استفحال ظاهرة العبث المزمن بين المتعلمين وآثارها السلبية على مستوى التحصيل الدراسي

17541 مشاهدة

محمد شركي / وجدة البوابة : وجدة 11 دجنبر 2011، لا يختلف اثنان ، ولا يتناطح كبشان كما يقال في الحكم على تدني مستوى التحصيل الدراسي في بلادنا بالرغم من رفع الوزارة الوصية شعار أجيال الجودة والنجاح ، وهي شعارات طموحة إلا أنها غير واقعية . وتدني المستويات الدراسية لا يمكن أن يعزى إلى سبب واحد بعينه ، بل له أسباب بيداغوجية ، وغير بيداغوجية ، والعلاقة بين  هذه الأسباب جدلية ، بحيث يؤثر بعضها في بعض حتى أنه يشكل على الدارسين معرفة الأسباب من المسببات . ومن الأسباب غير البيداغوجية التي يغفلها الدارسون ، ما يمكن تسميته بظاهرة العبث  ،أو سيادة روح اللعب والهزل بين أوساط المتعلمين ، أو روح اللامسؤولية . والعبث لغة هو خلط الشيء بالشيء دون أن تكون بينهما مناسبة  ، وهو الهزل واللعب ، والاستخفاف. كما يطلق العبث على كل ما لا فائدة فيه  ، ولا طائل من ورائه ، وعلى كل  سلوك لا يترتب عنه غرضه.  والمألوف عادة  أن العبث الخفيف  قد يتخلل  فترات التحصيل لأسباب مقبولة ، أو حتى وجيهة أحيانا ، وتكون بمثابة استراحة من رتابة  جد فترات التحصيل الطويلة والمملة بسبب طولها  . وقد يعمد بعض المدرسين إلى بعض لحظات العبث الهادف كتقنية من تقنيات التدريس الفعال لتجديد حيوية ونشاط المتعلمين الذين يرهقهم جد التحصيل المتواصل لساعات طوال . ومشكلة التحصيل عندنا اليوم أن  لحظات العبث العابرة التي كانت تقطع فترات جد التحصيل الصارمة،  تحولت إلى فترات عبث غير مبرر وغير هادف . وهو عبث انتقل من الشارع إلى الفصول الدراسية،  بحيث  يعيش المتعلمون عبثا موصولا  ومستداما منذ خروجهم من بيوتهم ، وربما حتى أثناء وجودهم في بيوتهم حسب طبيعة العلاقة التي تربطهم بأولياء أمورهم من حيث الصرامة أوالتساهل في المعاملة  . ويستمر هذا العبث أثناء وجودهم في محيط المؤسسات التربوية ، وداخلها ، ويرافقهم إلى داخل الفصول الدراسية . ويزداد خطر هذا العبث المبالغ فيه عندما يدخل الفصول الدراسية ، حيث لا مجال له مع وجود التحصيل الدراسي الذي يتطلب التركيز الكامل  والجد والانضباط . وإذا كانت طبيعة العبث في الأصل أن يكون عابرا، فإنه قد تحول إلى عبث مزمن بالنسبة للأجيال الحالية ، بحيث لا يجيدون ممارسة الحياة دونه حتى تحولت حياتهم إلى عبث في عبث يتسم بالزمانة . ومعلوم أن الزمانة تعني العاهة ،وكل شيء يزيد عن الحد يصير علة، ومرضا ،وعاهة، وآفة . ولقد كثرت شكايات المربين من ظاهرة العبث المزمن داخل الفصول الدراسية  خلال العقد الأخير، وحتى في فضاءات المؤسسات التربوية، من ساحات، وممرات ، وبوابات ، وملاعب خاصة بالتربية البدنية، ودورات مياه، وغيرها . ولا يكاد  المرء يزور مؤسسة تربوية حتى يسارع طاقمها الإداري أوالتربوي إلى الشكوى من ظاهرة العبث المزمن ، و روح اللامسؤولية الشائعة بين أوساط المتعلمين . ولا تكاد الدروس داخل العديد من الفصول الدراسية تسير سيرها العادي ، ولا تكاد التحركات داخل فضاءات المؤسسات تكون طبيعية  بسبب هذا العبث المزمن. وتقضي معظم الإدارات التربوية وقتها في معالجة آثار العبث المزمن بحيث يتقدم المربون يوميا بعشرات الشكايات ، والتقارير الشفوية والكتابية إلى إدارات المؤسسات التي تدخل في سلسلة من المشاكل المتناسلة مع المتعلمين بسبب عبثهم المزمن ، الذي يعرقل السير العادي للدراسة . ولقد استعصت حقيقة هذا العبث المزمن على الدراسة بعد أن صار ظاهرة مجهولة البداية ، فقد نجد بين صفوف المتعلمين العابثين عبيثا أي كثير العبث  ، ولكن لا يمكن أن يكون وحده سبب الظاهرة ما دام الكل يملك استعدادا للانخراط فيه طواعية ،بل عن رغبة جامحة . ويشبه العبث المزمن  الوباء المعدي إذ سرعان ما يقع المتعلمون الأبرياء من الملتحقين ببعض المؤسات ضحايا هذا العبث الذي يجدون فيه مع مرور الزمن اللذة ، والمتعة ، وتحقيق الذوات،  خصوصا وهم يمرون بمرحلتي المراهقة المتوسطة  بالنسبة لمتعلمي السلك الثانوي الإعدادي ، والمتأخرة بالنسبة لمتعلمي السلك الثانوي التأهيلي . وعوض إثبات الذوات عن طريق الممارسات الجادة لإقناع الراشدين  بذواتهم ، يعمد المراهقون إلى العبث المزمن ، لأنه في نظرهم الوسيلة المثلى للتجاسر على سلطة الراشدين المبالغة في  التمسك بالجد . وبقدر ما تزداد صرامة  الراشدين والمربين في الجد مع المراهقين ، يزداد عبث هؤلاء المراهقين المزمن شدة  وعنادا . ويعتبر العبث المزمن في المؤسسات التربوية مسؤولا مباشرا عن كل مظاهر العنف المادي والمعنوي الذي يمارسه المتعلمون على بعضهم البعض من جهة ، ويمارسونه من جهة أخرى على المربين سواء كانوا إداريين أم مدرسين . فغالبا ما  تعزى أشكال العنف المادية والمعنوية إلى العبث المزمن ، ويلمس هذا  بشكل واضح عندما يسأل المتعلمون عن دوافع تعنيفهم ببعضهم البعض أو بتعنيفهم  بالمربين ، فيكون جوابهم كنا: نعبث  أو نهزأ فقط. وغالبا ما لا يقتنع المتعلمون بأن عبثهم مزمنا ، وغير طبيعي وغير مقبول  ، بل يعتبرونه حالة طبيعية تلازمهم في فترة مراهقتهم ، وعلى الراشدين خصوصا المربين في نظرهم أن يتكيفوا معها ، وقد صارت أمرا واقعا  ومفروضا و معيشا . والغريب أن بعض الآباء والأولياء  يسايرون أبناءهم في القناعة بأن هذا العبث شيء طبيعي  يجيب التعايش معه . وكثيرا ما يلجأ هؤلاء الآباء والأولياء إلى نفس التبريرات والذرائع التي يلجأ إليها أبناؤهم عندما يترتب عن عبثهم المزمن ما  يستدعي معاقبتهم بموجب النصوص المنظمة للحياة المدرسية ، فيكون جواب هؤلاء الآباء والأولياء  أيضا :إنما كان أبناؤنا  يعبثون فقط ” الله يسامح ” . وربما بلغ الأمر ببعض الأولياء ، وبدافع  الانسياق وراء عاطفة الأبوة أو الأمومة إلى اقتحام الفصول الدراسية على المربين لسبهم وشتمهم ، أو حتى ضربهم أحيانا من أجل تبرير عبث أبنائهم المزمن ، وهو ما يعتبر قدوة سيئة  بالنسبة للمراهقين الذين يزدادون قناعة بأن عبثهم المزمن أمر طبيعي ، ولا بد أن يقبل كما هو . والأخطر من ذلك أن العبث المزمن يخلق أكبر عرقلة لسير الدراسة بحيث يغلب على جو التحصيل في الغالب ، ولا يكاد المتعلمون يحصلون شيئا يذكر لانشغالهم الكامل بهذا العبث المزمن الموصول خلال فترات التحصيل  . وليس من قبيل الصدفة أن يسمى العبث المزمن بالعامية ” الزعاقة ” من فعل زعق بالفصحى إذا صاح، وتسبب في ذعر غيره . وتقول العرب زعق الإنسان القدر إذا ملحها أو أكثر ملحها ، كما يقال زعق الماء ـ بفتح الزاي وضم العين ـ إذا كان مرا لا يطاق ولا يشرب ، وزعقت الريح التراب إذا أثارته غبارا في الجو . فلفظة ” الزعاقة ” العامية تحيل على كل هذه الدلالات، ففيها رفع الصوت، والإزعاج ، والملوحة ، والمرارة ، والإثارة،  وانعدام الفائدة . وكم من مدرس متمكن وبارع يحول العبث المزمن دروسه وجهوده إلى هباء منثور حيث  يزعقها عبث المتعلمين كما تزعق الريح التراب  . وكم من مدرس  أو إداري تحول إلى موضوع عبث مستديم . ومشكلة هذا العبث أنه  يستمر حتى خلال فترات المراقبة المستمرة ، والامتحانات حيث ينعكس على بعض فروض المراقبة والامتحانات التي تتضمن عوض الأجوبة عن الأسئلة العبث الذي يمر به المصححون بطرق عابثة أيضا دون أن تتخذ الإجراءات المناسبة في حق أصحابه لتنبيههم إلى أن عبثهم عبارة عن علة وعاهة يجب أن تعالج وتستأصل . ولقد خصصت الوزارة الوصية حلقات تكوين في شتى القضايا المتعلقة بالمتعلمين، إلا قضية هذا العبث المزمن الذي يسبب لها هدرا معتبرا  بسبب ضعف التحصيل ، وهو ما ستنعكس آثاره على مستقبل البلاد .

استفحال ظاهرة العبث المزمن بين المتعلمين وآثارها السلبية على مستوى التحصيل الدراسي
استفحال ظاهرة العبث المزمن بين المتعلمين وآثارها السلبية على مستوى التحصيل الدراسي

اترك تعليق

2 تعليقات على "استفحال ظاهرة العبث المزمن بين المتعلمين وآثارها السلبية على مستوى التحصيل الدراسي"

نبّهني عن
avatar
ismael
ضيف

من هذا المنبر أدعوك أستاذي و أدعو جميع من يحمل هم التعليم في بلدي العزيز مشاهدة هذا الفيديو الذي يعبر عن جزء مما تعيشه فصول المؤسسات في زمن الإدماج
لمشاهدة الفيديو المرجو البحث في محرك غوغل عن :
” 9issm mouchaghibine “

ismael
ضيف

السلام عليكم، الآن السي الشرڴي أصبت و تطرقت إلى مشكل يتعمد الكثيرون تحاشي ذكره خوفا من نعتهم بالتهاون وعدم حسن تدبير أمرهم و كأن الأمر عملية رياضية بسيطة تتطلب إستعمال معطيات مع بعض المكتسبات للوصول إلى نتيجة يسهل التحقق منها، في الوقت الذي نرى فيه إن المشكل مركب و هو نتيجة تراكمات و عوامل بعضها التلميذ يعيش آثارها دون وعي منه، و التطرق إلى أسبابها و معالجتها يحتاج إلى شجاعة و نكران للعاطفة الأبوية، أما الذين يروا عكس هذا فلينتظروا جيلا مخنثا لا هم له سوى الزعاقة و العياقة.

‫wpDiscuz