استفحال ظاهرة العزوف عن الدراسة في المؤسسات التأهيلية

216264 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/ وجدة البوابة: “استفحال  ظاهرة العزوف عن الدراسة  في المؤسسات التأهيلية”

من المعلوم  أن  الطفل  قبل  سن  التمدرس  يتشوق إلى  عالم  المدرسة  لأنها  بالنسبة إليه فضاء  لم يكتشفه  بعد كما اكتشف  فضاء أسرته ، لهذا يلح على  تقليد من يكبره سنا في التعبير عن رغبته للذهاب إلى المدرسة . وقد ينفر  الطفل بعد أيام  من التحاقه  بمرحلة  الروض أو التعليم الأولي  ، وقد  يزداد تعلقا  بالمدرسة  حسب درجة ظروف  الإغراء فيها . ويتأرجح  الطفل  بين  الرغبة  في الذهاب إلى المدرسة والنفور منها خلال  طفولته  المبكرة  والمتوسطة  والمتأخرة أيضا حسب   طبيعة  المناهج الدراسية  وحسب  نوعية المربين إذ تساهم  طبيعة المناهج  ونوعية  المربين في  ترغيب  المتعلمين  في  الدراسة  أو نفورهم منها .  ومعلوم  أن  المتعلم  كلما  تقدم  في السن  إلا  ونشأ لديه  وعي  بأهمية  الدراسة  ، وازداد  بها  تعلقا  وشغفا . وهذه  هي الحالة  الطبيعية  حيث  ينتظر من  المتعلمين في السلك  التأهيلي باعتبار أعمارهم   أن  يكون  وعيهم  بأهمية  الدراسة في حياتهم  قد بلغ  نضجه إلا أن  واقع الحال  يخالف  ذلك  حيث  يلاحظ  استفحال  ظاهرة  العزوف  عن  الدراسة  لدى المتعلمين  في هذا  السلك التعليمي . وتتجلى  هذه الظاهرة  من خلال  عدة  سلوكات  نذكر منها  ما يلي  :

ـ الالتحاق المتأخر بالدراسة  والانصراف المبكر  عنها ، وهو ما  يؤثر على الزمن المدرسي وزمن  التعلم ، و ينتج عنه  تعثر  للدراسة  وخلل في التحصيل.

ـ الميل إلى  فترات  الاستراحة  والراحة  حيث  أصبحت فترات  الدراسة  صباح  مساء عبارة عن فترات  استراحة  ما بين  الحصص الدراسية  حيث  يشاهد المتعلمون ما بعد كل حصة  دراسية في حالة  استراحة  ، وذلك  بذريعة  استبدال  قاعات  الدرس . أما  فترات  الاستراحة  الرسمية  فقد  زاد  المتعلمون  من تلقاء  أنفسهم  في  مددها  الزمنية حيث  بدأت  تصل إلى  ثلث  ساعة  أو يزيد، وهو ما يؤثر أيضا  على  سير الدراسة  وعلى  حجم  التحصيل  اليومي .

ـ  رفض  إحضار  اللوازم  المدرسية  وتحديدا  الكتب  المدرسية  التي تعتبر  وسائل  ديداكتيكية  لا مندوحة عنها  حيث  يتذرع  المتعلمون  في السلك  التأهيلي  بغلاء  أثمان  هذه الكتب  ولا  يقتنونها  مع أنهم  يملكون  أحدث  الهواتف  النقالة  ، ويلبسون  أفخر  الثياب ، وينتعلون  أثمن  الأحذية  ، ويركبون  أغلى  الدرجات النارية  ويتناولون وجبات يومية  خارج  البيوت  ويدخنون  والله  أعلم  بما خفي . ويترتب  عن  عدم إحضار أو  بالأحرى  اقتناء  الكتب  المدرسية  انعدام  ما يسمى  التعلم  الذاتي  وهو  تعلم أساسي  بالنسبة  لخيار  بيداغوجيا  الكفايات الذي  تعتمده  الوزارة الوصية  حيث  تعتبر الدروس في الفصول  عبارة عن  تنمية  لكفايات  المتعلمين  النوعية  من خلال  تمهيرهم  على المهارات المؤسسة لها  في حين  يعتبر  التعلم  الذاتي  خارج الفصول  الدراسية  مجال ترسيخ  هذه  المهارات . وينتج  عن غياب  التعلم  الذاتي من خلال   غياب الكتب  المدرسية  غياب  ما يسمى  الإعداد القبلي  أو  العمل  المنزلي  أو  التحضير اليومي ، وهو ما يؤثر سلبا  على سير  التعلم  داخل  الفصول  الدراسية حيث  لا تستطيع  شريحة  المتعلمين  الرافضة  لاقتناء  الكتب  المدرسية  والعازفة  عن  الإعداد القبلي  مسايرة  الدروس  وهو ما ينتج عنه  الضجر  والملل  ، ويؤدي  بالضرورة إلى  ملء  الفراغ  الناتج عن  عدم  المسايرة  بالفوضى  والتشويش   على  المدرسين  وعلى   فئات  زملائهم  الراغبين في  الدراسة . وقد  تنجح  الفئات  العازفة  عن  الدراسة  في استدراج مجموع  القسم نحو  موقفها العابث  فيتحول  القسم  برمته  إلى  قسم عابث  لا تربطه  بالدراسة  سوى دخول  الفصول  من أجل  العربدة  وقتل  الوقت ، وهو  ما يزيد في وتيرة الفوضى  والصدام  مع  أطر التدريس  والطواقم  الإدارية .

ـ  الانشغال  بقضايا  لا علاقة لها  بهموم  الدراسة حيث  ينتج عن  العزوف عن  الدراسة  حلول  اهتمامات  أخرى  محلها  من قبيل الانصراف  الكلي  لقضايا العلاقات العاطفية بين  الجنسين  أو  لقضايا أندية  كرة القدم  ومبارياتها  التي لا يخلو أسبوع منها ، أو  قضايا  التغريد على  الشبكات العنكبوتية  ، أو  قضايا  الانحراف  الخلقي بكل  أشكاله … وتحل  هذه  القضايا  محل  هم الدراسة  بالنسبة  للشريحة  العازفة  عن  الدراسة  ، والتي  تسعى  إلى  استدراج  غيرها  نحو موقفها العابث .

ـ هيمنة  العبث  والتنكيت  على  الحصص  الدراسية  حيث   يعمد  المتعلمون  العازفون  عن الدراسة  إلى  تحويل  الحصص الدراسية  إلى حصص  لهو وعبث بالمدرسين  والسخرية  منهم  ، والمبالغة في الضحك  المجاني الذي  لا مبرر  له سوى  التعبير عن  العزوف  الصريح  عن  الدراسة  والرهان على شرعنة ذلك .

ـ الاستخفاف  بالآباء  والأولياء  من خلال  إرهاق  جيوبهم  في الإنفاق  على ما يسمى  دروس الدعم  والتقوية  حيث  تنتقل  أجواء  العبث المهيمنة  على الفصول  الدراسية في الحصص  الرسمية  بالمؤسسات  العمومية  على  حصص  الدعم  والتقوية في المؤسسات  الخصوصية  أو غيرها ، ولا يتردد  المتعلمون  خلال  حصص  الدعم  من إظهار  عزوفهم  عن  الدراسة  أيضا  مع  نوع من  الدلال   بسبب  أداء  الآباء والأولياء ثمن الحصص ، وربما  اعتبر ذلك  ثمنا  لنقط فروض  المراقبة  المستمرة  إذا  ما كان  المدرسون  الذين  يعطون  دروس  الدعم من النوع  الذي  يقبل  مقايضة  النقط  بالمال  أو من الذين  يبتزون  المتعلمين  من  خلال   التلويح  بالتهديد بنقط  المراقبة  المستمرة ، وهو  ما يجعل  المتعلمين  يخضعون للابتزاز خصوصا  وهم لا يرغبون  في الدراسة  ولذلك  يجدون  في  مقايضة  النقط  بالمال  ما  يموهون  به  عن  عزوفهم عن  الدراسة ، ويخدعون به  آباءهم  وأولياءهم  قبل  أن  تكذبهم  شواهد  الامتحانات  الإشهادية .

ـ  الاستخفاف  بنظام  التقويم  إذ يواجه  المتعلمون  العازفون  عن  الدراسة  الفروض  المحروسة  بأكبر  قدر من  الاستخفاف حيث يتعمدون  تحطيم   الضوابط  التي  تحكم  المراقبة فيقضون  معظم وقتهم أثناء فترات  الاختبارات  في  استفزاز  المدرسين  الذين  يراقبونهم  لأنهم ليس في جعبهم  ما  يقوم أصلا لفراغها  فلا يجدون سوى  التعويل  على  النقل  حتى وهم  على علم بأنه لا يجديهم  نفعا . وقد  يسلمون  أوراق  الفروض  ببياض  يدل على  عبثهم ، أو  بسواد  لا يزيد  عن  تكراركتابة ما طلب منهم . وعندما  ترد إليهم أوراق  الفروض المصححة  وعليها  علامات  خفي حنين  يتخذون  منها  وسيلة  وفرصة  لمواصلة تندرهم وعبثهم  .

ـ  مواجهة  الامتحانات  الإشهادية  بنفس  الاستخفاف الذي  تواجه  به  فروض  المراقبة  المستمرة  حيث   لا يتردد  المتعلمون  العازفون  عن  الدراسة  في إظهار رغبتهم  في الغش  مع سبق  إصرار  على ذلك  ، ويتواصل  عبثهم  حتى في  فترات  الامتحان  ، وتبلغ  الفوضى  أوجها حينئذ. وعلينا  أن نتصور  النتائج  بعد كل  مظاهر  العزوف  عن  الدراسة  التي تمت  الإشارة  إليها .

 ومن أغرب  ما  عاينته  مما  له علاقة   بالعزوف  عن الدراسة  خلال الموسم  الدراسي  الفارط  هو اجتماع  مجموعة من  المتعلمين  في فصل   بمؤسسة  تأهيلية بعد الانصراف  المبكر عن الدراسة  ودون  اجتياز  بعضهم  الفروض  الأخيرة  أو اجتيازها  قبل  موعدها وفي ظروف تطعن  في مصداقيتها  بذريعة  الاستعداد للامتحان ، وقد  حبذت  الفكرة  ، وقررت المساهمة  فيها  إلا أنني  اكتشفت  أن  حضور هؤلاء كان  بغرض العبث  والاستفادة من اختلاط  الجنسين  للتنفيس  عن  المكبوتات ،مع  غياب كامل للرغبة  في  الاستعداد للامتحان ، وقد  بدأت شخصيا حصة  الدعم  معهم  بقسم مكتظ  وانتهت  بعدد  محسوب  على رؤوس الأصابع  في وقت  تجمهر معظمهم   ممن كان  داخل  الفصل  خارجه  للعبث  أو الغزل  وبعضهم  لم يكلف نفسه حتى مجرد التقاط  الأوراق  المتضمنة  لنصوص  مستنسخة  بغرض التدرب على  تحليلها  استعدادا للامتحان.

وأغرب  من ذلك  أنني  تطوعت  لإفادة  المتعلمين  بمعهد  التعليم  العتيق في مادة  العروض  فحضروا الحصة  الأولى  التي ضبطت  فيها  إدارتهم  الغياب  إلا أن  عددهم بدأ بالتناقص   في غياب عملية  ضبط الغياب . ولما أرادوا  التخلص  من حضور  حصة  العروض جملة وتفصيلا  طلبوا مني  تحويل  الحصة من  مساء يوم  السبت  إلى مساء  يوم  الأحد إلا أنني  لم أجد  منهم أحد يوم الأحد المنصرم ، وفهمت  أنهم عازفون  عن  الدراسة  ، وأن الدروس  التي يحضرونها  إنما  يكرهون عليها  إكراها ويخشون  المحاسبة  فقط .

وأخيرا  أختم بالقول  إن  العلم أشرف  من أن يكره  عليه  من لا رغبة لهم فيه ، وأن ادعاء الانتساب  إليه  دون  شغف به  شأنه  شأن ادعاء  اللقيط  نسبا لا يمت  إليه  بصلة .

اترك تعليق

3 تعليقات على "استفحال ظاهرة العزوف عن الدراسة في المؤسسات التأهيلية"

نبّهني عن
avatar
محمد جليبن
ضيف
تحية طيبة للاستاذ الفاضل على هذا النوع من المقالات والتي تعكس الاهتمام الى حد الحرص على مستقبل تعليم ابنائنا و مؤسساتنا . العلم شريف ويحز في النفس ان يتلقاه من لايعرف قدره ، وقد تعددت اسباب العزوف والشغب واختلفت المواقف والرؤى في مقاومة هذا المد الجا رف لكن يبقى هذا المشكل نقطة سوداء في ملف تعليمنا ونتعايش معه في فضائنا وكانه ورم خبيث قدر لنا … وربما لو استطاع الوزير ان يقر مدونة قانونية تربوية تثمن عمل المجد وتحاسب كل طرف من موقع مسؤوليته حتى الاباء منهم عن انسحابهم وتخليهم ، وكذا الزامية التوجيه الى مراكز التكوين المهني بالنسبة للتلاميذ… قراءة المزيد ..
محمد شركي
ضيف
إلى الذي يتقنع بأسماء ونعوت غيره من مول الشمة إلى الفورما لأن وجهه لا ماء فيه وهو أجبن من أن يكشف عن هويته التافهة أقول ما لم أفعله في نظرك فما عليك إلا أن تقوم به أنت عوض تعليقات تافهة كهذا التعليق المبتذل المطروح في الطريق والذي يعرفه كل الناس أيضا ولا حاجة لتكراره. أما ما سميته شواهد عليا ففيه نظر لأن هذا الوصف لا ينطبق على المستويات العلمية الحقيقية لأصحاب هذه الشواهد وما انسداد الآفاق إلا نتيجة لشواهد تنعت بالعليا وهي تعكس في الحقيقة انحطاط مستويات من تربوا على ظاهرة العزوف عن الدراسة وغرر بهم بشواهد وهمية وسيأتي يوما… قراءة المزيد ..
احميدة الفورما
ضيف

يا شرقي لم تضف اي شي الى القارىء؛ فالظواهر التي رصدتها ليست الا غيض من فيض مما يمكن لاي كان أن يلحظه، حتى ولو كان بعيدا عن المنظومة التربوية.
كان حريا بك، كمشرف تربوي ،ان تكشف عن اسباب الداء؛ اي الدوافع التي تجعل المتعلم ينبذ القسم والدراسة .
واعتقد -جازما -ان بطالة اصحاب الشواهد العليا وانسداد الافق امامهم و عناد صاحبك بنكيران تجاههم من الاسباب التي تجعل العلم بخسا لانه اصبح ،بحكم الواقع ،غير ذي جدوى.

‫wpDiscuz