ادغار موران: الربيع العربي يقظة ستخصب المستقبل، لكن لا أعرف كيف. حاوره بول ما سون و جون بول بييرو/ ترجمة : رمضان مصباح الإدريسي

342892 مشاهدة

ادغار موران: الربيع العربي يقظة ستخصب المستقبل،لكن لا أعرف كيف/ حاوره بول ما سون   و جون بول بييرو –               

ترجمة : رمضان مصباح الإدريسي

تقديم:

ادغار موران، مفكر عالمي ،من الطراز الرفيع،له معرفة عميقة بأميركا اللاتينية ؛يستدعى بانتظام لإلقاء Edgar Morin

محاضرات في كل أرجاء العالم.إن العالم الذي يتنقل عبر أرجائه ،يسكن  فكره.

باعتباره سوسيولوجيا ،فيلسوفا وأنتروبولوجيا ،يحب التقاطع بين الرؤى ، مواجهة المعارف مع بعضها البعض و مساءلة كل التخصصات.

…………..

كنتيجة لمتابعته لاضطرابات العالم أنتج ادغار موران  نوعا من التفكير حيث يبحث “خيط أريان”

  Fil d’Ariane

عن طريق صوب المستقبل .” هل نحن ماضون صوب كوارث متسلسلة ؟  هذا ما يبدو محتملا ،إذا لم نتمكن من تغيير المسار”

على حد تساؤله.

يولي ادغار موران أهمية كبيرة لفكر “ايفان اليش” الذي انتقد ،في السبعينيات،حضارتنا بكيفية جذرية،سواء تعلق الأمر بالتصنيع، بالاستهلاك،أوبالتربية..

يرى “موران” أننا نعيش في مرحلة تاريخية يبدو فيها كل شيء مأزوما :هيمنة الرأسمالية النقدية،الفلاحة وتربية المواشي المصنعان،والاستهلاك الواقع تحت تأثير تسميم حقيقي.كما أن المؤسسات الدولية أصبحت عاجزة و غير كافية ،كما هو حال الأمم المتحدة؛ أو بعيدة عن رسالتها على غرار صندوق النقد الدولي.

أما السياسة فيعتبرها تعيش الدرجة الصفر للتفكير.

متن الحوار:

س :إزاء هذه الوضعية هل يجب أن ننحوا بفكرنا صوب التفاؤل أم التشاؤم؟ 

ج: يجب أن نبحث عن المسار الجديد.لقد بلورت فكرة التحول لأقول بأنه ،وفي العمق،يجب أن يتغير كل شيء. ان دولا في أميركا اللاتينية ،كالاكواتور وبوليفيا ،بلورت سياسة ” العيش المرفه”.إنها فكرة تستحق الاهتمام. ان  “الرفاه” كلمة جميلة جدا ،تدهور معناها كلية.

ان المشكل لا يتمثل ،فقط، في القدرة على بلوغ مستوى من الرفاهية ،بامتلاك تجهيزات من قبيل التلفاز،الثلاجة والسيارة.هذا مهم ،لكن ماهو معتبر ،بالدرجة الأولى، في الإحساس ب”العيش المرفه” يتأسس على نوع من الازدهار الفردي ضمن ازدهار جماعي

لمجتمع أخوي.  ان الطموح الى حياة أخرى ظل قائما عبر التاريخ؛وتجسد ،على مدى زمن طويل،، في فكرة الجنة. ثم نزل الى الأرض مع الثورة الفرنسية ،الاشتراكية،كارل ماركس. ان فكرتي تتمثل في الجمع بين المصادر الثلاثة:

الليبرالي بالنسبة للفرد،الاشتراكي لتطويرالمجتمع،الشيوعي للعيش ضمن المجتمع؛وإضافة الايكولوجي .

ان الطموح الى حياة أخرى أخترق الاشتراكية التي   خفتت،والشيوعية التي خذلت؛كما أنه حرك الشباب في ماي 1968.واليوم يلهب حماس شباب الربيع العربي ،وأولائك الذين سعوا الى احتلال “وول استريت” في الولايات المتحدة الأميركية،والساخطين الأسبان ،والمتظاهرين في البرازيل.لكن للوصول الى تغيير المسار كلية ينقص (هؤلاء) نوع من الفكر السياسي.

ان الناس محبطون،لا مبالون، وبدون أمل.هذا صحيح ،لكن هذا ،وقبل كل شيء، بسبب ألا شيء صادقا يرتسم أمامهم.

س: في العمق ،ماذا يعني المجتمع المتوادد؟هل هو المجتمع الذي يحل فيه التعاون بين الناس محل استغلال الإنسان من طرف الإنسان؟

ادغار موران: ينتهي شريط “فيتوريو دو سيكا” – معجزة في ميلان-بفكرة مجتمع يقول فيه كل واحد للآخر صباح الخير .

في مجتمع متوادد  يعيش الناس غير مجهولين ،إنهم يتقابلون ،يتعرف بعضهم على بعض . لا يتعلق الأمر فقط بحسن الأدب والمجاملة .ان الآخر موجود،ومعترف باختلافه عني ,ومماثلته لي .ان الحاجة الى هذا الاعتراف موجودة لدى كل الناس.

المحرومون من هذا الاعتراف ،بفعل الاحتقار ، الاستعباد والهيمنة ،يتعذبون.

في الإدارات،المقاولات,وفي كل مكان، يعيش الناس منفصلين عن بعضهم البعض .أمام هذا الواقع يمكن أن نتحدث عن الحاجة الى  “الارتباط”.

 

س: من السهل أن نتصور الارتباط بالجار ،على المستوى الفردي،القرية،أو المجتمع ؛لكن على مستوى العالم ،هل يمكن أن يحصل هذا الارتباط  انطلاقا من تصور “الأرض الوطن” الذي تبرزونه؟

ج: على مستوى كل كائن إنساني ،يوجد مبدآن أساسيان: أولا:أل”أنا”  الأنانية ،والحيوية ،في حماية أنفسنا ضد العدوانية.لكن توجد أيضا أل”نحن” التي  تتقوى بفعل الأسرة،الأصدقاء،الأحزاب السياسية،الدين الخ…

ان حضارتنا نمَّت ،بكيفية زائدة، أل”أنا”، وأضعفت أل”نحن”. يجب تغيير هذا النشاز و تنمية “نحن” جديدة.

نحن القديمة كانت تواجه العدو ،الغازي.  يظهر التوادد ،اليوم، وعلى مستوى العالم، وكأنه استعادة الوعي بأن

مصيرنا ، ككائنات إنسانية، واحد. إننا نعيش المغامرة نفسها ،ونمضي صوب نفس الهاوية ؛وهذا ما يفرض علينا أن نفكر على مستوى العالم. ان المسالة تتمثل في تمكننا من إنقاذ أرضنا الوطن من الدمار. إننا نتاج تطور بيولوجي ،تم على مدى مليارين عام؛ومنه خرجت سلالة سميت خطأ “الإنسان العارف”.  هذه الهوية المشتركة تنتج تباينات.ان كلمة”وطن” تخاطب الإحساس،

إنها تؤاخي؛ ولا يمكن فهمها إلا في إطار احترام كل التنوع الوطني والثقافي؛لكن بشرط التأكيد على الوحدة.ان الذين لا يرون سوى التنوع الإنساني ينسون الوحدة.والذين لا يرون سوى الوحدة يملكون تصورا مختزلا ،وينسون التنوع الإنساني.

ان العولمة التقنواقتصادية ،اليوم، تجهل تنوع الثقافات ،وحساسيات الشعوب.

وعليه فإذا كانت “الأرض الوطن” تستغرق الأوطان ،فان التنوع الإنساني هو كنز الوحدة الإنسانية ،والوحدة كنز التنوع.

س: هناك فترات في تاريخ الإنسانية،حيث تحدث تغييرات في المسارات،وتشعبات.ماهي المؤشرات التي ترونها تؤكد أننا إزاء

         فترة تحول؟

ج: إننا في وضعية لم تتشكل فيها الأشياء بعد؛لا نعرف متى وكيف تحل لحظة التحول.إن العالم في حالة اختمار.لا نعرف ماذا ستفرز هذه الحالة .إيقاعات الموت والدمار شديدة القوة؛لكن هذا لا يجب أن يقطع الأمل.توجد صراعات متعددة ،يمكن أن تولد انفجارا عاما.

كل واحد يشبه الشجرة.تنشر الرياح بذورها ؛ وحينما تتساقط فوق ارض خصبة تنمو. في الهند أدت تأملات أمير “شاكياماني”-بوذا- حول المعاناة الإنسانية والحقيقة الى ميلاد ديانة يعتنقها ملايين الناس. وفي مجال آخر كان “ماركس” و”بروذ ون”

يعتبران ،من طرف أنتليجنسيا العصر كهامشيين ،ومنحرفين قبل أن يولد فكرهم قوى سياسية معتبرة .

 

س:  اذا كان المستقبل المرئي لا يدفع صوب التفاؤل ،فإنكم تؤكدون ،مع ذلك، بأن اللامرجح، المفيد ،يمكن أن يحصل.هل الثورات العربية ،بالنسبة لكم،هي احد المؤشرات على أن اللامتوقع يمكن أن يصبح متوقعا؟

ج: إن الربيع العربي،خصوصا في تونس ومصر،حركة  سلمية شديدة الأهمية.لكن ما أفرزته حاليا ،من خلال السياق الانتخابي، يعتبر ايجابيا وسلبيا في نفس الوقت.إن أغلب أحزاب اليسار عانت من اضطهاد الأنظمة الديكتاتورية ،مما افقدها ،غالبا،التواصل مع الشعب.الإسلاميون حافظوا على هذا التواصل ؛وهذا ما جعل الناس يصوتون لصالحهم. هذا لا ينتقص من أهمية الحدث.

اليوم ينتصر الشعب ،في مواجهة مرسي ؛لكن المعارضة تظل شديدة التغاير.إن الربيع العربي يمثل يقظة  ابتدائية ستخصب المستقبل،لكن لا أعرف كيف.

س: وصف صناع الربيع العربي حركتهم ب”الثورة”.أنتم اخترتم التخلي عن هذه الكلمة ،مفضلين عليها “التحول”.على ماذا يحيل هذا المفهوم؟

ج:انه يدعو الى التفكير في دودة القز التي تغلق على نفسها في شرنقة لتتحول الى فراشة .إنها تدمر نفسها كلية لتصير كائنا آخر.

في تاريخ البشرية يبدو العالم طافحا بالتحولات .لا يحصل التحول الجديد إلا على مستوى الكوكب كله.ستتغير مجموع العلاقات والتنظيمات ؛ومن غير الممكن اليوم توقع الشكل الذي سيظهر به مجتمع العالم هذا. لقد تخليت عن فكرة الثورة لسببين:

الأول يتمثل في هدف القطع النهائي مع فكرة “إلغاء الماضي كلية”.إننا بحاجة الى كل ثقافات الماضي،وكل مكاسب فكر الماضي.

فكرة التحول تتضمن نفي نفس الوقت، القطيعة والاستمرار.

الثاني يهدف الى تجاوز فكرة كون الثورة أكثر أصالة منها عنيفة.أحيانا لا يمكن تفادي العنف ،لكن من الخطأ التفكير بكونه مشروعا

وضروريا ؛لأنه يستدعي عنفا آخر.

 

س: الوصفة المفروضة على اليونان ،مخططات التقشف التي تقود الى  الركود ،تغذي رفض أوروبا  على مستوى الطبقات الشعبية الواسعة.هل تستطيع أوروبا مواصلة أداء دورها بخصوص سياسة الحضارة التي تنادون بها؟

ج: إن الأزمة الاقتصادية كشفت عن أزمة موجودة أصلا. لقد تشكلت أوروبا اقتصاديا ،لكن دون وحدة ضريبية،كما أنها ظلت قزما سياسيا،فهي غير قادرة على تمثل فكرتها المؤسسة: الاتحاد من أجل السلم ،وبموجب سمات حضارية مشتركة.اليوم ،يكمن في هذا الفراغ خطر حقيقي .لقد أصبحت ألمانيا قوة اقتصادية  مهيمنة ،وفرضت على الآخرين وصفة الركود الخاطئة.

بالنسبة لي ،يوجد اليوم مؤشران نذيران.الأجوبة التي تواجه بها هيمنة الليبرالية الاقتصادية الجديدة  تنتج الفوضى في اليونان ،كما أنها تستدعي ن في هنغاريا، نظاما استبداديا جديدا، لا زلنا لا ننعته بالفاشستي ،لكنه خطير.

س: في فرنسا دعوتم ،أخيرا، رئيس الجمهورية الى تغيير المسار.ما هي نظرتكم الى الوضع؟

ج:لنقل بأنني لا زلت أنتظر الوثبة .لم أيأس بعد.إنني أقدم نقدا بناء.إن الوضعية تكشف عن أعراض مقلقة.نلاحظ نفس الأشخاص في الدواوين الوزارية ,يسلمون نفس التقارير ،ويفكرون في السياسة انطلاقا من الآراء المتوصل بها عن النمو والتنافسية.

سيفهم رئيس الجمهورية أن عليه أن يغير المسار ,وأن الوجهة الكبرى ،لمعاودة الانطلاقة الحقيقية ، هي الاقتصاد الأخضر  .

إن غياب فكرة عن عالمنا المعاصر ،وعن الأزمة الحالية للإنسانية ،في عصر العولمة ،يقود الى رؤية قصيرة المدى ،غالبا ما نحمل المسؤولية عنها للأحزاب السياسية.

س: تنادون ببعث الفكرة السياسية.ماذا تقصدون بهذا؟

ج:ان المسؤولين السياسيين يعيشون من يوم الى يوم.لم تعد لديهم رؤية شاملة.ولكي لا يحكم عليهم بالسير نياما  ،يبدو لي أنه من الضروري بلورة فكرة سياسية ،تعرف كيف تجمع المعارف.لننظر الى العلمانية ،على سبيل المثال،؛انها ،وفي نفس الوقت، سياق

اقتصادي،ديموغرافي،سوسيولوجي،سيكولوجي،وديني الخ…. كل المعارف تتداخل ،وكذلك الأحداث.

في سنة 2001 تمكنت مجموعة سياسية هامشية وصغيرة – القاعدة- من تدمير برجين في مدينة نيويورك؛وكانت النتيجة  انفجارا عالميا.إن الأحزاب في كل شيء ،لكن كل  شيء في الأحزاب.هذا الواقع يستدعي نمطا مغايرا من التفكير،معقدا ،طويل الأمد ؛وليس مانويا. إن العالم بحاجة،في نفس الوقت، الى العولمة(الثقافات على سبيل المثال) واللاعولمة(الفلاحة).انه ،في نفس الوقت،بحاجة الى النمو واللانمو.يجب أن ينفتح لكي يستفيد كل واحد من الجهود الايجابية ،ويجب أن ينغلق لكي يواصل الناس انتماءهم الى مجتمع. هذا هو توجه الفكرة السياسية التي يمكن أن تحدث تحولا و تغييرا في المسار.

 

ادغار موران: الربيع العربي يقظة ستخصب المستقبل، لكن لا أعرف كيف. حاوره بول ما سون و جون بول بييرو/ ترجمة : رمضان مصباح الإدريسي
ادغار موران: الربيع العربي يقظة ستخصب المستقبل، لكن لا أعرف كيف. حاوره بول ما سون و جون بول بييرو/ ترجمة : رمضان مصباح الإدريسي

le 19 Juillet 2013 l’Humanité

ramdane3@gmail.com

 

اترك تعليق

كن أوّل من يعلّق

نبّهني عن
avatar
‫wpDiscuz