استحالة تطبيق إجراء منع الساعات الإضافية وفرض حصص الدعم

278183 مشاهدة

وجدة: محمد شركي/  استحالة تطبيق إجراء منع الساعات الإضافية وفرض حصص الدعم

 بداية لا بد  من الإشارة إلى  أن الوزارة الوصية على  الشأن  التربوي تعرف  منذ  الاستقلال  ما يمكن  أن  نسميه  ظاهرة  تأثير  أمزجة  الوزراء  في  القرارات التي تتخذها  الوزارة . ولقد جرت  العادة  أنه  كلما  عين  وزير على رأس هذه  الوزارة  إلا   واتخذ  قرارات مزاجية  خصوصا وأن  التغيير الذي  يطال وزراء  هذه  الوزارة  يكون  دائما  بعد  استشراء  الفساد  فيها  والحديث  عن  مشاريع  الإصلاح . فقبل  تعيين  الوزير الحالي  ،  اتخذ  سلفه  قرارات مزاجية  من قبيل  إلغاء  بيداغوجيا  الإدماج  بذريعة  كلفتها  التي  لا  تناسب  سياسة  التقشف  ، وإلغاء  مؤسسات  التميز  ، وتعطيل  أقسام  التعليم  الأولي  بالمؤسسات  العمومية … ، وهي  قرارات  سفهها  بعد  ذلك  الخطاب  الملكي . وعلى نهج  سلفه  اتخذ  الوزير الحالي  قرارات   تطبعها  المزاجية  أيضا  من  قبيل  منع  التوقيف  المؤقت  عن  الدراسة  كإجراء  انضباطي  في حق  المتعلمين  غير المنضبطين  ، وتعويضه  بما سمي  أعمال  تعود  بالنفع  على المؤسسات  التربوية  من قبيل  تنظيف  المرافق …. وغير ذلك  مع  التنصيص  على  صيانة  كرامة  وسلامة  المتعلمين  الذين  يقومون  بهذه  الأعمال  في إطار تأديبهم   بسبب  مخالفاتهم . وعندما نقف  عند  هذا  القرار  المزاجي  نواجه  عدم واقعيته   حيث   ينص على  تطبيق  إجراء  تقديم  المتعلمين  لأعمال  بديلة  عن  عقوبة  التوقيف المؤقت عن الدراسة  خارج  أوقات  الدراسة  دون  الإشارة  إلى الجهة  التي  ستتولى الإشراف على  ذلك خارج   هذه  الأوقات   علما بأنها  أوقات  عمل  أيضا بالنسبة  للطواقم  الإدارية وهيئة  التدريس على حد  سواء . ويبدو  هذا  القرار  المزاجي  مريخيا  ذلك أن  التلاميذ الذين يرتكبون  مخالفات  بما فيها  الشغب  والعنف  ، والغياب  ، ورفض إحضار  اللوازم  ، ورفض   إنجاز  الواجبات  بل  وإنجاز   فروض  المراقبة  المستمرة  أيضا ….  لا  يعاقبون  بالتوقيف  المؤقت  ويستفيدون  من  الدراسة  التي  لا رغبة  لهم  فيها أصلا في حين  تضاف  مهام  للذين  يسهرون  على  تطبيق  ما سمي   بالأعمال  ذات  النفع التي  افترض  مزاج الوزير  أنها تسد  مسد عقوبة التوقيف المؤقت  الذي  كان رادعا  حقيقيا  في حين  قد  يشجع ما يسمى  بالأعمال  ذات  النفع  المتعلمين  على  التمادي في  مخالفاتهم ما دام  الأمر  يتعلق  بهذه  الأعمال  التي  سيفضلها بعض  المتعلمين الذين  لا رغبة لهم  في الدراسة  على  حضور  الحصص  الدراسية . ومن القرارات  المزاجية  لوزير التربية  الحالي أيضا   قرار منع  ما يسمى  الساعات  الإضافية ، وفرض  ما يسمى  حصص  الدعم  ، وهو قرار  لا يقل  مريخية  عن  القرار الخاص  بإجراء التأديب  ، ذلك  أن  تنزيل  إجراء  منع  الساعات  الإضافية  من  الصعوبة  بمكان  إذ  لا يتأتى  إجراء  مراقبته  لأن   الساعات  الإضافية  تنجز  في أماكن ليس من حق أي نوع  من  الرقابة  أن  يقتحمها  على أصحابها ، وهي   عبارة  عن  مساكن خاصة  ، ومقار جمعيات  ، ومؤسسات  خصوصية  تشتغل  في  فترات  ليلية .ومعلوم  أن العيب  فيما يسمى  الساعات  الإضافية  يكمن  في  كون  بعض  المدرسين  يستغلونها  كأدوات ضغط  لابتزاز  المتعلمين   حيث   يحصل  من  يخضع  لهذه  الساعات على  نقط عالية في فروض  المراقبة  المستمرة  في حين  تضيع  هذه  الفرصة  من  غيره  ، وهذا  لا يعني  أن كل من  ينجز  الساعات الإضافية  يبتز  المتعلمين  ، ويتاجر  بفروض  المراقبة  المستمرة  بل يوجد  مدرسون  على درجة  عالية  من   النزاهة   والنظافة و العادلة  والموضوعية  ، ولا يمكن الطعن  في مصداقيتهم  لمجرد أنهم  يقومون  بإنجاز ساعات  إضافية . ومزاجية  قرار  الوزير تكمن  في كونه  حشر  جميع  المدرسين  في فئة  المبتزين  والمتاجرين  بفروض  المراقبة  المستمرة دون  استثناء  ، وهو ما جعل القرار  معيبا بسبب انعدام  موضوعيته . وعلى افتراض  أن  هذا القرار المزاجي  أريد  تطبيقه  وتنزيله فإن  إجراء  التنزيل  والتطبيق  ضرب من  المستحيل  باعتبار  ظروف  الزمان  والمكان  التي  تنجز فيها  أو خلالها  الساعات  الإضافية  الخارجة  عن طائلة  التتبع  والمراقبة . أما  قرار فرض ما يسمى  بحصص  الدعم  فهو  أيضا  قرار مزاجي ، وغير قابل  للتنزيل  والتطبيق  حيث  تفتقر  معظم  المؤسسات  التربوية  إلى  الظروف  اللازمة  لإنجاز  حصص  الدعم . ومعلوم  أن  حصص  الدعم  خصوصا  في المؤسسات  الثانوية الإعدادية  والتأهيلية تقتضي  شروطا لا مندوحة  عنها ، أولها  استفادة  المتعلمين  من حصص  الفراغ  ، وهو  شرط  عسير  المنال  إذ  لا يكاد  المتعلمون  يلتقطون  أنفاسهم  بسبب  كثرة  الحصص  الدراسية ، وندرة  حصص  الفراغ أسبوعيا  . ومن  الشروط  أيضا  شرط توفر  جداول حصص  المدرسين  غير المستوفية  للساعات  القانونية  ، وهو  شرط  إن توفر  بالنسبة  لبعض المواد  وفي  بعض  المؤسسات  لا يتوفر في غيرها  غالبا . وقد  لا توافق  الحصص  التي يفرغ  فيها  المدرسون  فراغ  المتعلمين فينقض  أحد  الشرطين  الآخر نظرا  للعلاقة  الجدلية  الرابطة  بينهما . ومن  الشروط أيضا  ضرورة  توفر فضاءات  إنجاز  حصص  الدعم ، ذلك  أن معظم  المؤسسات  تشتغل   ببنيات  محدودة   ، ولعل  الرأي العام  يذكر  كيف  عطل  وزير التربية السابق  أقسام  التعليم  الأولي  في المؤسسات  العمومية ، و أمر  بتشغيل قاعات  المطالعة  وقاعات  الأساتذة  و قاعات الصلاة  ، والمستودعات  بسبب  فقر بنيات  المؤسسات . وإذا  كان هذا هو حال  المؤسسات  فمن أين  لها  بفضاءات  لإنجاز  حصص  الدعم ؟ ولقد  سبق لي بحكم  مهمتي  كمراقب تربوي أن  رصدت  شروط  إنجاز  حصص  الدعم  في أكثر من  مؤسسة  فما حصلت  إلا  على  ساعات  يتيمة خلال  الأسبوع  الدراسي  يصعب  توزيعها  على كل المواد  الدراسية  ، فضلا  عن  كونها  لا  توافق  فراغ  المدرسين  وفراغ  المتعلمين إلا  نادرا ، الشيء  الذي  يجعل  إجراء  حصص الدعم  مجرد  حبر على ورق  لا يمكن  تنزيله   في الواقع  تماما  كما أنه  لا يمكن  تطبيق قرار منع  إنجاز  الساعات  الإضافية  المؤدى عنها  بسبب سوقها  السوداء . ويبدو  أن  الذي  حذا  بوزير  التربية  الحالي  لاتخاذ  قرارات  مزاجية   كسلفه  هو  الانصياع  لضغط  المجتمع  أو  لجماعات  الضغط  دون  ترو  أو عمق  في التفكير  والتدبير مع أخذ  واقعية  القرار بعين الاعتبار. فاستجابة  لضغط  آباء  وأولياء  التلاميذ  المرتكبين  للمخالفات  عطل  الوزير  قرار  التأديب  عن  طريق  التوقيف  المؤقت  دون  إعطاء  بديل  واقعي  له . واستجابة  لضغط  الآباء  والأولياء  الذين  لا  يستطيعون  تمويل  ساعات  إضافية  لأبنائهم  وبناتهم  اتخذ  الوزير  قرار منع  الساعات  الإضافية وقرار  فرض  حصص الدعم  دون  التفكير  في مدى  واقعيتهما . ومعلوم  أنه  لا يكفي  أن  تحسن  نوايا الإنسان  لتكون  قراراته  صائبة  وواقعية  وقابلة  للتنزيل  في الواقع . وفي اعتقادي  أن قرار  منع  الساعات  الإضافية  سيرفع من وتيرتها  أكثر  مما هي عليه  تماما  كما   تساعد  الحراسة  المشددة على  الحدود  بين  البلدان في ازدهار  التهريب  والأسواق  السوداء.  ولا بد  أن  يلجأ  أصحاب   الساعات الإضافية إلى  أساليب  جديدة  لتجنب  أي  نوع  من الرقابة ، كما  أن التملص  من إنجاز  حصص  الدعم  سيعرف أساليب  مستحدثة  أيضا  لتجنب  قرار الفرض و الإلزام . وإذا  كانت نية الوزير  صادقة  في الإصلاح  ـ ولا أشكك  فيها  ـ  فعليه  أن يطالب وزارة  التعليم  العالي   بإلغاء ربط  شروط  الالتحاق  بمعاهدها  بالمعدلات  بحيث  يحق  للجميع  اجتياز مباريات  الالتحاق  بها   بمجرد  الحصول  على شهادة  الباكلوريا   لأنه  معلوم  أن  بعض  المعدلات   ينفخ  فيها بسبب  المحسوبية  والزبونية  التي  تكون  عن  طريق المتاجرة   بنقط فروض  المراقبة  المستمرة  ذات  العلاقة   بما يسمى  الساعات  الإضافية  ، وهي  نقط ذات  تأثير  على  هذه  المعدلات . ومعلوم أن الذي  يحمل  الآباء  والأولياء  على   الإنفاق   كرها على  الساعات  الإضافية  هو  هاجس  المعدلات التي  تطالب بها  المعاهد العليا ، وهو  إنفاق  يمكن اعتباره  نوعا  من الرشوة  المبطنة . وإذا كانت  شهادة  الباكلوريا  بمعدلات  متوسطة  لا قيمة لها ، فمن الأفضل  إلغاؤها ، والاعتراف فقط  بما كان  منها  عالي المعدل  بعتبة  معينة . ولا أفهم  كيف أن  الوزير  السابق  ألغى   ما يسمى  مؤسسات  التميز بقرار  مزاجي  وفي  نفس الوقت  تراهن  المعاهد  العليا على  المعدلات  المتميزة . و أخيرا وليس آخرا  أهمس في إذن  السيد  وزير التربية  الحالي   بالقول  :  “إن  الذين يقبلون  على  الساعات  الإضافية  وساعات  الدعم  هم  في الغالب   التلاميذ  النجباء  والمتميزون ”   وأتحدى  من يقول  العكس  ، ذلك  أنني  أشرفت  شخصيا  على  بعض  حصص  الدعم  داخل  مؤسسات  التعليم  العمومي،  فلاحظت  أن الذين  أقبلوا  عليها   بجدية  هم  التلاميذ  المتفوقون  أما غيرهم  فلم  يلقوا إليها بالا.  فمتى  ستبقى  وزارة  التربية  الوطنية تحت رحمة  أمزجة  الوزراء  المتعاقبين  عليها  ، والذين  يلغون أموراقرارات  دون  إيجاد  بدائل  واقعية لها  ، ودون  التفكير في   واقعية  قراراتهم  المزاجية .

اترك تعليق

2 تعليقات على "استحالة تطبيق إجراء منع الساعات الإضافية وفرض حصص الدعم"

نبّهني عن
avatar
خالد
ضيف

التحليل موضوعي .فليجب السيد الوزير على هده الاشكالات

إسماعيل
ضيف
نشكركم الأستاذ الفاضل الشركي على الموضوع لأنكم أشرتم فيه إلى أمور جد مهمة ومنطقية لم يكلف الوزير نفسه البحث فيها و ذلك أنكم أقرب إلى المتعلمين و كذا المعلمين و لستم من أصحاب المكاتب المكيفة الذين يدرسون أبنائهم في البعثات و المعاهد الخاصة و يقررون في مصير أبناء الطبقة المتوسطة و الضعيفة هذا من جهة و من جهة أخرى ما هو ذنب أساتذة ما يسمى بالمواد الأساسية المعنية بالدعم؟ في الوقت الذي نجد فيه بعض المواد أساتذتها لا يتجاوز عدد ساعات عملهم بالمؤسسة 10 ساعات و رغم ذلك هم غير معنيين بساعات الدعم بسبب طبيعة المادة المدرسة كالإنجليزية أو الموسيقى… قراءة المزيد ..
‫wpDiscuz