اعتماد التقويم الهجري يعكس مدى التشبث بالهوية الإسلامية الإنسانية

127239 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: وجدة في 5 نونبر 2013م، الموافق ل فاتح محرم 1435ه، جرت العادة أنه كلما حل بالمسلمين عام هجري جديد فكر البعض في إجراء مقارنة بين أشكال الاحتفال بالسنة الميلادية والسنة الهجرية . فمما يقلد فيه بعض المسلمين أو بتعبير أدق بعض المحسوبين على الإسلام غيرهم في الاحتفال بالسنة الميلادية بعض الممارسات الطائشة من قبيل السهرات الصاخبة والماجنة المصحوبة بمعاقرة الخمور والاختلاط والتهتك … وما لا يوصف من الأفعال المستقبحة والمستهجنة. وإلى جانب فئات المحتفلين المتهتكين تقلد شريحة أخرى مقلدة من المسلمين غيرها في بعض مظاهر الاحتفال من خلال اقتناء بعض المأكولات أو الهدايا أو غيرها، وكل ذلك محض تقليد أعمى للغير. ويأسف بعض الناس لعدم وجود مظاهر احتفال بالسنة الهجرية على غرار مظاهر الاحتفال بالسنة الميلادية ، ويعتقدون أن ذلك يسيء إلى مناسبة التقويم الهجري . والحقيقة أن الاحتفال بالمناسبات يختلف من ثقافة أخرى ، ومن ثم تختلف مظاهره ، ولا يمكن الحكم على مصداقية بعض مظاهر على حساب مصداقية مظاهر أخرى . فليست مظاهر الاحتفالات الصاخبة والماجنة هي أصح الاحتفالات التي تجب في كل مناسبة لأن ثقافة الاحتفال الصاخب والماجن ليست هي ثقافة الأمة الإسلامية. والاحتفال الذي يعني الاهتمام بالتقويم الهجري إنما هو فرصة للتعبير عن التشبث بالهوية الإسلامية . والاحتفال بالسنة الهجرية أكبر من مجرد تقويم يتعلق بمعرفة السنين وحسابها لأن أنواع التقويم التي تعتمدها البشرية تختلف أيضا حسب المعتقدات والثقافات . والبشر لا يعتمدون التقويم الطبيعي للزمن فوق سطح هذا الكوكب لأنهم لا يعرفون عمر الكون بالضبط وإنما يقدرونه تقديرا حسب فرضيات فقط . والتقويم المعتمد لدى البشر يرتبط ببعض معتقداتهم . فالذين يعتمدون التقويم الميلادي على سبيل المثال إنما يربطون تاريخهم بعمر النبي الكريم المسيح عليه السلام ، وهو النبي ما قبل خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم . والتقويم الميلادي هو تقويم يدل على هوية وثقافة معينتين ولسان حاله أن تاريخ البشر يقوم على أساس ميلاد المسيح عليه السلام ، فصار التاريخ ما قبل وما بعد ميلاده. ومعلوم أن اتخاذ حدث ميلاد المسيح عليه السلام تقويما لا يستغرب لأنه يمثل معجزة إلهية ما دام قد خلقه الله عز وجل من غير أب ،وكان خلقه كخلق أول إنسان وهو آدم عليه السلام ، ومع ذلك يبقى التقويم الميلادي تعبيرا عن الهوية الدينية المسيحية مع أنه تقويم تم اعتماده من طرف من لا يعيرون هذه الهوية أية اعتبار ممن لا علاقة لهم بالتدين أصلا . ومع التقويم الميلادي توجد أنواع أخرى من التقويم ذات مرجعيات عقدية وثقافية مختلفة ولكنها غير مشهورة ولا تعبر إلا عن هوية أصحابها . والتقويم الهجري على غرار أنواع التقويم المعتمدة لدى البشر يعكس أيضا الهوية الإسلامية التي تأخذ طابعا إنسانيا على اعتبار أن الدعوة الإسلامية في خاتمة الرسالات السماوية جاءت للناس كافة ولا تخص أمة دون أخرى. وحدث الهجرة في حد ذاته يدل على خروج الدعوة الإسلامية من حيز ضيق بمكة حيث كانت البعثة النبوية الشريفة إلى حيز العالم الأرحب ، لهذا وقع الاختيار على التقويم باعتبار حدث الهجرة لا باعتبار ميلاد آخر نبي ولا باعتبار بعثته ، ذلك أن حدث الهجرة كان حدثا متميزا خرج بالبشرية من الهوية الترابية والعرقية والزمانية والمكانية إلى الهوية الإنسانية الكونية التي تذوب فيها الأعراق والأجناس والألوان والألسنة ، ولهذا صارت دلالة التقويم الهجري هي بداية الانتماء الإنساني بالمعنى الصحيح حيث خرجت البشرية من عصور العصبيات العرقية الضيقة إلى عصر الإنسانية بالرغم من بقاء جيوب الدعوات العصبية الضيقة التي تفرق بين بني البشر على أساس عصبيات تافهة مردها إلى عرق أو جنس أو لون أو لسان أو طائفة أو حزب أو سياسة … وما إلى ذلك مما لا يعتد به في الاعتبارات التي يقاس بها الانتماء الإنساني .ولم يتخذ المسلمون حدث مولد النبي صلى الله عليه وسلم مناسبة للتقويم مع أنه تزامن مع حدث إهلاك الله عز وجل جيش أبرهة الحبشي الذي أراد البيت العتيق بسوء وهو معجزة . ولم يتخذ المسلمون حدث بعثة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم مناسبة للتقويم مع أن رسالته هي خاتمة الرسالات ، وهي آخر رسالة بين يدي الساعة . واتخذ المسلمون حدث الهجرة مناسبة للتقويم لأن دلالتها هي عالمية الدعوة الإسلامية وإنسانيتها التي وضعت نهاية لكل الدعوات المحدودة في الزمان والمكان والأجيال البشرية . ومن المفروض في من يعتمد التقويم الهجري أن يكون إنسانيا وكونيا بالمعنى الصحيح والكامل ، وألا يظل أسير الانتماءات الضيقة المحكومة بالاعتبارات الترابية . ومن خصائص التقويم الهجري أنه تقويم قمري مرتبط بحركة القمر الذي يظهر ويختفي كل شهر ، وتشعر حركته البشر بعامل الزمن . وتعتبر السنة القمرية متحركة الشيء الذي يجعل شهورها تتناوب على فصول السنة عكس شهور فصول السنة الشمسية . وشتان بين معاينة حركة القمر كل شهر وهو بمثابة عقرب ساعة يدب ويتحرك في الكون ، وبين ساعة شمسية عقاربها ثابتة لأنها تطلع كل يوم ولا تغيب غياب القمر ، ولا يتغير شكلها كما يتغير شكله مع مرور الأيام . وإن الاحتفال بالسنة الهجرية لا يليق به صخب أو عبث أو استهتار أو تهتك وإنما يجد ر بها احتفال متعقل وفي المستوى يربط المسلمين بهويتهم الإسلامية الإنسانية والكونية.

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz