مع النصح الصادق من أجل  اجتياز مرحلة في غاية الصعوبة والخطورة .  

الآثار السلبية الخطيرة لتعاطي خطاب التجريم والتهديد والتحريض بين الفرقاء السياسيين في المغرب
الآثار السلبية الخطيرة لتعاطي خطاب التجريم والتهديد والتحريض بين الفرقاء السياسيين في المغرب

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz