اغتيال الكوجيطو: أنا أُكَفّر إذن أنا موجود/ رمضان مصباح الإدريسي

131635 مشاهدة

 رمضان مصباح الإدريسي/ وجدة البوابة: “حينما يخدم التاريخ الحياة الماضية إلى حد نسف الحياة الراهنة،وبخاصة الحياة في سموها ؛وحين لا يعمل الحس التاريخي على حفظ الحياة بل على تحنيطها ،عندئذ تفنى شجرة الحياة”

                                                                                 ف.نيتشه

 

اقتلوا ديكارت:

لست من أهل الفلسفة وان كنت أعرف لماذا يكره الفقيه العاقر الفيلسوف الولود؛ولماذا أَحَبَّهُ في حضارتنا الإسلامية – وقد انطلقت ذات تاريخ كغزال تخطى كل الحفر- المناطقة ،النحاة، علماء البيان ،الكلام ،الرياضة والفلك ..بل استهوت الحكمة كل هؤلاء وغيرهم حتى صارت أعز ما يطلب.

ولست منهم، إلا طالبا لحكمتهم،وهي ضالة المؤمن؛ وان كنت مُستَفَزّا ،ككل ذي نصرة للعقل ،للدفاع- في حدود- عن ديكارت إزاء  هذه الغارات ،المغيرات قدحا ،على الكوجيطو لاغتياله حتى ينام شطر من الإنسانية-ونحن ضمنه- قرير البال ،مطمئنا على جهله الذي لا يملك إلا أن يجهل فوق جهل الجاهلينا؛ولا يملك ،طبعا، أن يعلم فوق علم العالمين.

غارة على الفلسفة لكن بدون فلسفة؛فما دامت الأبجدية تكفي ،بتقديم الكاف وتأخير الفاء،فلماذا البحث لدى اليونان ولدى فلاسفة الإسلام والأنوار والحداثة ،وما بعدها عن أدوات لتدمير البنيان الفلسفي الديكارتي  الذي استهدف إثبات الوجود المادي من خلال إثبات الوجود المعنوي الفكري أولا..

“أنا أفكر إذن أنا موجود” وإذا لم يثبت هذا  التفكير,ويصح؛ فلا اعتداد بذاتي وبكل موجود مادي ؛بل وبكل معرفة تُصطنع أو تتأسس على الحواس.

غارة  تكفيرية أبجدية فقط متأتية حتى لأطفال المدارس ؛في الوقت الذي يضرب الفلاسفة أكباد الإبل  للوقوف على أسرار هذا الشك الجامح والواثق الذي أقام عليه ديكارت كل أسس الفلسفة الحديثة.

أنا أُكَفِّر إذن أنا موجود:

وجود جسدي بأكبر قوة عضلية متأتية؛ولا يهم أن يكون العقل عقل عصفور.الوجود بالقوة قبل الوجود بالتفكير.

أنا  المُكَفر أومن بالجسد العظمي والعضلي وليس بامتداده الوهمي، كما يكذب عليكم ديكارت.وأومن بإرادة القوة ،كما أفهمها وليس كما يفهمها نيتشه العدمي الملحد. اقتلوا ديكارت أو اطرحوه في غيابات الجب حتى لا تسطع عليه شمس؛ولو فعلتم لما انفصلت شريعة عن كنيسة ،ولما كنا اليوم غرقى في هذا البحر الرقمي اللجي ،ونحن لا نعرف كيف ظهر ولا إلى أين يمضي.

بدل شحذ الفكر ،الذي لولاه لما استقامت  حتى الشريعة الثابتة والمتجددة ،اشحذوا فتاوى التكفير وشدوا الوثاق، واقطعوا كل رأس أينعت. بهذا فقط تبرهنون على وجودكم الذي يقطع الشك الديكارتي باليقين الفقهي .

أنا أكفر من داخل شرع مسيطر، غير مُبَشِّر ولا مُذكر ؛ومن داخل الإكراه في الدين . أنا عراب الجنة أوتيت مفاتيحها ،وعلما بما تسرون وتعلنون.

هذه شريعتي بعد أن أيقنت أن الدين لم يكتمل ،وأن الوهن أصاب الصحابة والتابعين فلم يكملوا.

هذه شريعتي التي لو مضت في المسلمين الأوائل لما فشا لا خروج ولا تشيع، ولا تصوف ولا كلام، ولا اعتزال ولا فلسفة.

أنت كافر ،أنتما أنتم أنتن وهن…أطلقوها مُجلجلة لكي لا يعلو عليكم صوت ؛ولكي لا يدخلها عليكم حكيم فتان. 

هكذا تتحدث الذات الموجودة بالتكفير فقط؛الذات التي حولها الفهم التبسيطي للدين إلى آلة صُنعت وبرمجت لتقتل العقل وتخنق الأنفاس،وتمارس تناسلها الآلي كما تتناسل البرامج الفيروسية لتخرب أكبر قدر من الكومبيوترات ولتدمر نفسها بنفسها في الأخير.

لاشيء معترفا به خارج البرمجة المدمرة ؛لا وجود لفهم فلسفي للتاريخ ،ولإجبارية أو آلية  التحول المجتمعي والقيمي. لا وجود لثورة كوبرنيكية ولا داروينية ولا رقمية تلغي المسافات.ولا وجود للوجود خارج الزمن ذي البعد الواحد ،والمختوم بأختام لا تُفض.

لا عولمة تفكك الحواجز والتمايزات والخصوصيات؛ فالقبيلة هي هي ببطونها وأفخاذها وسيقانها المهرولة خارج  كوكب العقل؛ منجذبة صوب الثقوب السوداء؛في سماء جعلها الله تشرق بأنوار الملايير من الكواكب والمجرات.

هكذا تحدث الذي هو موجود بالتكفير فقط؛و لو قرأ الجابري والعروي وغيرهما من مفكرينا و فلاسفتنا المغاربة لما وجد مبررا لفتواه، ولخجل من جهله ولبحث عن وجهة أخرى لإثبات وجوده خارج فضيحة التكفير.وهو فضيحة لأنه جهل مركب  حتى بالدين؛وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ؛غير مُكرِه ولا مُسيطِر، الى أن أكمل رسالته وأشهد المسلمين على أنه قد بلغ.

عدا إمامة الصلاة لم يوص بخلافة ولا إمارة ولا ولاية شرعية لأحد. ترك سياسة الدنيا للسياسيين والدين لله. ترك المسلمين سواسية في الحقوق والواجبات ،ولم يفضل عربيا على عجمي ؛ولم يترك هامشا ولا إناء ليلغ فيه المكفرون.

نملك أن نختلف مع لشكر أو عصيد أو غيرهما، ولا نملك أن  نفرض التدين على أحد ولا أن نكفره حتى ولو جاهر برأيه .

في كل تكفير إنساني استباق للعلم وللقضاء الإلهيين ؛وهذه من الكبائر التي قد تضاهي الشرك .

إن ما يتسبب فيه المكفر من اغتيال للعقل ،المأمور – حتى شرعا- بالشك والتفكير ،على غرار الأنبياء ،ينفر من الدين ؛في حين أن المجاهر برأيه المخالف –ابتداء أو انتهاء-يشجع على الإقبال على دين قوي ومحرر،لا يعادي العقل والعلم بل يحث عليهما ،ولا يسوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون.

لا تنمية بدون فلسفة:

في رهان التنمية  المغربية لا تعوزنا جبهة التدين،سواء المستكينة أو الجموحة  ؛اذ المغاربة كلهم مسلمون،وغير المسلمين منهم بدون دلالة إحصائية .هذه الحقيقة في حد ذاتها تاج  على رؤوسنا لا تراه إلا الدول التي تنخرها الطائفية.

ورغم هذه الحقيقة نظل نكبو في تنميتنا لأن مناطها العقل  الذي يجرؤ على خلخلة الثوابت التي تكبل انطلاقتنا بكل القوة الممكنة ،وهي قوة نقدر عليها وتتأتى لنا، لولا الأثقال التي نحملها طوعا وليس كرها .

مازلنا نصر على نفي ابن رشد، وتهنئة بعضنا البعض بوفاة الجابري ،وتكفير العروي لأنه لا يتبضع من تاريخ الطبري ،ومن فقه الجمود والانحطاط.

لم يشفع للجابري حتى” انقلابه” ومراجعاته وتفسيراته، لأن القبيلة لم تقرأه  لافي بدايات مشروعه ولا في ما انتهى إليه.

ليعلم المكفرون أننا فعلا بحاجة إلى فلاسفتنا الأموات والأحياء، ومن سيولدون ،حاجتنا الى استخراج الطاقة وتحلية مياه البحرين ؛وكفى بهذا استسقاء..

لولا الحاجة إلى الفلسفة ،ومن يحمي الفلاسفة والمفكرين ،لما كانت هناك قيمة مضافة لإمارة المؤمنين  التي ألزم المغاربة أنفسهم بها لحماية الحريات الفردية والجماعية ،وحماية أهل الحكمة من “جهل الجاهلينا”.

Ramdane3.ahlablog.com

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz